عودة ثانية : صباح الراتب صباح السلام (1-2)
قبل 3 شهر, 22 يوم

صباح ابتداع أشكال حركة عملية، يومية، )  سياسية، إعلامية، قانونية، حقوقية) ، من قبل جميع المعنيين، على طريق انتزاع حقهم ، وحقوقهم في رواتبهم المصادرة، من جانب الشرعية، وتحالف الانقلاب، وبنك صنعاء، وبنك العاصمة المؤقتة عدن . ما يهم الناس  البسطاء الجائعين حد المجاعة ، ليس القضية السياسية، والموقف السياسي، ولا شعار السلام المجرد -أقصد السلام المسيس - بل الموقف من حقوق الناس في رواتبهم، حق الناس في العيش الكريم، وفي انجاز وصول الراتب إلى أيديهم، وعلى ضوء ذلك  اقول قد تتحدد خيارات الكثيرين منهم . قطعا ، بين هولاء الملايين "قلة"يتعاطون مع الشرط السياسي، كمدخل لتفسير، وقراءة، وتحليل معنى مصادرة الراتب، ومن هو المسؤول، ولكن الغالبية العظمى من الناس ليسوا نخب  مفكرة، بل كتل سكانية غير مسيسة ، يقعون خارج الشرط السياسي الأيديولوجي "الملتزم" ، لفهم وتحليل ما جرى وما يجري، في مقابل نخب موزعة بين الوقوف مع الشرعية، واخرى منافحة ومدافعة عن الانقلاب لأسباب عصبوية، أو لأسباب ذاتية خاصة .. وهنا المسؤولية الكبرى تقع على الشرعية، بتقديم معالجات حقيقية لاوضاع الناس المعيشية، والاقتصادية، والمالية،(الراتب/ كأولوية) ، خصوصا بعد قرارهم بنقل البنك المركزي إلى العاصمة المؤقتة، عدن.

إن أول وأبسط تعريف لأي شرعية سياسية "حكم" ، هو مسؤوليتها الاجتماعية والوطنية والقانونية تجاه جميع أبناء الوطن ، دون تفريق أو تمييز ، وأول وأهم وظيفة لأي شرعية هو إعطاء الناس حقوقهم ، وعلى رأس هذه الحقوق ، الحق في حصولهم على الراتب .

نعلم أن البنك المركزي استنزفت أرصدته، وأمواله، بما فيه الاحتياطي النقدي الاجنبي، بما فيه كذلك جزء من الوديعة ، وهي في تقديرنا مسؤولية مشتركة، بين من عبث بها لصالح مشروعه السلطوي الحربي (الخاص) ، وبين من ترك الحبل على الغارب، وسمح بذلك العبث طيلة سنتين  من عمر العبث، والتبذير بأموال الشعب  وحقوقه ومصالحه المالية المتراكمة، ولم يتدخل في الوقت المناسب، وجاء تدخله بعد أن وقع "الفأس في الرأس" ، وصار الاحتياطي النقدي في خبر كان ، وكان تدخله على اثر ذلك المآل الذي صار عليه البنك المركزي في صنعاء، والقرار  غير المدروس بنقل البنك إلى عدن. وهو بذلك يعلن مسؤوليته أن البنك في عهدتهم سيكون حاله، ومصائر علاقته بحقوق الناس ورواتبهم  أفضل ،وأن تدخله جاء لصالح الخير العام لجميع اليمنيين وليس لجزءٍ منهم ، وهنا يتوجب على بنك عدن ومن يقف خلفه،  تقديم معالجات كلية، شاملة، تضع الشعب خارج دائرة لعبة الصراع السياسي، والعسكري. كان تقديري أنهم لم يتخذوا قرار نقل البنك إلاَّ ولديهم رؤية سياسية، ومالية ، واقتصادية، تقدم من خلالها خارطة مالية نقدية ، إدارية ، تنظيمية، للمعالجات، والحلول، وإلاَّ على أي أسس، وخلفيات اتخذ قرار النقل للبنك ؟! ألم يكن أفضل لهم ترك الجماعة في صنعاء تتدبر أمرها وتقف في مواجهة مباشرة مع الناس، ما دام الأمر سيكون سيان في ما بينهما، وفي موقفهما من مصالح الناس ، أقصد الناس في الشمال والجنوب ، وحقهم في الراتب. ألم يضعوا جميع اليمنيين في حسابهم ، ويفكروا في كيف سيعيش الملايينفي وهم بدون مصدر دخل ، الأمر الذي يعني حكم بالإعدام؟! ألم يضعوا كل ذلك في الاعتبار؟! فاليوم  الجماعة في صنعاء تحمل  الجماعة في عدن المسؤولية، بسبب نقل البنك ، ومن أنهم كانوا قبل ذلك يصرفون رواتب الجميع  من الشمال والجنوب.

