الخلافة، بين الدولة، والدين (2-2)
قبل 16 يوم, 15 ساعة

الإهداء: إلى المفكر  والمناضل د/أبوبكر السقاف/ أستاذاً، ومعلماً، وصديقاً، هو بحق رجل التنوير الفكري، والسياسي، والديني، ورمزاً لفكرة الحرية، والمساواة، والعدل، الرجل الشجاع والصادق الذي تعلمنا منه معنى أبجدية المقاومة، وليس الهروب، والانسحاب من الفعل في الحياة، حين يكون ذلك واجباً مقدساً، فلم يترك يوما أمور الحياة نهبا للعفن والانحطاط، كان في قلب المواجهة بالكلمة الخالدة وبالفعل النبيل، لم يترك قضايا الناس تديرها اللامبالاة، وانعدام المسؤولية، والفوضى، وتتحكم بها قبضة القتلة واللصوص وفسدة القيم من الكتبة المأجورين .

كان قائدا حزبيا عظيما دون انتماء أو موقع حزبي، ذلكم هو القائد بالفعل وليس بالقوة، حسب التعبير الأرسطي.

إليه في رحلة تعب العمر ومحنه الإنسانية القاسية ،التي يواجهها  بصبر عزة النفس وسمو كرامة الإنسان الحق، دون وهم بمجد زائف ونجومية زائلة.

مع كل المحبة والاعزاز والتقدير.

ب. الخلافة، بين الشريعة كفكرة، والشريعة كتطبيق.

