أزمة بناء الدولة المدنية الحديثة (ثنائية الدولة / السلطة).
قبل 28 يوم, 19 ساعة

الإهداء:إلى الأستاذ والصديق النبيل / أحمد صالح الجبلي، رفيق رحلة عمر بدأت بالسجن، وما تزال الصداقة مستمرة على ذات درب الصدق...الصدق الصادر منه في كل الحالات، والذي يتبدى وكأنه نقداً موضوعياً، للعفن السائد .

 هو واحد من أسماء  قليلة جمعت بين الهم المعرفي / البحثي، وبين الشغل السياسي المدني.

تحية له على طريق اصداره لكتابه  (قاموس العرف القبلي في اليمن)،بجزأيه، الاول، والثاني،  الذي اتوقع اصداره قريباً . إليه: مع كل المودة والمحبة والتقدير.

إن الدولة التقليدية: الامبراطورية، والملكية،

 بما فيها دولة الخلافة الإسلامية، والدويلات والإمارات السلطانية المختلفة التي سادت الشرق القديم، والوسيط، بما فيها دول المنطقة العربية والإسلامية في العصر الحديث والمعاصر، جميعها -بهذه الصورة أو تلك- قد جمعت في داخلها جملة من الثنائيات، التي وجدت في ذلك التاريخ القديم، والوسيط، والحديث، كانت  أساس شرعيتها ومبرر وجودها وقيامها.