ثم كيف تنقل بنك بالتزاماته المالية والسياسية والوطنية ، إلى مدينة شبه محاصرة لم تستقر فيها الشرعية وحين تتواجد فيها "الرئاسة /الحكومة" ، تبقى وكأنها في وضع الإقامة الجبرية من قبل بعض أطراف التحالف ، وهرواتهم العسكرية وميليشياتهم الأمنية "حرب يناير 2018م أنموذجاً " ، عاصمة مؤقتة يقال أنها "محررة" ، والقتل والاغتيالات فيها متعددة الأسماء وشبه يومي ، وتفتقر للخدمات الأساسية ،والأمن؟!.  

لا يخالجني أدنى وهم أن تحالف الانقلاب ذهب منذ البداية  نحو تنفيذ مشروعه السياسي/ السلطوي، "مشروع المركز العصبوي التاريخي" ، ووظف كل امكانيات البلاد لصالح ذلك المشروع، وسار ثنائي الانقلاب باتجاه تقليص، بل والغاء جميع أبواب موازنة الدولة لصالح خدمة مشروعهم العسكري، والسياسي الخاص بهم .  فقد تحللت سلطة الأمر الواقع من جميع التزاماتها تجاه المواطنيين، والمجتمع، بعد أن غيبت الدولة كلية ، والغيت كافة الحقوق المالية للناس( رواتب ، مكافآت، حوافز، أجور خدمية، وإضافية، انشطة رأسمالية، صحة، إعانات، مواصلات، كهرباء) ، ولم يتبق في عهدتها، أو عهدتهم، من التزامات سوى الراتب، الذي دخل من سنة وثمانية أشهر في عداد المفقودات. كل ذلك والشرعية المتنقلة بين الرياض / وعدن لم تتدخل، إلى أن وصلنا حد ايقاف صرف راتب الملايين إلى أجل غير معلوم،  ولا أفق عملي لحل مشكلة الراتب الذي يعني جوع عام ومجاعة متنقلة تحصد يومياً مئات الأرواح في أرياف ومناطق البلاد المختلفة . وتشير التقارير الدولية والمحلية إلى أرقام كارثية ، بعد وصول قطاعات واسعة من المجتمع تصل الى80%  منهم إلى حد المجاعة الحقيقية، وتفشي الأمراض الفتاكة ، إضافة إلى عملية نزوح تصل إلى أكثر من ثلاثة ملايين ، حسب تقرير "اوتشا" 2018م ، ناهيك عن النازحين في دول الجوار ، وغيرها ، يرافق ذلك أن صار السوق وحركته شبه متوقفة، والبيع والشراء في حالة ركود، وتدهور كارثي في قيمة الريال ، وبعد أن اصبحت ملايين الاسر)  قطاع عام ( وجزء كبير من (القطاع الخاص)، والمتقاعدين، واصحاب معاشات الضمان الاجتماعي ، بدون مصدر رزق ، بعد أن صرفوا مدخراتهم، المالية،)النقدية والعينية(، طيلة السنة والنصف الماضية، لمواجهة أعباء الحاجات الملحة للاستمرار أحياء  ضمن شروط مقومات البقاء على قيد المجاعة ، أوقيد الموت المنتظر.

