حرب اليمن وانخفاض المنسوب الاخلاقي لغير المكتوين بنارها !!
قبل 4 شهر, 22 يوم

الحروب في تأسيساتها غير النبيلة دوما ، قادرة على استجلاب الكثير من المؤيدين ، الذين يحاولون ما استطاعوا  تحميلها بعدا اخلاقيا فيما يكتبون ويدافعون ويقاتلون ايضا . لكنها في نهاية  المطاف لا تتجاوز مسمياتها ووظائفها كحروب، وحروب قذرة ايضا ، لأنها تُخرج اسوأ ما في النفوس من احقاد وضغائن،  وتحصد الاف الضحايا من غير المتحاربين ، ومن غير مشعليها  الحقيقيين او المتكسبين منها، والذين تخطف ارواحهم وتشوه ابدانهم القذائف والصواريخ والالغام في القرى والمدن والطرقات، دون ان يلتفت الي معاناتهم  احد، الا في حال استخدام صورهم كضحايا، في استثمار دعائي فبيح.

جيش جرار من الساسة والاعلاميين  والناشطين اليمنيين والمحللين الموزعين على العواصم  (الرياض والقاهرة وعمان وبيروت واسطنبول وعواصم اوروبية اخرى) ، و تتولى الاجهزة السرية (السعودية والقطرية والاماراتية والايرانية )، تحت مسميات مراوغة ،الانفاق عليهم بسخاء ، ليس معنيا بمعاناة الملايين  في الداخل، والذين يتربص بهمم الموت  المجاني والتغييب  والفوضى و ويعانون من نهب المرتبات وانعدام الخدمات (تطبيب وتعليم) وتكميم  الافواه . فقط هذا الجيش  يؤدي وظيفته الامينة كبوق كبير، لتبرير افعال ممولي الحرب والمتكسبين منها . بوق ليس من مصلحته ايقاف الحرب واسكات سلاحها ، كمقدمة  للوصول الى سلام  حقيقي مستدام ، ينصف المظلومين والضحايا ويزيح  القتلة ويحاسبهم ،لأن سلام  مثل هذا سيجفف مصادر رزق طابوره  الطويل .  والاقبح ان هذ البوق لا يستحي حين  ينزلق كثيرا الى اتهام سكان الداخل  بالإذعان والعبودية لقوى الاستبداد .

بعد ان ذاق الصف الاول من قادة الانقلاب  و مشرفي الجهات وكذا  الوجهات  السلالية  والاتباع  رغد العيش وحلاوته  بفعل  اقتصاد الحرب ، ونهب المؤسسات وابتزاز و سرقة رجال الاعمال، والتجاوزات المنفلتة  بغطاء القوة ،وما يظنونه حقا في الحكم والتسيد ، لن يقبلوا  بإيقاف الحرب التي هي مهنتهم في الاصل، ومادام ضحاياها  الكثر من اولئك المغفلين الذين يساقون الى الجبهات بشعارات ووعود خادعة ، وما داموا غير خاضعين للمساءلة والمحاسبة  عما يقترفونه من افعال مشينة وانتهاكات جسيمة. 

هل سيقبل رموز وفاعلي نخبة الفساد التاريخي في صفوف الشرعية  ايقاف حرب، يعلمون ان لاطرف  بعينه قادر على حسمها !؟  وان  انطفائها  بتسوية سلام ستعني اخراجهم من المعادلةّ  ؟ اما استمرارها  تمدهم بطاقة عجيبة يستثمرونها بشعارات  اخلاقية  تحاول تذكير الناس بارتباطهم ببنية لم يزل معظم اليمنيين  يعولون عليها، في استعادة الدولة واعادة الاعتبار للتعايش والمواطنة . ثم ان ايقاف الحرب عند هؤلاء تعني قفل انبوب الموارد، التي تعززها عمليات الاتجار بالسلاح، ومواد الاغاثة وتهريب المشتقات ، واستقطاع مرتبات الجنود ،وابتزاز ونهب ممولي الحرب الفعليين ورعاتها.

يرون بأم اعينهم البلاد تتفكك ، وتتحول الى اقطاعيات استبداد وتسلط لمراكز  نفوذ  برزت في سنوات الحرب، او تلك التي اعادت السنوات الاربع الماضية ضبطهم كمنتج طويل الامد  لصالح بنية تحالف الحكم  الطويل ( رجال دين ومشايخ قبليين وعسكر موالين) دون ان يرف لهم جفن، لان مصالحهم كأفراد او طبقة فاسدة مغلقة، ليست مع الاستقرار السياسي وبناء دولة تمدن ومواطنة، لان الاخيرة ستعيد الاعتبار للقانون ضابط الجميع، والذي سيخضعهم، في حال الارادة، للمساءلة والمحاسبة .

ثم ماذا يريدون بالداخل المنهك والمتهتك والمتخلف اصلا ؟  مادام الخارج الممول يوفر لهم ولأسرهم كل سبل الاستقرار والعيش الفاره  والتعليم والتطبيب ، ويوفر لمصالحهم واعمالهم التجارية الحماية والاسواق.

الداخل المتهتك والمنهك المتخلف  مثلما هو شعار للمزايدة  لفاسدي الشرعية ، هو في ذات  الوقت وعاء الاستثمار الواسع لمستبدي الانقلاب  ،الذين لا يزالون  يتحكمون  بأكبر  كتلة سكانية في معظم مدن الشمال والقادرة على تمويل الحرب من الاسواق السوداء والتهريب وتبييض الاموال  والاتاوات التي تتم على اعمال واشغال أصحاب المهن ورجال الاعمال  او الاستقطاعات التي تتم  على المداخيل   الشحيحة للموظفين او من انفاق السكان على السلع الضرورية المرتبطة بمعاشهم اليومي والتي يفرض عليها الانقلابيون جمارك وضرائب مضاعفة بدون توقف .

 القوى المتطرفة المنفلتة المحسوبة على الشرعية  هي الاخرى تستثمر في الداخل، حين تقوم بتقسيم المدن والاحياء والمناطق  التي تسيطر عليها الى مربعات امنية للجباية والابتزاز وانتاج امارات حكم فيها ،على نحو ما يحدث في تعز وابين والبيضاء وشبوة ومارب  وارياف حضرموت.

الداخل ايضا مجال حيوي للقوى التي تسعى لاحتكار تمثيل الجنوب ، و تعمل بدون بوصلة سياسية، وتظن ان الاستثمار في التكتل القروي  في النزوع العنصري ،وتغذية الكراهية ومحمولات الثأر، وتعطيل عمل المؤسسات  في العاصمة عدن ،سيمكنها من احكام قبضتها على جغرافية  مترامية،  سالت في ارجائها و على مدى ثلاثة عقود مياه كثيرة، ولا يمكن للشعارات الغريزية المنفلتة و الاستقطابات  المناطقية والارتهان السياسي ان توفر غطاء لحكمها بشكل منفرد.