 وقد تمثلت تلك الثنائيات وتجسدت في: الدين، والملك، (الدين /والدولة) إلى جانب ثنائية الدولة / السلطة، وثنائية السلطة / والثروة، وذلك ينطبق تاريخياً على جميع تلك الدول، القديمة، والوسطية، والحديثة، حتى المعاصرة، فلم يجر فك الاشتباك بين هذه الثنائيات تاريخيا في –أوروبا- إلا مع ظهور عصر الأنوار، وقيام النهضة الاوروبية بدورها التنويري العقلاني الفكري والثقافي والسياسي، والعلمي، دورها في صنع حدود دقيقة فاصلة بين جملة هذه الثنائيات: ثنائية السلطة الدينية، والزمنية، وثنائية الدولة / السلطة، وبالنتيجة ثنائية السلطة / الثروة، حيث بقيت الملكية الاجتماعية (الثروة الوطنية) العامة للشعب، وكذلك الدين المقدس، عبارة عن رديف وغطاء للحكم، وتحت إمرة الحاكم المباشرة. ولم يتحقق فض هذا الاشتباك عملياً وتاريخياً إلا مع انجاز الثورة البرجوازية (الرأسمالية)، لمهماتها السياسية، والاقتصادية، (الصناعية) وإقرار واقع الفصل بين السلطات (التنفيذية، والتشريعية، والقضائية) في إطار دولة مؤسساتية مدنية قانونية دستورية، برجوازية، لعب فيها المجتمع المدني دوراً تاريخياً مشهوداً في إنتاج صورة الدولة المدنية الديمقراطية، دولة المواطنة والحقوق والحريات، معها تحددت الفواصل، والحدود، بين النص الديني المقدس، والفكر الديني، بين الدين، والسياسة، والسلطة، بين الدولة، والسلطة وبين السلطة، والثروة الوطنية العامة (الملكية الاجتماعية للشعب). وعند هذه اللحظة السياسية، والقانونية، والدستورية الفارقة، دخلت المجتمعات الإنسانية قاطبة، (الراسمالية/ البرجوازية)، عتبة الدولة المدنية الديمقراطية، دولة لكل مواطنيها، وسقطت معها دولة "الراعي، والرعية"، "سلطة الكنية الكهنوتية" دولة القائد، والمقود، دولة "المستبد العادل"، و"القائد الضرورة"، سواء تحت اسم الحق الالهي، أو الحق السلالي (الإثني) والمذهبي أو غطاء الحق القبلي، أو العسكري أو تحت أي شعارات أيديولوجية حزبية شمولية، "قومجية". وفي تقديري أن أغلب أقطار منطقتنا العربية ، تعيش بدرجات متفاوتة مرحلة ما قبل الدولة المدنية الحديثة المنشودة، أو في احسن الأحوال مرحلة انتقالية تجمع بين الرعوي، والمواطن، نتيجة استمرارية قيام حالة الثنائيات القاتلة المدمرة التي سبق الإشارة إليها. ومن هنا الاستعصاء السياسي التاريخي، في دخول منطقتنا العربية إلى العصر -رغم أننا نقتني ونستورد جميع منتجات العصر المادية الاستهلاكية- وهو ما يفسر تعثر مشروع بناء الدولة الوطنية الدستورية المدنية فيها، وكذلك صعوبة إمكانية استمرار الدويلات بالطريقة القديمة في صورة الانظمة (الجملكية)، لاسيما بعد حدوث الانقلابات العلمية، والصناعية، الرأسمالية، والتحولات المعرفية ،والفكرية الثورية العقلانية الكبرى (عصر الأنوار، النهضة، الثورات الصناعية العلمية والتكنولوجية) وصولاً إلى موجة ثورة الاتصالات المعرفية، والمعلوماتية الهائلة الجارية.. إن الحديث عن إمكانية استمرار دول سلطانية، أو دينية، أو جمهورية وراثية، وحتى ملكية غير دستورية، لن يكون إلا باعتبارها قائمة وكائنة خارج شروط الحياة والعصر، والتاريخ، -مثل بعض دول الخليج وخاصة السعودية- وضد قوانين وسنن الحياة. أما الخطوة الأولى على طريق الدولة المؤسسية المدنية الحديثة، فهو ضرورة قيام حالة من الفصل الموضوعي، والدستوري (القانوني) والمؤسسي بين الدولة باعتبارها كياناً، ونصاباً كلياً متعالياً محايداً، تمثل الشعب –الأمة-...إلخ وبين السلطة التي دائماً ما تمثل وتعكس مصالح طبقية أو تحالفاً طبقياً، أو حزبياً سياسياً معيناً، وهي حالة سياسية عابرة ومؤقتة، ومتغيرة بتغيير الشروط السياسية التي انتجتها. فالسلطة (الحكومة) ظاهرة تتغير بسرعة، وتخضع في تحولاتها لموازين قوى سياسية واجتماعية وطبقية، وعسكرية، في أحايين عديدة، بينما الدولة نصاب وكيان كلي مؤسسي حقوقي تاريخي على قدر كبير من الثبات والاستقرار (فالدولة هي الجهاز الحاكم بصرف النظر عن الأشخاص، أما الحكومة فتتمثل في الأشخاص الذين يحكمون باسم الدولة، والأشخاص يتغيرون بالطبع ،في حين أن الدولة ترمز إلى دوام الجهاز) (1) أي أن الدولة هي البرلمان، والحكومة والجيش والأمن، والسجون، وهي الهيئة التشريعية (الدستور)، والقضاء