عام على رحيل المثقف الذي لم تمتصه المؤسسة !!
قبل 1 شهر, 9 يوم

منذ ثلاثة عقود ونصف حضر هشام علي بن علي كواحد من المثقفين المختلفين في اليمن، لم تمتصه الوظيفة الرسمية - كوكيل مؤبد  لوزارة الثقافة -  بل كان قادرا على تحويل هذا الموقع الى مرموز للمثقف غير المستكين،  الذي باستطاعته احداث الفارق والمفارق بواسطة الكتابة المتجددة. اما اشتغالاته  المتنوعة على موضوعات فكرية وبحثية وتاريخية مختلفة ، فقد وسمته  بالمثقف الوحيد في المؤسسة الرسمية ، بمثابراته انتج اتصال واع بالحالة الثقافية بتجلياتها القائمة . كتب في السرد والتاريخ  والنقد والثاقافويات بوعي تنظيري مجتهد، لُمتِ  اكثرها في قرابة خمسة عشر مؤلفاً صدرت خلال ثلاثين عاماً.

في عام  1984اصدر اول كتبه (الثقافة في مجتمع متغير) ، وضمَنه مجموعة مقالات مختارة، نشرها في الدوريات والصحف ، ابكرها  الذي تم نشره في الثقافة الجديدة بمسمى" ظاهرة الثقافة في مجتمعات متأخرة" في العام 1978.

في كتاب ثان  اسماه (فكر المغايرة ـ مقاربات اولية في الحداثة والنقد) وصدر عن وزارة الثقافة 1990، سيتخفف كثيرا من حمولات الايديولوجي وضغوطاته المنهجية، متتبعا مسارات ثقافاوية لم تعد مقارباتها اخطاء يقينية، بفعل التحولات العاصفة التي شهدها العالم .

في كتابه " الخطاب الروائي في اليمن 1992"  ينطلق من السؤال شائع التردد هل لدينا رواية في اليمن !؟ اما الاجابة على سؤال مثل هذا سيكون بقوله ان تطور الرواية  في العقود الاخيرة يشير الى نمو هذا الفن سواء من حيث الكم او من حيث البناء الكمي

في كتابه ( عبدالله محيرز وثلاثية عدن) اعاد التعريف بمتلازمة عدن وعبدالله محيرز استاذ الرياضيات  المهوس بالتاريخ ،والذي استطاع تجسيم الصورة الانصع عن المدينة كجغرافيا وتاريخ، اثثهما الانسان  بتطويعه الطبيعة القاسية لخلق اجمل مدن المشرق، الذي كان حلم الاقامة فيها ترفا ذات يوم.

حين اراد ان يبصر تاريخ اليمن المعاصر في مرآة السرد توقف امام المنجز الابداعي لـ "زيد مطيع دماج" ، الذي جعل الحكايات الشعبية والوقائع والاحداث السياسية موضوعا سرديا يُخضِع التاريخ للتخييل، دون اعتسافات ، والاشارة هنا الى كتابه (السرد والتاريخ في كتابات زيد مطيع دماج ـ 2000)

يكفي ان تتوقف مليا اما منجزه البحثي المعنون بـ (المثقفون اليمنيون والنهضة 2003) لترى كم كان مهجوسا بفكرة التنوير في الجغرافية اليمنية، وقادرا على اعادة التعريف بتنويرين غُيبوا بقصد ، حتى لا يشار الى اسهاماتهم الحيوية في نقد الديكتاتوريات والاستبداد الديني في كيانين سياسيين يتجاذبهما  الاستعمار والانغلاق

في عام 2003 اصدر كتابه المعنون (مجازات القراءة)  ومؤلف من ثمان دراسات ومقالات طويلة  عنيت معظمها  بقراءته للمنجز الشعري في اليمن من زاوية ان القراءة  ممارسة حرة في التأويل والكشف والاستنتاج.

في (شرق رامبو ـ عدن والحلم الشعري 2004) تحسس المغيب والمسكوت عنه في حياة الشاعر الجدلي المشرقية، فلامس  الاشكالية الثقافية والمعرفية لموضوعة الشرق والغرب التي تتجلى في واحدة من انعطافاتها كلحظة  تعارضات اخلاقية ووجودية كبرى

في 2006 اصدر كتابه المعنون بـ (اشكالية المثقف والغرب في الرواية العربية ) واتخذ من رواية  الطيب صالح موسم الهجرة الى الشمال نموذجا للقراءة  من زاوية ان هذه الرواية لم تزل مخاتلة لم تتكشف ابدا لكل من قراءها

في (ابن خلدون راهنا 2008) عمل هشام  على مقاربة اهم افكار رائد  علم الاجتماع في المشرق، فنظر الى اسهاماته المعرفية من زاوية التجدد الذي لا يبلى، لان تحولات المجتمعات هنا لم تتجاوز عتبات الرؤى الملهمة للشخصية الفذة، التي لم تزل تؤثر في وعي الدارسين والبحاثة في كبريات الجامعات ومراكز الابحاث.

 

في (خربشات على جبل شمسان 2010) اعاد تجميع الموتيفات المتعددة لتركيب صورة عدن من الكتابات التاريخية عند ابن المجاور و بامخرمة، او كمدينة (كوزموبوليتية) عند الرحالة والكتاب المعاصرين  بصهرها الاعراق والثقافات في جغرافية شديدة الخصوصية

 في كتابه المعنون " وطن يؤلفه الكلام 2012"  قام بتجميع اهم ما كتبه ـ في سنوات ـ عن عبدالله البردوني الشاعر والمفكر ، متتبعا  تجليات الحداثة في فكره والتي لم يكتسبها من القراءات السيارة ، او انفتاح المجتمع  ولا من التخالط بمثقفي زمنه

"ادوارد سعيد وتفكيك الثقافة الامبريالية 2013" هو خلاصة انهماكه الطويل في دراسة تأثير وهيمنة المركزية الغربية على موضوعي الاستشراق والكتابة الروائية المستتبعة به .والذي عمل ادوارد سعيد  على نقضها في كتابه الاهم "الاستشراق" و تاليا في كتابيه "الثقافة والامبريالية " و "السلطة والسياسة والثقافة"  الى جانب كتاباته المتنوعة في النقد الروائي .

ختاما

في اواخر ايام العام 1990 ،وفي تقديمه لكتاب الراحل فؤاد علي عبد العزيز الموسوم  بـ "كتابات نقدية و وفكرية" ، وفي مقارباته  لإشكالات التعاطي مع المصطلح النقدي من قبل المشتغلين في النقد الادبي قال الدكتور ابوبكر السقاف :

(لا يستخدم مصطلح الشفرة عند القراء النقدية في اليمن الا ناقد واحد هو عبدالودود سيف، ولعله مع هشام علي  يشكلان الاستثناء الذي يثبت القاعدة في هذا المجال )  ، وبعد اكثر من ربع قرن صار هشام وسيف اكثر المشتغلين اليمنين في حقل الراسات النقدية والثقافية  ديناميكية وتجدد ، مع ميزة ان هشام، وبحكم موقعه الرسمي استطاع اصدار اكثر من عشرة كتب متنوعة، ولم يزل القارئ ينتظر بفارغ الصبر اكثر من الكتابين النقديين الذين اصدرهما الاستاذ عبد الودود سيف.

(*) مقتطفات من مادة طويلة عنيت في الاصل بمقاربة لتجربة الكتابة عند الاستاذ الراحل هشام علي بن علي.