بعد الاستخلاص أو الخلفية الفكرية والفقهية، والكلامية والسياسية التاريخية، الموجزة   والمكثفة التي تليق بمقال يساوي المقام ، وهي التي وصلنا إليها، حول مسألة الخلافة، علينا أن نقتنع اليوم جميعاً بأن مسألة الخلافة صارت من التاريخ، وأن ظاهرة الخلافة ما هي في الواقع إلا حالة سياسية موضوعية تاريخية، ابتدعها وأنتجها العرب في صدر إسلامهم، وفي أول لحظة مواجهة مع مشروع بناء الدولة الذي لم يكن لهم / معهم به خبرة تاريخية، وتجارب حياتية سياسية حقيقية، خاصة في الجزيرة والخليج، وجدوا أنفسهم بعد موت الرسول محمد ص في مواجهة مع مشروع سياسي تاريخي كبير وجديد من أجل إنجاز دعوتهم الدينية وكذلك من أجل تلبية حاجاتهم العملية، والإدارية، والتنظيمية، والسياسية -أي إدارة حياة المجتمع، والناس وتسيير مصالحهم العامة والخاصة- ومن هنا تاريخياً، ارتباط اسم الخلافة بالإسلام (الخلافة الإسلامية) والذي قطعاً لا يشير بأي معنى من المعاني إلى وحدة الدولة، والدين، أو أن الخلافة، السلطة، والدولة، هي مسألة دينية، بقدر ما هو ارتباط لغوي، تحول تاريخنا إلى مفهوم، أو مصطلح أيديولوجي - سياسي، وهو ليس أكثر من خطأ شائع تحول مع الزمن إلى ظاهرة اسمية، أو اصطلاحية، أو صوتية، لا يعكس حقيقة الوحدة الدلالية والمضمونية، والموضوعية، بين الخلافة كشكل من أشكال الحكم، أو بناء الدولة، وبين الدين الإسلامي كدين، فلم يقل الدين الإسلامي بالدولة، وشكل ومضمون بنائها -كما سيأتي في سياق فقرات البحث العديدة- ولم يعترف بها باعتبارها جزءاً من الدين، بل هي -الدولة / الخلافة/الإمامة- مسألة ترتبط بالشريعة والتشريع، وليس بالعقيدة، وفقاً للشروط الموضوعية، والسياسية التاريخية، التي تطرحها الحياة أمام الناس، وباختصار هي قضية ومسألة عقلية إبداعية، سياسية كما تقول بعض المذاهب الفقهية، والكلامية (فلم يعرف الإسلام الدولة السياسية، ونعني الإسلام الدين، لا الإسلام التاريخ أو الإسلام الحضارة، وهذا أمر بديهي، لأنه ليس من وظيفة الدين إنشاء دولة سياسية، والإسلام شأنه في ذلك شأن سائر الأديان السماوية) () وكما يقول المستشار القاضي والفقيه محمد سعيد العشماوي (فقد كان من شأن الخلط بين الدين، والسياسة، أن أصبح الخليفة، خليفة لله، وليس خليفة للمسلمين، يلي الخلافة بالبيعة أو الانتخاب أو ما ماثل، وسواء بالعقيدة أم بالواقع، فلقد صار الخليفة معصوماً في فعله وقوله، ثم صار مستبداً في الرأي والحكم، رقاب الناس ملك له، ودولة الخلافة ضيعة خاصة له، يعطي الحياة ويهب المال، نزوة أو شهوة)() وقطعاً فإن هذه العصمة التي منحتها الفرق والمذاهب الشيعية بصورة مطلقة ومن خلال قولهم (بالنص والتعيين) -عدا الزيدية الهادوية- هو ما شهدناه في ة  في كثير من الوقائع والحقائق السياسية التاريخية التي تعرفها كتب التاريخ حول العديد من تجارب الخلافة، والسلطة، والإمارة، وهي التي تبرر وتفسر حالة جمع الخليفة والإمام، بين السلطة الزمنية، والدينية، الذي أثر بالضرورة على مضمون واتجاهات كتابة الفكر الإسلامي، والفقه الإسلامي على وجه الخصوص، وهو كذلك ما يفسر حالة التناقض الصارخ بين المذاهب الإسلامية في قراءة مسألة الإمامة، والخلافة-الشيعة، والسنة، وداخل كل منهما على حدة- لمسألة الإمامة، والخلافة، وهل هي دينية، أم مدنية، سياسية وعملية زمنية، مؤقتة، مرتبطة بمصالح وحاجات الناس، فمن المهم اليوم إزالة هذا الالتباس الايديولوجي التاريخي، وتصحيح خطأ تاريخي، ارتبط بمسمى (الخلافة الإسلامية) جعل من الخلافة مسألة دينية عند البعض حتى اليوم، ويطالب علناً بعودتها إلى حياة الناس كنظام للسلطة والدولة، في شروط عصر مغاير، إن الدعوة للخلافة اليوم، لا يعني سوى أن لا مستقبل لنا، وأن مستقبلنا في ماضينا -وراءنا- فردوسنا المفقود، وهي حالة أيديولوجية مرضية، ورغبة جامحة للإقامة في الماضي، مثل الميت الذي يتشبث بتلابيب الحي ليجرَّه معه إلى القبر، والموت، هذا بعد أن سقطت ظاهرة الخلافة في التاريخ السياسي العربي لحوالي ثلاث مرات، إذا أضفنا إليها سقوط الأندلس، تصبح أربع مرات، الأولى: بعد مقتل عمر وطعن الخلافة في القلب، وبعدها مقتل عثمان الدراماتيكي، والثانية: مع سقوط بغداد العام 1258م وقتل خليفتها بعد وضعه بين السجاجيد وتعطيفه بها، والسير عليها حتى موته، ومن ثم إحراق بغداد وتدميرها بالطريقة الوحشية والمأسوية التي يعرضها لنا التاريخ، والسقوط الثالث والأخير: مع سقوط الخلافة العثمانية السلطانية التي تحولت عملياً إلى حالة استعمارية متخلفة في 1922م، ثم إعلان سقوطها النهائي في مارس 1924م، وهنا من المهم التأكيد -للمرة المليون- أن الشريعة في النظرية "النص" شيء، وفي واقع الممارسة في السياسة، والدولة (الخلافة) شيء آخر، ولذلك يقول الإمام محمد بن محمد الغزالي 450هـ ... 505هـ (أيهما الأسوأ؟ هذا سؤالي لكم أن نعلن بطلان كل أئمة زمانكم لافتقارهم لشروط الإمامة... وبالتالي خلعهم، وإعلان بطلان كل الحكومات، بحيث لا يمكن إبرام عقد زواج، وتتعطل كل الأعمال في أرجاء العالم الإسلامي، وتصبح بلا سند من الشريعة(...) أم الأفضل الاعتراف بقيام الإمامة على عقد شرعي، وبالتالي شرعية الأعمال القضائية، والتنفيذية، باعتبار الظروف الراهنة، وضرورة هذه الأزمان)() وهو بمثابة اعتراف من الإمام الغزالي بإمامة وخلافة قائمة بقوة الأمر الواقع، يجب الاعتراف بها لتسيير أمور الأمة والمسلمين، وإلا الفوضى والخراب، وهنا الحديث يجري عن الخلافة كشكل من أشكال السلطة/الدولة، وليس باعتبارها دين، أو عقيدة، وكأن الإمام الغزالي يقول ويقوم في الوقت نفسه، بتأسيس نظري مفهومي للقاعدتين الفقهيتين اللتين تقولان (الضرورات تبيح المحظورات) والثانية: "حيثما كانت المصلحة والعدل فثمة وجه الله"() واللتين صارتا جزءاً لا يتجزأ من بنية الفقه الإسلامي .