المستقل، والقوانين، والنيابة العامة. وبهذا المعنى فالدولة هي لكل الشعب (الأمة)، وليس لطبقة دون أخرى، والدولة لها حدود جغرافية، ولها طابع استقلالي مؤسسي عن الأفراد، يميزها عن غيرها من مؤسسات السلطة (الحكومة)، والدولة كيان لا خلاف عليه، وإنما الخلاف والصراع والتنافس ينحصر حول السلطة بين الأحزاب والطبقات المختلفة في المجتمع(2)–كذلك- والدولة بهذا المعنى والتعريف الفلسفي القانوني مهمتها العامة الإشراف على هذا التنافس أو الصراع على السلطة بين الأطراف المختلفة (المتعارضة)، حتى تصل إحداها إلى السلطة عبر التنافس الانتخابي الديمقراطي، والتداول السلمي للسلطة. فالدولة إذاً جهاز عام تعكس وتعبر عن مصالح جميع الطبقات والفئات، والشرائح (المجتمع والشعب كله)، وملكيتها عامة للشعب كله، ولا تخضع الدولة لاحتكار هذه الطبقة، أو تلكم الفئة، أو ذلك الحزب، كما هي الحال في معظم أنظمة المنطقة العربية. والدولة في التاريخ هي القابلة الموضوعية لإنتاج السلطات، (الحكومات)، وهي سابقة عليها تاريخياً، ولكنها في معظم حالاتنا العربية -مع الأسف- تحولت الدولة إلى مجرد أداة بيد السلطة، وخادمة لها، بعد أن تغولت السلطة والتهمت الدولة في جب الحاكم والسلطان، الذي اختزل كل شيء في اسمه. وهذه الثنائية هي المطلوب اليوم إعادة تأسيسها، وتقويمها بصورة مؤسسية قانونية. واضحة، وصريحة، بما يجعل حالة الفصل بين الدولة، والسلطة، قائماً، موضوعياً، ومؤسسياً، وقانونياً.  وهذا لا يعني أن الدولة كيان اسطوري ميثولوجي لا يتغير، بل هي تخضع لشروط التغير الموضوعية التاريخية، ولكنه تغير ذو طابع موضوعي، تاريخي، بطيء جداً، ويتحقق حين تستدعيه الضرورات السياسية العامة والتاريخية الكبرى، المحققة لإرادة ومصالح كل الشعب، أو الأمة (فحين تمارس الدولة تلك السلطة الإلزامية، التي تفرض الخضوع للقانون تمارسها باسم المجتمع، وتمثيلاً لإرادته، وقد تقتضي إرادته إحداث تغيير أو تعديل في قواعد تلك السلطة الإلزامية، فيحدث، وحين يحدث يكون الناس قد مارسوا دورهم في إعادة تكوين الدولة، بحرية وعلى المثال الذي يشاؤون)(3). إن الدولة الوطنية التقليدية، أو الدولة القومية بالمعايير، والمواصفات القديمة -الدولة الاستقلالية الوطنية الشمولية-فقدت اليوم الكثير من شروط قدرتها الذاتية والموضوعية والتاريخية على الاستمرار بالطريقة القديمة (جميع دول المغرب، والمشرق العربيين)، في مواجهة مصاعب البناء، والتقدم، وتحدياتها في الداخل، وكذا في مواجهة مصاعب وضغوط العولمة السياسية، والاقتصادية، الاستعمارية الوحشية، التي تنتهك اليوم حرماتها الاستقلالية، والسيادية، والاقتصادية، لصالح سلطة وهمية عليا لم تتشكل بعد في صورة أمم متحدة جديدة. ولم يتبق لمثل هذه الدول السائدة في منطقتنا من قوة، سوى قوة الدفاع عن استمرارها، وبقائها كسلطات فاقدة للشرعية الدستورية والقانونية، والشعبية (الوطنية) بعد أن وصل بها الحال إلى التبعية المطلقة للخارج، وإلى حالة من الهامشية التي لا دور لها سوى الحفاظ على البقاء في السلطة وبالقوة، على الطريقة الشمشونية،  وهو ما نشهده اليوم في كل المنطقة العربية، وهو ما يفسر ظاهرة الإحتجاجات والانتفاضات، والثورات التي تعم المنطقة بصرف النظر عن مآلاتها السياسية العملية، نتيجة استمرار هذه الثنائيات القاتلة، والمدمرة، للدولة، وللمجتمع، وللسلطة نفسها، فلم يعد بإمكان "سلطة الغنيمة"، أو "الخلافة القادمة"، التي يدعو  لها ويبشر بها،  الشيوخ التكفريون عبدالمجيد الزنداني، والعديني ،ومحمد الصادق المغلس للاستمرار بالحكم بالطريقة القديمة. كما ليس بإمكانها إعادة انتاج منظومة الولاءات والمحسوبية لإدارة البلاد من خلاله، عبر تفكيك وتفتيت قوى المجتمع المختلفة، بعد أن أسقطته ثورات "الربيع العربي" مطالبة بالدولة المدنية، وبأن "الشعب يريد اسقاط النظام". لقد تجاوز الزمن، والتاريخ هذه الانظمة، ولم يعد بإمكانها توظيف الثنائيات التاريخية خدمة لاستمرارها وبقائها في الحكم، بعد أن خرج الشعب إلى الشارع –سيخرج ثانياً وعاشراً- مطالباً، بحريته، وبدولة مدنية، مؤسسية، ديمقراطية ،حديثة، رافعاً شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" والرحيل للأنظمة البائدة الفاشلة.