ومن هنا ضرورة ابتداع أشكال  دفاع مدني لعدم الانقراض، اشكال مقاومة  سلمية، لاستمرار الناس في أدنى شروط الحياة السوية، بالتوجه للضغط على المعنيين في عدن / وصنعاء،  لعدم الاستمرار المفجع  لتجاوز حد حقوق الناس في رواتبهم ، أي ممارسة ما يسميه المفكر العربي المغربي د/عبدالكبير الخطيبي "النقد المزدوج" النقد للذات  وللآخر ، النقد لمن يقف خلف بنك عدن وبنك صنعاء ، وخاصة في ما يتصل بالموقف من الراتب وادارة الصراع السياسي، والعسكري، بعيدا عن مصالحهم وحاجاتهم الحياتية اليومية المباشرة . وهنا من حقنا أن نقول إنهم يختلفون في كل شيء إلاَّ في موقفهم السلبي من حق الملايين في الحصول على رواتبهم ، وكذا توحدهم في شيوع ظاهرة الفساد التي تغشاهم معاً.

والأهم اليوم والآن ، ونحن ندافع عن حقنا في الراتب، أن لا ننسى أو نتجاهل شعارات "سلام" تضحي بالمشترك الاجتماعي والوطني ، والأخطر بالمشترك الانساني ، حين يقبل البعض بتمرير وتسهيل عبور رؤى وأفكار خرافية "ميتا فيزيقية" ، وهيمنة قوى ماضوية  تحاول أن تتحكم بكل المستقبل الآتي لنا ، وباسم "السلام" .

إننا، مع خطاب السلام المسيس ، نجد أنفسنا أمام رؤية أفقية للسلام لا ترى أعماق المشكلة ولا حتى التفاصيل ، فقط شعار السلام وكفى!! ولذلك لا نبصر  الحل أو مداخل للحل ، فقط شعارات سلاموية تساهم في مراكمة أحجار العنف ، واستدامة الأزمة والحرب .. والمطلوب رؤية إبداعية نقدية جدلية ، للواقع وللتاريخ ، رؤية ترى المشكلة / الأزمة في ترابطها ، وفي تفاعلاتها الداخلية ، في سياق علاقة المنطقي  بالتاريخي ، ولا تفصل بين العلة والمعلول ، بين السبب والنتيجة ، وهي تقرأ وتطالع المشكلة . وتلكم هي مشكلتنا مع بعض الطروحات والشعارات حول السلام .. السلام  المسيس الذي أصابنا جميعاً بعمى البصيرة ، بعد أن فقدنا البصر، حتى أننا لا نرى أشياء كثيرة هامة تفقأ العين من الحق المقدس"بالولاية" إلى مصادرة الراتب لهذا الزمن الطويل ولا نرى كل ذلك إلا باعتباره مسألة عابرة، وليس قضية / قضايا سياسية واجتماعية / وطنية وإنسانية، تستحق الخروج من أجلها للشارع ، وإلى نداءات وبيانات شبه يومية، علماً أن قضية الراتب وغيرها من القضايا السياسية المركزية هي أحد أهم مداخلنا للسلام الحق، لأن من ليس بمقدوره الدفاع عن حق الملايين من الفقراء بالراتب، وإعلان رفض فكرة وقضية "الولاية" ، ليس بمقدوره تبني وحمل راية الدفاع عن السلام ، سوى في اللغو الكلامي المجرد.

هناك سلام يجعلك تبكي على الإطلال، سلام يبقيك أسيراً للنتائج،   مستلقيا في حالة ندب وشجب، ولطم، لا تنتهي على قبر المأساة الإنسانية، وبالنتيجة إعادة إنتاج واستدامة الحرب، ضمن سياقات جديدة مدمرة، كما أن هناك سلام يحفزك ويدفعك لتجاوز ونفي نتائج الحرب، على طريق إنتاج حلول سياسية وعملية واقعية، والبداية في اكتشافنا لجدل علاقة المنطقي، بالتاريخي وفي نقد أسباب الحرب، ومنع إعادة شروط وعوامل انتاجها في المستقبل