إن الشيء الأكيد والمحقق تاريخياً، بعد هذا السرد التاريخي الموجز والمكثف، والضروري، هو أن الرسول الكريم ص (لم يعالج مع صحابته قضية الحكم بشيء من التفصيل الذي أبان به أركان الإسلام، من صلاة، أو صوم، أو حج... إلخ، ودل ذلك على أن أمر الحكم أو الخلافة هو ما ينتهي إليه المسلمون في ظل الظروف الخاصة بهم، وليس هو بأصل من أصول العقيدة، وإن كان من الممكن أن يدخل في عداد الشريعة التي مناطها العقل، وهدفها العدل) ()، على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ألا يصدقوا أي حاكم، أو فقيه، أو رجل دين، يعرض عليهم رأياً مستبداً، أو حكماً مستبداً، حول أن الإسلام، دولة، ودين، تحت عنوان (تطبيق الشريعة).. فالشريعة من كل ذلك براء. هو رأيهم السياسي والفكري الشخصي وليس رأي الدين في نصه القرآني الحكيم.

قطعاً هناك في القرآن الكريم العديد من الإشارات الواضحة لأحكام في المعاملات، وأحكام نصية قاطعة خاصة ببعض الإجراءات في الحدود (الزنى)، (السرقة)،(المواريث)، (النكاح)، (شرب الخمر)، ولكننا لا نجد نصوصاً أو أحكاماً تتعلق بمسألة الحكم، والدولة، والسلطة السياسية، وكيفية قيامها، أو طرق وأساليب تعيين وتنصيب الحاكم، وتنظيم العلاقات بين الحاكم، والمحكوم..، بل إنها في غالبها لتنظيم العلاقات بين الإنسان وربه، (العقائد، والعبادات)، وما يخص المعاملات الدنيوية هو أقل القليل، لذلك فالرسول ص، لم يعين خليفة بعده، ولم يوص لأحد من بعده، ترك الأمر شورى بين الناس (وشاورهم في الأمر) (وأمرهم شورى بينهم) كما جاء في نص القرآن الكريم، وذلك لا يقلل من مكانة الإسلام، ودوره وعظمته في التاريخ الإنساني كله، بل يشهد له على ترك حرية الاختيار للناس لتقرير مصير من يكون الحاكم، فالناس أصحاب المصلحة هم من يتدبرون أمورهم في بناء دولتهم وأمر قيادتها، إمامتها، أو رئاستها، وهو ما اشار إليه الشيخ الإمام والقاضي علي عبد الرازق حيث قال: (فالخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم، ومراكز الدولة، وإنما كلها خطط سياسية صرفة، لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها، ولم ينكرها، ولا أمر بها، ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا لنرجع فيها إلى إحكام العقل وتجارب الأمم، وقواعد السياسة) () فالخلافة في تقديرنا ليست منصباً أو مركزاً دينياً، ولا موقعاً أوحى به أي نص ديني (قرآن، وسنة)، بل ولا حتى إجماع، فالخلافة موقع سياسي دنيوي مرتبط بالحكم والسلطة السياسية مباشرة، مركزاً ومنصب يدخل في صميم حياة الناس اليومية ومصالحهم المتغيرة المتحولة أبداً، لقد ترك الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، -على عكس المتفيقهين  من السياسين الإسلاميين الجدد الذين يدعون لدولة خلافة اليوم- أمر الحكم والدولة اختيارياً بين الناس وفقاً لما يحقق مقاصد مصالحهم العليا، وهي مقاصد ومصالح الشريعة، فحيثما كانت المصلحة فثم وجه الله، فالخلافة إذاً هي نظام سياسي للحكم، ابتدعه العرب المسلمون لاستكمال أمور دنياهم، وتحقيق مصالحهم، بعد أن صار الإسلام قوة عظمى امتد نفوذها إلى أصقاع الشرق، والغرب، بعد توسع الفتوحات الإسلامية. ومن هنا كان شكل الخلافة الأموية، وبعدها العباسية، في صورة الملك العضوض الذي دار من حوله الصراع، وهو الشكل الذي عبر عن مرحلة من مراحل تطور بناء السلطة، والدولة في العالم العربي، والإسلامي آنذاك. وإن لم يكن هو الشكل والمضمون المطلوب إسلامياً، أي أن مضمون الخلافة وشكلها جاء أقل من حلم العرب والمسلمين بها، ولم تلب طموحاتهم (بالعدل، والحرية، والمساواة) التي أمر بها القرآن والرسالة المحمدية، بقدر ما جسدت طموحات ومطامع الطبقة السياسية الإمامية الحاكمة (شيوخ القبيلة النافذين تجارياً ومالياً واجتماعياً) وتوازنات القوة والمصالح في ذلك الحين، وكما يرى المفكر الإسلامي خليل عبدالكريم "أن الخلافة منصب سياسي استقاه المسلمون الأوائل من النظام القبلي، فالخليفة هو شيخ المسلمين، ورئيسهم السياسي، وأن ظروفاً جديدة تضافرت على بروزه لحيز الوجود، وأنه ليس فرضاً دينياً، ولو كان كذلك لما استطاع أتاتورك إلغاءه"() فمن الصعب اليوم على أي باحث سياسي تاريخي، أو سوسيولوجي، أو باحث دستوري قانوني اختصاصي في تاريخ بناء الدول وظيفتها، ودورها، ومضمونها، أن يدعي أن دولة الخلافة التي أنشئت وأقيمت مع دولة الخلافة الإسلامية الأموية، وما بعدها...، هي دولة خلافة إسلامية دينية صرفة، وفي هذا المبحث هناك العديد من الاجتهادات في قراءة واقع وتطور مسألة دولة الخلافة "يرى عبدالله العروي في التنظيم الهرمي الآسيوي، إلى جانب الاخلاق الإسلامية، والدهرية العربية، إحدى المكونات الإسلامية للدولة العربية الإسلامية، ويذهب عابد الجابري، إلى أن "الملك السياسي" يشكل إلى جانب "الملك الطبيعي" و"الخلافة" أحد العناصر التي ستتكون منها الدولة العربية الإسلامية التي لم تكن ملكاً طبيعياً وحسب، ولا ملكاً سياسياً فقط، ولا بقيت دولة خلافة..، وإنما كانت الدولة العربية الإسلامية مزيجاً من الملك الطبيعي، والملك السياسي، والخلافة الدينية"() أي أن جملة المكونات الثلاث هي التي شكلت روح ما نسميه الخلافة الإسلامية، والمتمثلة في مكونات: فارسية – ساسانية، ويونانية هلنستية والروح الإسلامية العامة التي شكلت جوهر المرحلة عقائدياً، وسياسياً.