وبالعودة لموضوع هذه الفقرة، فإن الدولة، مفهوماً ،وحالة وجود، قضية أوسع وأشمل من السلطة أو الحكومة أو النظام، فالدولة باقية، والسلطة أو الحكومة متغيرة باستمرار (وقد يرى بعض المؤرخين أن هناك نظماً عاشت طويلاً في حقبة ما قبل الدولة، أي ما قبل المؤسسة،والتشكلات المدنية التي لا تسير وفقاً لقانون، لكن مثل هذا الابتلاع للدولة، من قبل السلطة ، قد حدث له ما يحدث لأفعى (اليو) التي تختنق وتصاب بالغثيان عندما تحاول ابتلاع ما لا تقوى عليه، وما لا يتسع له جوفها)(4)، وهو الأمر نفسه الذي حدث بعد حرب 1994م للسلطة أو التحالف الذي وجد وتشكل بعد الحرب، وخاصة بعد انفراد الحزب الحاكم بالسلطة، حيث وجد نفسه أمام دولة مترامية الأطراف جغرافياً وديمغرافياً وبقدرات وامكانات هائلة، عبث بها بجنون، إلى جانب قوى بشرية وسياسية تقع تحت ظل هذا الامتداد للدولة، التي حاولت سلطة حزب الحاكم، مصادرتها وتغييبها من بعد حرب 1994م تحت جبة عصبية، فردية، عائلية، وفي إطار مركزية متخلفة، وهو ما قاد موضوعياً وعملياً وسياسياً إلى المآل الذي نشهده اليوم. لقد كان من الصعب على أي سلطة أن تهضم وتحتوي هذا الامتداد الواسع لوجود الدولة (شمالاً، وجنوباً)، ومن هنا كانت الاحتجاجات المدنية السلمية الجنوبية التي بدأ تململها الأولى من بُعيدَ حرب 1994م، واختمرت حالة تشكله النهائي مع عامي، 2006م -2007م اضافة إلى حروب  صعدة في طبعات  الستة، 2004م-2010م، حتى تفكك بنية السلطنة (سلطة الغنيمة)، السلطة العائلية، (الحملكية الوراثية )، فيما شهدناه من ثورة شبابية شعبية، عمت كل الوطن، مطالبة في جوهرها، بفصل الدولة، عن السلطة، وبفصل السلطة، عن الثروة الوطنية العامة، وبفصل الدين، عن السياسة، والسلطة، للدخول إلى عتبة وفضاء الدولة المؤسسية المدنية الدستورية الديمقراطية. وبالطبع هو تأكيد ودليل عملي على أنه مهما تغولت وتجبرت السلطة الطغيانية العائلية، فإنها تبقى أصغر من الدولة،  وأقل تأثيراً من فعل الشعب.

