حضرموت و الأفق اليمني القادم
قبل 24 يوم, 22 ساعة

عُرف عن حضرموت عبر التاريخ أنها كانت من مناطق الضغط المرتفع سياسياً وثقافياَ وإجتماعياً واقتصادياً وخلال مايزيد على الألفي عام كانت حضرموت كديمغرافيا بشرية أشبه بالشريان الأجتماعي الذي يغذي بقية الجسد اليمني بالدماء وأعني بذلك الهجرات التي تمددت في كافة أنحاء اليمن ، ومن خلال قبائل كِندة العربية تواجدت حضرموت في كافة مناطق اليمن ، يقال أنه حتى قبائل حاشد في أقصى الشمال تعود بأصولها القديمة الى هجرات قبائل كِندة ومنها تفرعت لتشمل إمتداداتها في معظم المناطق اليمنية ، لقد كانت حضرموت في حضور دائم عبر التاريخ اليمني القديم والحديث والوسيط عبر شواهد تاريخية واضحة المعالم وتجاوز دورها النطاق الجغرافي لجنوب الجزيرة العربية إلى شمال الجزيرة فكانت مملكة كِندة أحد الممالك العربية قبل الإسلام الرابط بين شمال الجزيرة مايعرف ببلاد نجد  والتي كان منها شاعر العرب إمرؤ القيس أبن آخر ملوكها الملك " حجربن عمرو الكندي المعروف بآكل المرار " لم تتمدد حضرموت كمشروع سياسي وثقافي عبر التاريخ وفق نظرية فكرة القوة كما هو الحال مع بعض القبائل اليمنية الأمر يبدو في الحالة الحضرمية شديد الأختلاف فما يمكن توصيفه بالحالة الحضرمية في التمدد الحضاري في مراحل التاريخ لم يأتي من حالة فراغ وإنما جاء كنتاج طبيعي لحالة الإمتلاء وليس الإملاء بمدلولاته القسرية فمعظم مراحل التمدد الحضاري كانت تنطلق من معطيات فاعلة ونشطة على أرض الواقع لها ومنها البُعد الثقافي الذي أسهم بنشر الإسلام في شرق أسيا وهو ما يمكن أن نلمسه اليوم في دولة مثل جمهورية إندونيسيا حيث تبلغ نسبة السكان من أصول يمنية حضرمية العشرة في المائة مايوازي خمسة وعشرين مليون نسمة ،العقلية الحضرمية كانت عبر التاريخ عقلية جامعة وأن بحثت عن الذات وأن حافظت على الخصائص وبدت كما لو أنها إنعزالية الحقائق التاريخية على الأرض تؤكد ذلك ففي ماليزيا كان الحضارم داعمين لوحدة ماليزيا في مرحلة تنكو عبدالرحمن إبان خلافه مع الصينيين وفي إندونيسيا كانوا مع وحدة البلاد بعيد إستقلال تيمور الشرقية وكانوا مع وحدة تنزانيا في العام 1964م إبان الصراع بين جوليوس نيريري وبين زنجبار بالرغم من عروبة زنجبار ، العقلية الحضرمية كانت على الدوام عقلية صناعة الدولة عقلية التواصل وليس التفاصل كما يحاول البعض أن يشيع

الحالة الحضرمية في اليمن أرتبطت بالصوفية وبالتجارة خلال الثلاثة قرون الماضية وهذه الحالة لم تحسن الحكومات التي جاءت للحكم بعد الإستقلال والوحدة الإستفادة منها لصياغة مشروع وطني خلاق يمكن البناء عليه فإبان الحكم الماركسي للجنوب كانت نسبة المشردين من أبناء حضرموت إلى خارج اليمن هي النسبة الأعلى من سكان المحافظات الجنوبية تم الإستفادة منهم في بناء دول عربية وأفريقية .

حالياَ اليمن يتشظى من أقصى الشمال الى الى اقصى الجنوب أربعة اعوام من الحرب وقبلها اربع من عدم الأستقرار وأربع من الحراك السياسي الانفصالي والسياسي عمت اليمن وبالرغم من كل ذلك ظلت حضرموت هي الأقل تأثراَ وهي الأقليم اليمني المعافى والأكثر تماسكاَ من مختلف مناطق اليمن فاقليم الجند اثبت عكس كل التحليلات السابقة أن القوة الفاعلة والنشطة فيه هي القوى الماضوية وسجل أكبر حالة سقوط للقوى التقدمية التي كانت تشير إليه باعتباره حالة متقدمة في الحداثة والعصرنة ظهر العكس فاثبتت الوقائع الراهنة حالة الفوضى والعجز

وإقليم آزال اثبتت الوقائع والأحداث أنه بات مختزلاَ لقوى ماضوية إنقسم ولاؤها بين القبيلة والمذهب .