إن الخلاف في تقديري كما يبسطه تاريخ السياسة، والحكم في الإسلام، ليس حول العقيدة، وإنما حول مفهوم وواقع السلطة، ومضمون تطبيق الشريعة التي هي في الجوهر والأصل عمل بشري اجتهادي، متطور ومتغير، ولا يمكن قياس حكم دولة الرسول عليه الصلاة والسلام الذي قام على الوحي الإلهي، وجوهر الرسالة النبوية، مع جميع أشكال الخلافة، بما فيها الخلافة الراشدة، ناهيك عن الحكم الأموي الذي أزاح نهائياً الهالة الدينية، والوازع الديني، مستبدلاً ذلك بالعصبة، ووراثة الملك، باسم الخلافة الدينية، والتي صارت جزءاً من الدين في سيرورة الفعل، والممارسة السياسية الإسلامية في كل ذلك التاريخ، وهي البداية السياسية والعملية التاريخية لتحول الخلافة إلى ملك عضوض، وسيف، وشوكة، وغلبة. فليس في القرآن الكريم آية واحدة تفرض إقامة الإمامة (الخلافة) بمعنى الملك والحكم، وكذلك ليس في السنة النبوية الشريفة ما يدل أو يشير إلى ذلك..، فلم يعرف التاريخ الإسلامي في الممارسة الواقعية –وليس في القول والخطاب– ما يمكن أن نسميه إجماعاً (إجماع العلماء)..، ومع ذلك اعتمد هذا المبدأ، كما اعتمد القياس في قضايا النظر الفقهي والكلامي (علم الكلام)، وهو مما لا يدخل عملياً في حسم مسألة الخلافة والإمامة، لأن ما يحسم ذلك في الواقع إنما هي العصبية، والغلبة، الشوكة، والقوة الحاصلة في الواقع .

