الشرعية ووفود جنيف..!
قبل 2 شهر, 8 يوم

يحق للمليشيا الحوثية أن تتدلل وتتعنت وتتلكأ في الذهاب إلى مشاورات جنيف؛ فهي في كل مرة تحضر متأخرة بعد أن تحدث بلبلة كبيرة إعلامياً وسياسياً فتظهر ما تخفي الصدور في عدم الجدية للعمل على مخرج سياسي لليمن من أزمتها. فسلوك العصابات دائماً لا يكترث لمعاناة الناس ولا يأبه أبداً لمصالحهم.

يحق لها ذلك لأنها تواجه شرعية متلهفة لتلك المشاورات وبمستوىً عالٍ من التمثيل تركض وراء حفنة من خريجي الكهوف الذين تتصلب ثيابهم من شدة اتساخها وعصابة تستلذ بإذلال الشرعية وتلعب بها يمنة ويسرة دون أن تعتبر الشرعية من كل المواقف المماثلة في مشاورات سابقة، ودون أن تمتلك مهارة المراوغة مع عصابة تعلمت أسلوب التعنت واللف والدوران من أساليب إيران في سياسة النفس الطويل، ومن أساليب مليشيا حزب الله مع الصهاينة.

قد يبدو حرص الشرعية على المشاورات لإرضاء الأطراف الدولية وظناً منها أنها تكسب النقاط السياسية وتعري تعنت المليشيا الحوثية في إيجاد مخارج لليمن من أزمتها، لكن ومع كل مشاورات سابقة حدث الشيء نفسه، فلم يكترث المجتمع الدولي لتلك النقاط التي سجلتها في المحطات السابقة، ولم تنل الشرعية مرادها في إرضائهم،  بل لقيت صداً وتلاعباً دوليين تجاه مضيها في حسم بعض الجبهات كالحديدة مثلاً، وحتى تقارير المنظمات الدولية المنحازة للمليشيا الحوثية رغم أن إجرامها بحق الشعب اليمني يعلمه العالم أجمع، ويقف الجميع ضد رغباتها سياسياً وعسكرياً وحقوقياً.

كان على الشرعية أن لا ترسل وفداً بذلك المستوى الرفيع أمام تلك العصابة التي ترسل موفدين من مليشياتها من درجات أدنى خاصة وأن المشاورات أولاً لن تكون مباشرة وجهاً لوجه، وثانياً أنها استكشافية لمواقف الطرفين، كما صرح بذلك المبعوث الأممي غريفيث، وأنها غير حاسمة، وأنها ستبدأ من الصفر من عند نقطة بناء مد جسور الثقة التي مر عليها نحو أربعة أعوام دون أية حلحلة لها أو تطبيقاً لها على أرض الواقع.

أمر مستوى التمثيل يعد إهانة بحق الشرعية، والأصل أن لا يكون هذا المستوى من التمثيل إلا في الجولات النهائية والحاسمة التي تتطلب شخصيات تمتلك القرارات بيدها وذات صلاحيات واسعة.

كان والحال هذه من أجندة المشاورات أن يتم إرسال شخصيات قيادية من مراتب أدنى تتحقق فيها ثلاثة مواصفات رئيسة: حرقة حمل القضية اليمنية، ومن الذين يعرفون أدق التفاصيل عن هذه المليشيا وطرق أساليبها ومراوغتها من المفكرين والدارسين المهتمين بشؤون هذه المليشيا التي تستطيع معرفة وكنه مسار وأجندة تلك المليشيا، ومن المهرة المتمرسين في التفاوض الذين يستطيعون إدارة أجندة التشاور لا يكونون متلقين لها.

في اعتقادي تذهب الوفود وفي قلوب معظم أفرادها حب بدل السفر ومتعته وتغيير الجو والتنزه لا أكثر، أو رغبة في الاحتكار وتصدر المشهد حتى لا يتيحوا لغيرهم السفر أو عدم الثقة بالآخرين.

لا بد أن يكون الشخص المحاور أو المشاور مطلعاً على تاريخ هذه المليشيا، وطرق تعاطيها مع المشاورات والاتفاقات المختلفة، ويقرأ نواياها عن قرب، ويكون عنده كل نقاط القوة ونقاط الضعف، وإحصائيات شاملة بعدد تلك الاتفاقات ونقض العهود والمواثيق ونقض الهدن، وغيرها من النقاط التي تمكنه من فرض أجندة الدولة والشرعية على طاولة المشاورات.

فباستثناء جلال الرويشان كوزير سابق من وفد المليشيا الحوثية، فإن معظم الوفد يتكون من بعض الإعلاميين والمشرفين الصغار الذين لا يتم قبول أحدهم فراشاً في مكتب إعلامي محترم، ولا يملكون أية مؤهلات تمكنهم من تصدر المشهد سوى أنهم من المليشيا، وبإرسالهم لمواجهة كبار مسؤولي الشرعية هو استخفاف في الوفد الحكومي وإهانة لهم، أعتقد أنهم سيكونون فاقدي لباقة الحديث وآدابه في طاولة التشاور.

 

غياب الإعلام الرسمي

كما يذهب الوفد المشاور في معظم اللقاءات بدون أي سند أو مؤازرة وتغطية إعلامية رسمية، حيث باتت الشرعية لا تستطيع تحمل كلفة الطاقم الإعلامي للتغطية الإعلامية، ويلجأ الإعلام الرسمي وخاصة القناة الرسمية والأولى إلى الأخذ عن قنوات خارجية أو تصوير شخصي ذاتي ضعيف من خلال الهواتف الذكية!

هو الأمر نفسه في بعض الجبهات العسكرية التي ينبغي أن يتم تغطية تحركاتها أولاً بأول فتعجز القنوات الرسمية ووكالاتها ومواقعها عن تغطية كلفة مراسل فضلاً عن طاقم متكامل، بحيث ظهر إعلام المليشيا الانقلابية بمظهر كبير ومتقن مغطي للأحداث أولاً بأول يتابعه المهتمون أكثر من متابعة قنوات وإعلام الشرعية، في حين نحن ننعته بإعلام العصابات وظهورنا مكشوفة إعلامياً نفتقر إلى أدنى مقومات التغطية الإعلامية أضر بالشرعية ميدانياً وجماهيرياً وشعبياً.

الأمر لا يتعلق بعدم قدرة الشرعية على تغطية تلك الكلف، بل هناك إسراف وتبذير في الأموال في غير مواضعها، فقط نفتقر إلى اتخاذ القرارات السليمة وإدراك قيمة المعارك العالمية في الحروب والأزمات والتي تسبق أحياناً مكانة التحركات العسكرية. فراتب وكيل من وكلاء وزارة الإعلام الثمانية عشر يكفي لتغطية جبهتين كبيرتين على أقل تقدير، في إنتاج عمل ميداني محترف، بدل أن تذهب مثل هذه الرواتب كهبات ومجاملات وتحاصص ليس لأصحابها أية مخرجات أو إنتاجات إعلامية تخدم الشرعية والقضية اليمنية عموماً.