 وهنا يمكنني القول إن وقائع حرب 1994م، ونهب الجنوب اقتصادياً، وتحويله إلى تابع سياسياً(5) عوضاً عن كونه شريك أساسي في السلطة، والثروة، عبر سياسة الضم والإلحاق، وثقافة "عودة الفرع، إلى الأصل"، هي الحقيقة أو القضية التي فجرت تناقضات الدولة / السلطة، وأخرجتها إلى العلن، وأكدت بالملموس صعوبة امكانية استمرار هذه الثنائية..، فلم تستطع معدة (سلطة الغنيمة)،أن تهضم استمرار هذه الثنائية، في صورة نظام شراء الولاءات والمحسوبية.

 ذلك أن تاريخها السياسي الذاتي توقف عند لحظة صعود الربيع العربي -واليمني على وجه الخصوص- فما من دولة مهما صغرت أو كبرت وسقط نظامها، إلا واستمرت بشكل أو بآخر، لأن السياسة، كالطبيعة كلتاهما لا تقبل الفراغ، وتسعى على الفور إلى ملئه(...) والأرجح أن علينا أن نودع حقبة اختلط فيها حابل الدولة، بنابل النظام (السلطة)، ومناخ الثقافة المبثوث على امتداد كوكبنا لن يكون ملائماً لتكرار تلك الظاهرة(6)، وهو ما تحاوله وتدعوا إليه الثورة الشبابية الشعبية بجميع مكوناتها اليوم، من خلال رفعها عالياً خطاب، وشعار الدولة المدنية، ومنع تغول السلطة على الدولة، أي ظاهرة اختطاف السلطة، للدولة... فالتاريخ اليوم لن يقبل بمثل هذا الاغتصاب والاختطاف للدولة وسيعاقب ويحاكم التاريخ المختطف للدولة،كما بدأته ثورات الربيع العربي التي اجتاحت المنطقة كلها، بدءاً من تونس، ومصر، حتى ليبيا، وسوريا، واليمن، والبحرين، والقائمة مفتوحة.

 إن ما تحاوله، وتدعو إليه ثورات الربيع العربي بجميع مكوناتها الثورية ومن جميع الأفكار -بصرف النظر عمن يصل إلى السلطة- إنما هو تصحيح خطأ، سياسي تاريخي يجب أن لا يستمر، ولم يعد ممكناً تاريخياً أن يسير في صورة الثنائيات القاتلة والمدمرة المذكورة -التي سبقت الإشارة إليها-وهنا من المفيد والمهم على المستوى اليمني التأكيد، على أنه ليس دقيقاً ولا صادقاً ولا صحيحاً سياسياً، وتاريخياً تحميل مسؤولية تعثر وتعويق بناء الدولة المدنية الحديثة (إلى المرجعيات التقليدية المؤثرة: قبلية، ودينية، وعسكرية، حسب ما جاء في ورقة مشروع (تيار الوعي المدني وسيادة القانون)، ذلك أن التحالف موضوعياً، وسياسياً، ومصالحياً، كان يضم إلى جانب هذه القوى التقليدية المؤثرة فعلاً، يضم نخبة ايديولوجية (مثقفين، وسياسيين كبار، وتكنوقراط إداريين)، أي نخبة ثقافية سياسية لها وزنها السياسي النوعي، والمناطقي وبعضهم أسماء نافذة منهم هي من قيادة ما كان يسمى بـ"تيار الوعي المدني وسلطة القانون"..، ساهموا في إنتاج صيغة الحكم التي وجدت، بل وأسسوا سياسياً، وموضوعياً، وتاريخياً لاستمرار تلك الصيغة من الحكم، وبقوة الحرب، والعسكرة، والأدلجة السياسية، والدينية، وخاصة قبل حرب 1994م، وفيما بعد ذلك مباشرة. ويمكننا القول إنه لولا الدفاع الايديولوجي والسياسي، والتشريع القانوني للحرب، الذي أدى إلى تغيير دستور وحدة 22مايو 1990م في سبتمبر 1994م، - وما تلاها-  من قبل النخبة الايديولوجية والسياسية لما وجد زعماء القبيلة، ورجال الدين من رموز "الجهاد" والتكفير، والحرب، من يشرعن ويبرر لهم قيام هذه الحرب، وصولاً إلى جني ثمار استحقاقاتها من قبل جميع أطراف المعادلة السياسية التي اشتركت في الحرب، وهو ما تحقق بالفعل. فمن غير الصدق مع النفس، ومع التاريخ، تحميل اليوم المرجعيات التقليدية وحدها المسؤولية السياسية والتاريخية عما وصلت إليه أحوال البلاد اليوم من تدهور، وفشل، فلم تكن القيادة العسكرية، والأرستقراطية المشيخية القبلية، والجماعات الدينية قادرين لوحدهم وبدون مساعدة ومساندة رموز النخبة الأيديولوجية والسياسية، والثقافية (الليبراليين)، على حسم المعركة، فهذه النخبة الأيديولوجية تحت غطاء الحداثة، والوطنية الزائفة، والوحدة وكفى!! ، هي من أعطت الغطاء الأيديولوجي السياسي الحداثي، بل والوطني، لتلك الحرب الظالمة أمام الخارج، وهي كذلك من أعطت مصادر قوة وشرعية للحرب الجارية ، وهي التي ساعدت وساهمت في إعادة انتاج البنية الاجتماعية والسياسية التقليدية، فقد قادت هذه الأطراف مجتمعة إلى صناعة وإعادة إنتاج هذا المشروع الفاشل للدولة، في صورة ثنائية الدولة/السلطة، أو (السلطة/ الغنيمة) الذي كان تعبيرها السياسي الحزبي هو حزب الحاكم (المؤتمر الشعبي العام).. إن هذا الخليط، العسكري، القبلي، الديني، الايديولوجي النخبوي، في مجموعه هم من حددوا صورة، ومضمون السلطة الفاشلة التي هيمنت على جميع مقاليد الأمور من بعد حرب 1994م وهم الذين كانوا تاريخياً جزءاً من هذه المعادلة السياسية السلطوية في شمال الوطن، (قبل الوحدة، وبعدها) بهذه الدرجة أو تلك، ولا يجوز بل ولا يحق، لأي من هذه الأسماء، والقوى، والجماعات تحميل طرف المرجعية التقليدية، وحدها مسؤولية ما آلت إليه الأمور والأوضاع اليوم، لأنه من حقنا اليوم أن نتساءل أين كانت هذه النخبة -نخبة تيار الوعي المدني وسيادة القانون وغيرها تحت التسميات المختلفة- طيلة نيف وثلاثة عقود؟ ألم تكن جزءاً أصيلاً، ومشاركاً ومنتفعاً من السلطة وثمارها، وفي قمة السلطة (رؤساء وزراء، ووزراء) ومسؤولين نافذين في مواقع السلطة المختلفة في الداخل والخارج، وبعضهم في قمة الحزب حتى اللحظة.