إن قضايا ومسائل الحكم، وبناء الدول يبتكرها البشر في سياق تلبيتهم لحاجاتهم المادية والسياسية والاجتماعية..، يخترعونها لتسيير أمور الدنيا، فالقرآن والسنة لم يتصديا لمسألة الإمامة والخلافة (الدولة)، وكما يقول الشيخ علي عبد الرازق (إننا إذا رجعنا إلى الواقع والأمر نفسه، وجدنا أن الخلافة في الإسلام لم ترتكز إلا على أساس القوة الرهيبة، وإن تلك القوة كانت إلا في النادر قوة مادية مسلحة، فلم يكن للخليفة ما يحوط مقامه إلا الرماح والسيوف، والجيش المدجج، والبأس الشديد فبتلك دون غيرها يطمئن مركزه ويتم أمره)()، فالخلافة في التاريخ السياسي العربي الإسلامي، هي قوة، وغلبة وشوكة وعصبية، وقوة التغلب هي التي كانت تصنع الملك القاهر كما يرى بن خلدون، وسأورد لكم أمرين أو مثالين من مئات الأمثلة، من التاريخ السياسي الإسلامي البعيد، والقريب، أحدهما قديم، والآخر جديد حديث، يصوران ويعكسان ثقافة التغلب، والشوكة، والقوة، الأول: ما قاله أحد اتباع معاوية ومجالسوه حين قرر معاوية تولية الخلافة لولده يزيد مع وجود كبار صحابة رسول الله، وسبطي الرسول وتحديداً الحسن بن علي، والحسين، حيث قال: أمير المؤمنين هذا، واشار إلى معاوية، فإذا ذهب أو هلك فأشار إلى يزيد ولده (فهذا بعده) ومن لم يعجبه أو لم يرد، فأشار إلى سيفه، والمثل الثاني من التاريخ اليمني في مرحلة التأسيس الأخير للإمامة الحميدية المتوكلية، حيث وقف ناصر بن مبخوت ابن الأحمر، جد الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر حين جرى الحديث عن شروط الإمامة وشروط البيعة للإمام يحيى بن محمد، وحول نقص أحد الشروط الأربعة عشر، كما تقتضيها الإمامة الزيدية فقال الأحمر: ما نقص يكمله هذا..، مشيراً إلى عصاه، أو سيفه، فكل تاريخ الإمامة اليمنية (السلطة، الملك) قامت على القوة، ونصرة القبيلة وشيوخها..، وإلا فكيف نفسر قيام أكثر من خمسة دعاة للإمامة في صنعاء وحدها وفي وقت واحد، وجميعهم باسم الدين والمذهب()، فالدولة الإمامية (الدينية / المذهبية، السلالية) لم تقم سوى على القوة والغلبة، ومن هنا وحدة الملك الإمامي، والإمامة بشيوخ القبيلة، والقبيلة، الذين شكلوا البعد الحربي العسكري الحاكم لحكم الإمامة، ومثلت الإمامة البعد الإيماني العقيدي في السيطرة على الملك (فهل غير حب الخلافة، أو الغيرة عليها ووفرة القوة دفعت يزيد بن معاوية إلى استباحة ذلك الدم الزكي الطاهر، دم الحسين بن فاطمة بنت رسول الله ص، وهل غير تلك العوامل سلطت يزيد بن معاوية على عاصمة الخلافة الأولى، ينتهك حرمتها، وهي مدينة الرسول ص؟! وهل استحل عبد الملك بن مروان بيت الله الحرام ووطأ حماه إلا حباً في الخلافة وغيرة عليها مع توافر القوة له؟ وهل بغير تلك الأسباب صار ابو العباس عبد الله بن محمد بن علي ابن عبدالله بن العباس سفاحاً، وما كانت إلا دماء المسلمين، وما كان بنو أمية إلا من قومه)() وهو نفسه الموقف من جهيمان العتيبي، حين استباحت القوى العسكرية والأمنية الأجنبية الحرم المكي الشريف دفاعاً عن ملك آل سعود في نوفمبر 1979م، وخلافاً لكل هذا السياق السياسي السلطوي التاريخي، نقول لم تكن رسالة النبي محمد ص في جوهرها رسالة سياسية تتطلع إلى بناء مملكة أو ملك، ولم يكن شعارها وهدفها (الإسلام دين، ودولة) بل رسالة دينية روحية سماوية مقدسة هدفها هداية وتربية الناس، وليس حكمهم،  فالرسالة النبوية المحمدية جاءت " من أجل تميم مكارم الأخلاق"،فسياسة الملك، والحكم ليست جزءاً من رسالة الرسول الكريم، والإمام الشيخ الأستاذ محمد عبده يقول في هذا الصدد "فليس في الإسلام ما يسمى عند قوم السلطة الدينية، بوجه من الوجوه، ولم يعرف المسلمون في عصر من الأعصر تلك السلطة الدينية التي كانت للبابا عند الأمم المسيحية"()، وفي موضوع آخر يقول الإمام محمد عبده "يقولون: إن لم يكن للخليفة ذلك السلطان الديني أفلا يكون للقاضي؟ أو للمفتي؟ أو لشيخ الإسلام؟؟ وأقول: إن الإسلام لم يجعل لهؤلاء أدنى سلطة على العقائد وتقرير الأحكام، وكل سلطة تناولها واحد من هؤلاء، فهي سلطة مدنية قدرها الشرع الإسلامي، ولا يسوغ لواحد منهم أن يدعي حق السيطرة على إيمان أحد أو عبادته لربه، أو ينازعه في طريقه نظره"() والله تعالى في محكم كتابه يقول: (فذكر إنما أنت مذكر(21) لست عليهم بمسيطر(22)) سورة الغاشية (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) (256) البقرة (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) "سورة يونس" وقوله تعالى (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) النحل (فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب) (فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) آية (35) النحل إن أي تقييم موضوعي تاريخي لظاهرة الخلافة في الحياة السياسية العربية الإسلامية يجد أنها حقيقة هي أولاً: دعوة للحكم والملك، وهي ثانياً: وسيلة لنشر الدعوة وبالصورة التي تخدم الإمامة والخلافة، والملك. وهو ما تجلى مع بداية الفتوحات، ومع عملية توسعها. ومع اكتمال الدعوة ووصول الفتوحات إلى منتهاها أو قمتها، تغلب جانب الملك العضوض، على الدعوة بصورة واضحة. ذلك أن ظاهرة الخلافة والملك ليست من صميم جوهر الدعوة، والرسالة، والنبوة، فلم نعلم أن رسول الله ص (تعرض لشيء من سياسة الأمم الشتيتة، ولا غيَّرَ شيئاً من أساليب الحكم عندهم، ولا مما كان لكل قبيلة منهم من نظام إداري أو قضائي، ولا حاول أن يمس ما كان بين تلك الأمم بعضها مع بعض، ولا ما كان بينها وبين غيرها من صلات اجتماعية أو اقتصادية(...) ولا وضع قواعد لتجارتهم، ولا لزراعتهم، ولا لصناعاتهم، بل ترك لهم عليه السلام كل الشؤون وقال لهم (أنتم أعلم بها) فكانت كل أمة وما لها من وحدة مدنية وسياسية، وما فيها من فوضى أو نظام، لا تربطهم إلا.. وحدة الإسلام وقواعده وآدابه)() فالخلافة منذ سقيفة بني ساعدة، حتى خلافتي أبي بكر الصديق، وعمر، هي خلافة سياسية، وليست دينية، وكل الخلاف والصراع حول الإمامة، والخلافة في التاريخ السياسي العربي الإسلامي لم يكن حول الدين، الذي بقي محل اجماع، ولكن النزاع والصراع كان حول الخلافة باعتبارها سلطة، وثروة، وجاهاً، وملكاً، أي حول الدولة ومستقبلها، وليس حول الدين. وهو ذاته الصراع السياسي، وليس الديني الذي دار وجرى في حرب 1994م باسم الدين، كذباً وبهتاناً على الدين، في فتوى عبد الوهاب الديلمي المشهورة حيث خيضت الحرب باسم الردة، وإقامة الدولة الإسلامية وضد الملحدين والكفار، مع أن الهدف المركزي والمباشر للحرب، كان السلطة، والثروة، واحتكارهما لصالح طرف دون الآخر. وتلكم هي المسألة.

