الخوف من طارق
قبل 3 شهر, 24 يوم

إذا غابت الدولة الضابطة أثناء الحروب يتعرض الشعب للتفكك ويتوزع إلى فرق طوائف وميليشيات تتجاذبها الأطماع وتشدها الولاءات الخارجية، سعياً وراء الدعم والاحتواء. و هي حالة انعكست على الساحة اليمنية حتى بات الشغل الشاغل والنشاط الإعلامي لناشطي الثورة والحالمين باليمن الجديد يسير خارج نطاق الهدف وبعيداً عن خط مواجهة الجائحة التي ضربت اليمن كالإعصار المدمر، وباتت التباينات بين جبهات المواجهة أبواباً لتسلل وديمومة الطموحات الحوثية بل وباعثة لأمل بقائه وعيشها لفترة أطول.

اختلافات بين أصحاب الأهداف والمحن السياسية والشكوك المزمنة عاشها البعض بعد نتائج مؤتمر الحوار الوطني تحديداً، وشاركت فيها كل الأحزاب حتى فتحت الأبواب على مصراعيها لدخول ألسنة اللهب الفارسية الحوثية وتمددها لتنتشر وتعم كل ربوع الوطن. فكان تحالف صالح ومؤتمره مع الميليشيات على رأس تلك الجائحة وعنوانها الذي لن يغفره التاريخ، شئنا أم ابينا لأن الإنتهازية السياسية والهوى خانتهم وخذلت قراءاتهم، على الرغم من وضوح الخطاب الحوثي الرسمي وعلى مستوى الشارع بأنهم لن يدخلوا صنعاء لتكمين أحداً غيرهم من الحكم.

كان الهدف والخطاب واضح لكن، "مايستروا" الموسيقى الحوثية عزفها بدايةً بطريقة أخرى، ألحان أعدتها الهاشمية السياسية منذ زمن بعيد ووضِعت وفقاً لكل هوى يعيشه كل طرف، بدءاً بالتملق وتقديم الوعود والخدمات حتى اللأخلاقية للمسؤولين وانتهاءً، بالتلويح بالسلاح وحبال المشانق.

حتى بدى وجه السيد من وراء رأس الأفعى بعد ظهورها على مشارف صنعاء يوزع على الجميع صكوك الأمان والتطمين، بأنه لن يمس زيداً وسيتركه آمناً وماله وأولاده طالما أنه لن يعترض المسيرة الشيطانية، ولن يحاسب عمراً وسيتركه طليقاً ماله وشأنه إذا سكت وتوارى! ذابت بعض الأطراف في وجه السيد ورفضت بعضها وقبل البعض الآخر تساوقاً مع المثل القائل مكرهاً أخاك لا بطل.

توسعت كرة النار امتدت الأيادي الإيرانية  الآثمة إلى صنعاء. فُتِحت الموانئ أمام السفن والأجواء أمام الخطوط الإيرانية ورسَمت جسراً جوياً أرعب الداخل وأفزع الجيران. توسعت بعدها الحرب، و دخل التحالف في الخط قبل ان يرحل صالح فيتشتت المؤتمر وينفرد الحوثي بوصف الانقلابي الناهب للدولة ومؤسساتها.

 تباينت وجهات نظر التحالف العربي في سير المعارك واستقطاب الحلفاء ورسم خطوط السير إلى صنعاء وتحديد الأطياف التي يجب أن تحكم وتسود. تأرجحت الحكومة الشرعية بين تعدد الجبهات، فظهرت جبهات لم ترق للشرعية ولم تتماهى مع سيرها ومنها جبهة الساحل ( تعز – الحديدة – صنعاء) التي يقودها طارق صالح فكثرت الأصوات الخائفة والمشككة به وبأهدافه وبمن وراءه.

باتت الشكوك والمخاوف سيدة الموقف حتى أبطأت الحرب والتقدم والحسم نتيجة لغياب فهم بعض الحقائق التي صنعتها الأحداث والتي لن تتكرر ولن تعود تطبيقاً وعملاً. ذهبت شخصية على عبدالله صالح التي كانت لا تنام حياكة سياسية وتأليب جماهيري واتصالات وتربيط ليل نهار غابت الشخصية العنيدة التي حوت كل تناقض وعناد وصلابة وشك ووهن غابت الأوتار والتناقضات التي كان يعزف ويرقص على مواويلها، ومن المؤكد أن من خَلَفه من الشباب وعلى رأسهم طارق صالح لا يمكن أن يكون نسخه متطابقه أو حتى متشابهة معه ويمتلك من القدرات بعض مما امتلكه عمه الراحل.

 شباب ولدوا في عهد الثورة وفي أحضان سلطه، فذاقوا نعومتها منذ الصبا وتعايشوا مع مختلف الوجوه وتخاطبوا مع كل الألسن وبكل اللهجات! إذن فلماذا الخوف من هكذا شباب إذا فتحت لهم طريق العبور إلى صنعاء حيث الطوق القبلي الذي سيكون سنداً لهم لا لغيرهم من القادمين من غير طوق العاصمة. انها ليست دعوى جاهلية، ولكنها حقيقة القبائل التي لابد من تفهم حدسها و مخاوفها من القادمين من بعيد لتولي السلطة وإقصاءها. الوهم الذي أملاه صالح عليهم وأحاطهم به وبهم.

لماذا الخوف من طارق في ظل يمن جديد ونظام اتحادي واجب التحقق،  وفي ظل وجود جيوش في كل إقليم، يبدد فعلياً أحلام الحالمين بعودة النظام المركزي القاسي وتسلط البعض على الكل وصب موارد الجمهورية كلها في خانة واحدة دون عدالة في القسمة والتوزيع.

سأثق شخصياً حتى بالقبائل التي ستتمرد وتنتفض ضد الحركة الحوثية بعد استمرارها في الدعم لها أشهراً وسنين، لأنها كانت ضحية الوهم والسيف الذي غلب عليها وساقها عنوةً، ولم تسر معها طواعية ورضى وعن طيب خاطر.

فالذي يغوص في أعماق القبيلة بعد الثورة سيرى فيها الكثير من التغير والتمرد على الظلم والعشق للحرية والميل إلى حياة المدنية والاستقرار خصوصاً شبابها الدارسين في الداخل والخارج وبعد تخلل الأحزاب السياسية إليها وبناء وعي ظهر جلياً في أحداث ثورة 2011م.

وعليه لابد من قبول كل الأطراف والجبهات المتجهة صوب صنعاء لتحريريها، وعدم زرع الشكوك وبناء الحواجز في طريق بعضها البعض وإن اختلفت الخطط وتباينت وجهات النظر، وعدم الخوف من القادم بعد التحرير، من الجرثومة السلالية التي لا زالت تدعي أن اليمنيين رعيتها وأن لها في أعناقهم بيعة يجب عليهم على إثرها تسليم رقابهم وبلدهم التاريخي وخمس أموالهم للتمتع وأولادهم لطاحونة حروبهم التي لن تتوقف إلى يوم القيامة الصُبح، ولكن هيهات إن موعدنا الصُبح وإن الصُبح لقريب.