 وبعد كل ما جرى وما يزال يجري نقول ذلك ونؤكد عليه للإيضاح السياسي والتاريخي،  ولعرض وطرح الحقائق والوقائع كما جرت ضمن تاريخها الخاص، مع أنني شخصياً أرحب بجميع من يقفزون من السفينة الغارقة، ومنهم أسماء طيبة في تيار الوعي المدني وسلطة القانون، وفي قيادة المؤتمر الشعبي الذين لم يتورطوا في القتل.

الهوامش:-

(1)  قادري أحمد حيدر، كتاب (دراسات فكرية وثقافية ) صـ158، ط أولى مارس 2009م الناشر اتحاد الأدباء والكتاب اليمني، نقلاً عن الموسوعة السياسية، اشراف عبد الوهاب الكيالي، كامل زهيري، المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت، صـ269.

(2)  انظر حول ذلك قادري أحمد حيدر، المصدر السابق، صـ157-167 مناقشة مفصلة حول علاقة الدولة بالسلطة .

(3) د. عبد الإله بلقزيز، صحيفة الخليج الإماراتية، الاثنين 25/2/2008م، عدد(10508)، صـ18.

(4) خبري منصور، صحيفة الخليج الإماراتية، الخميس 27/11/2011م .

(5) جاء في نشرة وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) " الفترة الصباحية "12/7/1994م أي خلال حرب 1994م التالي (مراقبون سياسيون قالوا إن حكومة صنعاء تواجه مهمة شاقة في مجال إعادة الخدمات الأساسية لمدينة عدن المدمرة والمنهوبة، لأنها تواجه تحدياً أكبر في التغلب على الشكوك العميقة التي اشعلت نيران الحرب بين الشمال، والجنوب) – وكما جاء في نشرة وكالة سبأ اليمنية (في الوقت الذي يعلن فيه الشماليون تمسكهم بالوحدة بالرغم من الجراح التي خلقتها الحرب .. أعرب سكان عدن اعتقادهم بأن الشمال يريد القضاء على الاستقلال السياسي والاقتصادي للجنوب) وإذا بحثنا في أسباب هذه الحرب سنجد أنها كامنة في حالة ثنائية السلطة، والدولة، وثنائية السلطة، والثروة وثنائية الدين، والسياسة، التي جسدتها وعبرت عنها فتوى عبدالوهاب الديلمي، والتي كانت أحد أهم الأسباب المباشرة للحرب وبهدف احتكار السلطة والثروة).

 

(6) خبري منصور، صحيفة الخليج الإماراتية، الخميس 27/10/2011م.