وهنا يكمن ويتحدد سؤال الوحدة والصراع، في تاريخ الدولة العربية الإسلامية، منذ سقيفة بني ساعدة، ومقتل عثمان، ووراثة يزيد بن معاوية، حتى سقوط الخلافة العثمانية في مارس 1924م وخلاصة القول هو ما قاله جمال البناء (إن السلطة التي هي خصيصة الدولة، تفسد الأيديولوجيا "أو العقيدة" وأن هذا الإفساد هو في طبيعة السلطة، ولا يمكن ابداً أن تتحرر منه، وأن أي نظام يقترن بها، بفكرة إصلاحها لا بد وأن تفسده، وأن أي نظام يحاول تطويعها لابد وأن تطوعه، وبدلاً من أن يكون سيدها يصبح تابعها. هذا هو المبدأ القاهر. وهو الذي جعلنا -كما يقول جمال البناء- نقول إن الإسلام دين وأمة وليس ديناً ودولة)() لقد تقدم الإمام والمفكر الإسلامي عبدالرحمن الكواكبي برؤية متقدمة سياسياً، وفكرياً، قبل حوالي قرن من الزمان، حول مستقبل ما يسمى بدولة الخلافة العثمانية أو الإسلامية، وذلك حين ربطها أولاً: بالفكرة الدستورية بما يتماشى مع تحولات العصر السياسية الدستورية، والديمقراطية، وثانياً: ربطها بمسألة العروبة (العرب)() في مواجهة الخلافة العثمانية (الأتراك كقومية) وهي من البدايات الجنينية والمبكرة للقومية العربية في إطار الإسلام  وفي أحسن الأحوال هي دعوة إلى (خلافة عربية إسلامية)،  "قومية عربية/ في مواجهة قومية ، تركية "، وكان المفكر الاسلامي التقدمي والمستنير/ عبدالرحمن الكواكبي يريد أن يتجاوز دولة الخلافة التقليدية، بدولة عربية إسلامية واحدة، وكان ذلك مؤشراً سياسياً، وفكرياً، وعملياً على بداية سقوط فكرة الخلافة العثمانية "الإسلامية"، التي كانت تعيش حالة انحدار، وتحلل، وسقوط...، والغريب أن نجد اليوم من يدعو مع صعود الثورة الشبابية الشعبية اليمنية، والعربية، إلى قيام دولة خلافة إسلامية أو دولة دينية كهنوتية "عبدالمجيد الزنداني ، والبعداني زعيم الجماعة المكفرة في تعز، ورهط من رجال الإسلام السياسي الذين حولوا الدين إلى سياسية ومنصة  للاستيلاء على السلطة بأسم الدين"!! إن الدعوة لاستعادة الخلافة اليوم، ليست أكثر من معاندة صريحة، للواقع، وللثورة، وللتاريخ، ومحاولة لإنكار واقع قائم، بواقع متخيل في الذهن، لا يختلف من حيث المبدأ عن رؤية النظام المستبد القائم، إن الدعوة لدولة خلافة إسلامية ضداً على مشروع ثورة الشباب والشعب، المطالبة بدولة مدنية ديمقراطية دستورية هو نوع من الإقامة في الماضي، وعدم قدرة على التحرك باتجاه المستقبل، وهي دعوة لا تختلف في مضمونها عمن يدعون لإقامة دولة ولاية الفقيه، ومن ينتظرون مجيء المهدي المنتظر. ولا نرى اليوم في من يتحدثون عن دولة الخلافة، سوى دعوة إلى دولة دينية ثيوقراطية (كهنوتية) لا علاقة لها بالدين الإسلامي، ومعادية في جوهرها للحياة والعصر، بل هي معادية لجوهر الإسلام الحق...، هي دعوة سلفية جهادية، تكفيرية للواقع وللعصر...، دعوة ما تزال تقيم في الماضي في أسوأ وجوهه البدائية التاريخية، متذرعة بالإسلام كغطاء أيديولوجي سياسي ليس إلا، هي دعوة سلفية متشددة، لا عقلانية ومفصولة عن الواقع والحياة والعصر، تريد أن تصادم المستقبل وتواجهه وهي تحمل كل عدة الماضي في أسوأ صوره البائسة..، والأهم أنها دعوة تأتي ضد مشروع ثورة الشباب والشعب كله، بدولة مدنية دستورية حديثة، وهي الدولة التي أكد الأزهر الشريف في بنده الأول عليها (دولة وطنية دستورية حديثة) وأنا أتفق كلياً مع دعوة المفكر الإسلامي جمال البناء، من أن الإسلام دين وأمة، وليس ديناً ودولة.

