"هزة قلم!"..ثقافة "ما قاله الشيخ!"
قبل 12 يوم, 20 ساعة

مجتمعنا اليمني بدائي بدوي قبلي تحكمه العادات والأعراف أكثر من الدين والقانون، فشيخ القبيلة او إمام الجامع أقوى تأثيرا على عقلية المواطن وتفكيره من أي شيء آخر، فالقول الفصل عندنا مع الأسف الشديد "ما قاله الشيخ!".

مالك بن نبي مفكر فيلسوف جزائري وأحد رواد النهضة الفكرية الإسلامية في القرن العشرين، ويمكن اعتباره امتدادا لابن خلدون، فهو من أكثر المفكرين المعاصرين الذين نبهوا إلى ضرورة العناية بمشكلات الحضارة. يقول: "الثقافة هي سلوك الفرد كفرد والمجتمع كمجتمع...فهي مجموعة من الصفات الخلقية و القيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته، وتصبح لا شعوريا العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه، فهي إذن المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه و شخصيته."

الثقافة هي فكر النخبة والقيادة، تنطبع في فكر الفرد، وتترجم إلى سلوك إما حضاري وإما بدائي غوغائي، وهي تعني العلم، والسلوك، تعني الأصالة والفن والذوق الرفيع على كل مستويات المجتمع، نتمثلها في مظهرنا، بيوتنا وشوارعنا و مقاهينا و أنديتنا الرياضية والثقافية، في مساجدنا و أحزابنا، في كلامنا في حواراتنا وتعاملاتنا.

محيط الإنسان قد يتغير، وبتغيره يعاد تشكل شخصيته حيث يكسبه محيطه الجديد مقومات جديدة، و يصبغه بصفات إضافية. هذه المقومات والصفات نسبية، بمعنى أن الشخص يتأثر سلبا وإيجابا على حسب قوة المؤثرات. فلربما يتبدل جلد شخصيته بشكل كامل، وربما بشكل جزئي. وبما أن الإنسان كائن إجتماعي يؤثر ويتأثر فإنه لا يمكنه أن يضل على حالته القديمة إذ لابد أن يتأثر ولو بشكل طفيف. حالة التغير التي تطرأ عليه هذه عادة تمر بمراحل، لكنها قد تحدث فجأة وبسرعة قصوى، يمكننا تمثيلها بمنحنى مستقيم 180 درجة، تبدأ بنقطة الصفر وهي الاصالة، وتتدرج في مستويات مختلفة حتى تصل إلى النقيض وهو الإنقلاب الكلي عند الزاوية 180 زاوية الإنفلات.

عمليات التأثر والتغيرعادة تكون متعلقة بعدة عوامل ومؤثرات:

- قوة العوامل المؤثرة: المغريات، الأخطار.

- قوة الشخصية: الإيمان، والأفكار، والأهداف.

- الحالة النفسية: النجاح والفشل، الإنفتاح.ناتج عملية التأثير هذا يصبغ الإنسان بواحد من الألقاب كالأصيل والمنفتح والحضاري أو البدوي أو الغوغائي. وسواء كان مثقفا أو جاهلا فقد يكتسب صفة الإنتهازي، ولربما لقب المتلون أو المنافق إذا كانت البيئة من حوله تتسم بالنفاق. فالملتزم دينيا قد ينفلت، والوطني يصبح خائنا يبيع كل شيء، وهكذا.

والإنسان المثقف الواعي هو الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، والوطنية والوفاء والبراغماتية مع القضايا الطارئة، ويجد في نفسه نزوعا إلى الجمال والحسن والإحسان والإتقان، ودماثة الخلق والتضحية، فيكون قادرا على المشاركة في التأثير في محيطه و صياغة ثقافة مجتمعه، فيحدث التغيير المنشود في مجتمعه، وهكذا تتم عملية التنوير الفكري الجمعي والنهوض الحضاري، وهذا يتطلب من الشخص المشارك في عملية التنوير الفكري أن يكون إيجابيا و متفاعلا مع  من حوله إلا حد كبير و يعرف ما يريد ويحدد الأهداف التي يسعى للوصول إليها في المحيطين به.

مجتمعنا اليمني في الحقيقة يحتاج إلى هذه النوعية من المثقفين الإيجابيين. فمستوى وعي المجتمع لا يخفى على أحد هابط إلى درجة الانعدام، فالجهل هو الطاغي، وكذلك النزعة القبلية حتى في المتعلمين والمثقفين للأسف. وأغلب حملة الشهادات تنقصهم ثقافة الفكر المدني والسياسي وثقافة منظمات المجتمع المدني مما يؤخر عملية النهوض الفكري في المجتمع، لذا تجدنا متأخرين دائما، بل نشكل عائقا و عبئا زائدا على الدولة في أي عملية تنموية. فإذا كان فكر النخبة والقادة هكذا، فالعقلية السائدة في المجتمع وبين العامة: "القول ما قاله الشيخ!".