"هزة قلم!"..ماض جدلي وواقع هزلي! (حلم الشعب الجميل 2 - 3)
قبل 29 يوم, 23 ساعة

من فوارق واقع الحياة والممارسة بين العامة والسياسيين

أننا كمواطنين لا نرقى إلى فهم ما يفعله الساسة في أغلب الأحيان ونرى أن سلوكهم السياسي خاطئ، ويختلف عما نفكر نحن فيه فننظر وننتقد سلوكياتهم. لماذا يختلف سلوكهم؟ لأن واقع السياسي ومحيط عمله غير واقعنا ومحيطنا، ونظرته للأمور غير نظرتنا بحكم إحتكاكه بالمصالح والرؤى المتضادة، لذلك لا نفهم لما يتصرفون على عكس اهوآئنا.

نفس الحال بنطبق على فكر الإسلاميين انفسهم، والإسلاميين وغيرهم ، وفكر من عايش امثاله ومن عايش أقواما من مشارب شتى، ومن عاش في الداخل ومن عاش في الغرب، وهناك فرق أيضا بين من يشرع ابواب فكره وعقله لكل جديد وبين من حصر نفسه في زاوية رؤيته الضيقه وإسلامه الخاص به.

ليست المشكلة في التدين، ولا حتى في الفكرة على الإطلاق، وإنما تكمن في طريقة التدين، أو بالأصح في فهم الفكرة واعتناقها!

فمشكلة المتدين عادة ليست في دينه بل في طريقة فهمه وتطبيقه، ولناخذ مثالا على ذلك في واقع المسلم السني:

المسلم الصوفي مثلا يقضي يومه في طبل وأهازيج مديح مع تحريك للرأس أو تنطط ورقص وزيارات لأضرحة جعلوها آلهة تقصد باعتبار ذلك عبادة يتقرب بها إلى الله وهو الغاية من الإسلام.

المتشدد المتنطع يراه في سواك ولحية كثة وثوب قصير وسنن وتعدد زوجات وحلال وحرام وتضييق على المخالفين، وديار إسلام وديار كفر، وسيف وحرب وجهاد أو سلم وجزية وملك يمين.

والمعتدل وهو أفضلهم وأعدلهم في فهم الإسلام، حيث يفهمه على أنه دين روحانية وبناء وتعمير وحضارة وثقافة وتقدم، ويمارسون السياسة وهم أبنآء الحركة الإسلامية، لكنهم في الممارسة السياسية لا يفقهون شيئا.

نحن الآن نتكلم في الواقع السني، ولم نتطرق إلى الجانب المظلم من التدين "الإسلامي" وأقصد به الشيعة.

والتقدميون أو العلمانيون كذلك كما قلت اعلاه ليسوا ماركا مسجلة واحدة بل هم ماركات متعددة بتعدد البلاد الغربية وثقافاتها: بوس، وكالفين كلاين، ودولتشي جابانا، وزارا، ولويس فويتّون، وسانت لورينس وكريستيان ديور وباكو رابانا وفولجاري ووو...الخ

لذلك كل بلد يختلف في علمانيته ونظرته لها عن الآخر.

الدين والعلمانية والنهوض:

- في أفريقيا: أثيوبيا، جنوب أفريقيا دول علمانية غنية،

- دول اسكندنافيا: النرويج وفنلندا والسويد والدانمارك، هذه كلها دول مسيحية ودستور البلاد فيها علماني، وهي في مصاف الدول المتقدمة في العالم؟؟!!!

لنوجه أنظارنا إلى قارة آسيا نحو اليابان، وكوريا الجنوبية، سنغافورة، كمبوتشيا (كمبوديا)، النيبال حيث الديانة البوذية هي الغالبة، لكنها دول علمانية، ما الذي نقل اليابان إلى رأس قائمة أكثر شعوب العالم تقدما وتحضرا، وكذلك كوريا الجنوبية؟

وما الذي جعل الهند ذات الغالبية الهندوسية والنظام العلماني بين اكبر اقتصاديات العالم؟؟؟

وتركيا الإسلامية أو ليست علمانية ويحكمها زعيم إسلامي؟!!!

 

أما في دولنا العربية "الإسلامية" ماذا قدمت لنا هذه الأنظمة، خصوصا أنها إسلامية الشعوب في غالبيتها، وكثير منها ينص دستورها على أن الإسلام مصدر أو احد مصادر التشريع؟؟؟

أين نحن؟ وأين نقف على سلم الدول المتقدمة والمتحضرة والنامية؟

ألا تسألون ما السبب لهذا التخلف الرهيب؟؟؟

لأن الطبقة السياسية ومثقفينا لم يجلبوا لنا العلمانية التقدمية الحضارية البنآءة، وإنما بإسم العلمانية جلبوا الديكتاتور المتسلط على رقاب شعبه.

ووجدوا في عبآءة الإسلام وعلمآء الدين الميامين غطآء كافيا وداعما لسلوكياتهم السياسية!

يتبين لنا مما سبق ان تخلف الشعوب وانحطاطها ليس بسبب الدين، ولا بسبب العلمانية، وإنما بسبب الشعوب نفسها وساساتها ورجالات الدين الذين هم البطانة الصالحة للساسة.

فما الحل إذا لهذه المعضلة؟ إنه النظام السيادي على الحاكم والمحكوم، نظام يفتح أبواب الحرية ويوصد أبواب الديكتاتوريات!

مما تقدم نستطيع أن نستخلص جوهر العلمانية، ونلخصه في أربع نقاط مهمة وفاصلة:

الأولى: القضآء على مصدر الإختلاف والصدام بين الطوائف والمجموعات في البلد الواحد بواسطة الاتفاق على نقاط مشتركة ومحددة تحكم الجميع أيا كانوا. الثانية: إطلاق الحريات لأن يعيش كل منهم حياته على مفهومه، بشرط الخضوع للقانون ومواده المضمنة في الدستور.

الثالثة: فصل السلطات وتحديد المسؤليات ومساءلة من يتعداها ومحاسبته، فلا كبير أمام القانون ولا استثنآء

الرابعة: تطبيق مبدا المساواة والعدالة الإجتماعية.

الخامسة: التنمية الإقتصادية والبشرية.

جوهر المشكلة في اليمن!

لن أتكلم عن المشكلة فالكل يعرفها، بل عن جوهر حلها ويتلخص في محورين:

المحور الأول: إصلاح التدين! وهو من نقطتين:

- العودة إلى الله والدخول في الإسلام من جديد بعقل وقلب سليمين، وبعقلية فقهية مجتهدة مبدعة تعايش الواقع وتلامس متطلبات المرحلة وتبتكر لها الحلول المناسبة.

- فصل الأحزاب الإسلامية الدعوية عن السياسية، فإما دعوة، وإما سياسة، وكل منه له متطلباته الخاصة.

المحور الثاني: التصالح مع الفكر والعلم والعَالَم، والأخذ بأنظمة الحكم الحديثة (وبالأخص النظام العلماني) وموآءمتها مع واقع مجتمعنا ومقتضيات المرحلة!