المراجع:-

()  أحمد شوقي في قصيدة له، وطه حسين في كتابة (الفتنة الكبرى)، د. عبد العزيز المقالح في موضوع له في صحيفة الخليج الإماراتية الخميس، بتاريخ 18/2/1993م.

(2) الحديث حوله سقيفة بني ساعدة كتب حوله الكثير ودبجت الكثير من الحكايات والروايات، ولكنها تجتمع في قول أبوبكر الصديق "نحن الأمراء أو منا الأمراء، ومنكم الوزراء، قام بعدها الحباب بن المنذر وقال: منا أمير ومنكم أمير، وقام بعدها عمر بن الخطاب وقال: "لا يجمع سيفان في غمد" ولا يؤمر إلا من كان النبي من قومهم..، ورفض الحباب بن المنذر ذلك وحمل سيفه، حتى حرره الجمع منه، وقال له أبو بكر: أمنا تخاف ياحباب قال: ليس منك أخاف، لكني ممن يجرؤ بعدك، قال أبو بكر: فإذا كان كذلك، فالأمر إليك وإلى أصحابك، ليس لنا عليكم طاعة قال: الحباب هيهات يا أبوبكر، إذا ذهبت أنا وأنت جاءنا بعدك من يسومنا السقم، وهكذا انتهى سجال السقيفة الذي حدد صورة مستقبل الخلافة الإسلامية، وليس الدولة الإسلامية لأنها تحددت مع معاوية بصورة نهائية في وراثة، وملك عضوض، لا علاقة له بالبيعة، والشورى، التي أفرزتها سقيفة بني ساعدة، أي أن تحكيم بني ساعدة حصر البيعة في قريش مخرجاً الأنصار من معادلة الحكم، وجاء معاوية ليحصرها في عائلة من قريش.