إقليم عدن  اتضح انه الوجه الآخر للشمال بشقيه آزال والجند وكما يقال تمخض الجبل فولد فأراَ بعد الماركسية والأممية والإشتراكية قبائل متصارعة وأقصى طموحاتهم إعادة الدولة دولة سويسرا الديمقراطية الشعبية والصراع على أشده بين فرقاء الأمس يتجدد اليوم بمسميات سياسية في سباق محموم للتبعية لهذا الطرف الأقليمي أو ذاك .

إقليم تهامة بشقيه الجبلي والساحلي حاله قبل الحرب وبعدها لايختلف كثيراَ حالة تجاذب في ظل غياب القيادات والنخب الفاعلة وفي النهاية مع من غلب .

إقليم سبأ القوى المتحكمة فيه قوى تقليدية تتبع القبيلة وحزب الإصلاح والولاء المذهبي على حد سواء .

وباالعودة الى المناطق التي حكمت اليمن الجمهوري قبل وبعد الثاني والعشرين من مايو 1990 تحت مظلة الحكم الوطني سنجد أن جميع فترات حكمها أنتهت بكواراث سياسية قحطان في الجنوب انتهت بأحداث 22 يونيو وسالمين ابين انتهت باحداث سالمين ودثينة  والضالع انتهت بأحداث يناير وفي الشمال انتهت هيمنة سنحان بأم الكوارث الحرب اليمنية بين الحوثيون والتحالف ،  حضرموت هي النسيج الاجتماعي المتعافي الوحيد القادر على صناعة المشهد الموحد داخليا وخارجيا وحدها من تمتلك مشروع النهوض  باليمن كل العوامل  على الأرض تعطي حضرموت القدرة على صناعة الدولة اليمنية الحديثة  لكن الأمر لي بتلك السهولة التي يتصورها الحالمون تحتاج المسألة إلى إعادة لصياغة الفكرة الحضرمية والإنتقال بها من حالة العزلة إلى فضاء رحب أوسع وفق منطلقات أكثر رسوخاً يمكن العمل من خلالها لتقديم مشروع جامع يكون بمثابة إعادة تخندق وتموضع تاريخي يبنى على أسس فكرية جديدة فطوال القرنين الماضيين كانت حضرموت تبحث عن الذات وهو ما حدى بها إلى أن تتحول إلى حالة للتجاذبات السياسية ووصل الأمر إلى تقسيم حضرموت إدارياً إلى كيانين منفصلين السلطنة الكثيرية والسلطنة القعيطية وفي الجمهورية اليمنية إدارارتين مدنية حضرموت الوادي وحضرموت الساحل ولكل وحدة إدارية وكيل بصلاحيات المحافظ ، وفي أثناء المرحلة الإستعمارية كانت حضرموت حاضرة بقوة ضمن مشروع المستر " بيرجوكس " وزير المستعمرات البريطانية الخاص بإمارات الخليج والمحميات البريطانية لإدراجها ضمن خارطة كيان جديد يتم إستحداثه بدعم من الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس لكن المشروع تم الغاءه فجاءة وبدون مقدمات في العام 1936م .

في السياق التاريخي الراهن الذي تعيشه المنطقة وفي ظل مشاريع التقسيم والخارطة الجديدة التي يتم العمل عليها وفق مشاريع قديمة إبتداءً من مشروع "جابوتنسكي " سنة 1954م ومروراً بمشروع "برنارد لويس " الذي تم إقراره من قبل الكونجرس في العام 1987م لا بد أن تكون لمناطق الضغط المرتفع وحضرموت من ضمنها الكلمة الفصل لتحديد مستقبل المنطقة واليمن على وجه الخصوص هناك مسؤلية   النخب اليمنية والحضرمية من ضمنها بحاجة لقراءة المرحلة بعيداً عن الذاتية والخلافات والإختلافات الذاتية فالحالة الحضرمية يمكن أن تكون المقدمة الفعلية لإعادة النهوض لليمن الحديث الديمقراطي والنماذج الحضرمية من فرج بن غانم مروراً بفيصل بن شملان وصولاً لأحمد عبيد بن دغر شكلت أنموذجاً رائعاً في  لحظات فارقة تحتاج إلى  من يلتقط اللحظة التاريخية .