(3)  فواد عبد العزيز كتاب (كتابات فكرية ونقدية)، صـ27،26، كتاب "الحكمة" إصدار اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، ط أولى 1993م الفقرة نقلاً عن د. محمد أحمد خلف الله "القرآن والدولة" مجلة الكاتب المصرية، صـ 33، عدد (140) نوفمبر 1972م القاهرة.

(4)  د. أيمن الياسيني كتاب ( الإسلام والعرش) الدين والدولة في السعودية، إصدار حزب التجمع الوحدوي المصري، القاهرة

(5) فؤاد عبد العزيز (كتابات فكرية ونقدية)، صـ64، مصدر سابق .

(6)  فؤاد عبد العزيز، مصدر سابق، صـ37،36، نقلاً عن ابن خلدون (العبر وديوان المبتدأ والخبر)، المجلد الثالث صـ209.

(7)  الشهرستاني، الملك والحلل، أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، صـ7، وعلق عليه الأستاذ الشيخ أحمد فهمي محمد جزء أول دار السرور بيروت، ط أولى، 1368هـ، 1948م.

(8) كتاب "جمهرة خطب العرب" أحمد زكي صفوت، الجزء الثاني، صـ 14.

(9) جمال البناء (الإسلام دين وأمة)، مصدر سابق، صـ53.

(10) شرح أبي الحديد على نهج البلاغة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، المجلد الثالث، صـ304.

(11) المستشار محمد سعيد العشماوي، كتاب "الإسلام السياسي"، صـ33، دار سينا للنشر ، دون سنة الطبع.

(12)  خليل عبد الكريم، كتاب (الإسلام بين الدولة الدينية، والدولة المدنية)، صـ15، الأعمال الكاملة (نحو فكر إسلامي جديد)، دار مصر المحروسة، ط أولى 2004م .

(13)  محمد سعيد العشماوي (الإسلام السياسي)، صـ11، سيناء للنشر، دون سنة طبع .

(14) د. أيـمن الياسيني، كتاب ( الإسلام والعرش )، مصدر سابق، صـ 28 – كتاب الأهالي رقم (26) يونيو 1990م إصدار حزب التجمع الوحدوي المصري، القاهرة .

(15)  وحول هذا المعنى يلخص الأستاذ خالد محمد خالد في كتابه (دفاعاً عن الديمقراطية) قائلاً، يقول (ابن القيم) ليس للحق ولا للعدل طريق واحدة..، فكل طريق يحق الحق ويقيم العدل فهو شرع الله، وأمره، ورضاه...!! وقول شيخ الإسلام "ابن تيمية" ليس من حق أحد أن يلزم الناس برأيه وأجتهاده، عملاً بقول (عمر) لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة.. وقول الإمام (الطوقي الحنبلي) إذا تعارض النص مع المصلحة قدمت المصلحة على النص لأنه ما جاء إلا لرعاية مصالح العباد)) صـ275 ،دار ثابت، القاهرة، ط أولى، أغسطس 1985م .

(16)  جمال البناء (الإسلام دين وأمة) مصدر سابق، صـ41.

(17)  علي عبد الرازق، كتاب (الإسلام وأصول الحكم)، بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام، صـ24- كتاب الدوحة، إصدار وزارة الثقافة والفنون والتراث، قطر 2011م.

(18)  عز الدين العلام كتاب"السلطة والسياسة، في الأدب السلطاني" صـ43، أفريقيا، الشرق، ط أولى، 1991م، الدار البيضاء .

(18)  خليل عبد الكريم كتاب " الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية والأسس الفكرية للتيار الإسلامي، مفاهيم خاطئة لتطبيق الشريعة.. لا للحكم موقف الإسلام من العمل،" صـ 111، ط 2004م.

(19)  علي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم)، مصدر سابق، صـ35.

(20) كتاب صفحات مجهولة في مواضع مختلفة من الكتاب.

(21) علي عبد الرزاق (الإسلام وأصول الحكم )، مصدر سابق، صـ29.

(22)  الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، الجزء الأول، صـ 105، حققها وقدم لها محمد عمارة، إصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.

(23)  الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، المصدر نفسه، صـ 106.

(24) علي عبد الرازق، مصدر سابق، صـ85.

(25)  جمال البناء ( الإسلام دين وأمة ) مصدر سابق، صـ3.

(26)  أنظر حول فكرة الكواكبي، جمع الدولة أو دولة الخلافة بالدستورية، والعروبة في الجزء الأول من الأعمال الكاملة للأستاذ الإمام محمد عبده، صـ 109، تحقيق وتقديم محمد عمارة، مصدر سابق، حيث نقرأ ملامسة سريعة لهذه الفكرة. أي فكرة القومية العربية الإسلامية.