هذا غوى
قبل 5 شهر, 1 يوم

دخلت مع ابنة خالها، ترافقها لزيارة طبيب عظام. ابنة خالها امرأة لم تتجاوز الثلاثون من عمرها لكنها تعاني من آلام سببها الهشاشة وخشونة المفاصل. جلسن في انتظار مناداة اسم ابنة خالها وهن يتجاذبن اطراف الحديث عن الدولار الذي يلعب ، الشعب الذي يتعب و المستقبل المشرق الذي يودعنا و يذهب.

في تلك الأثناء دخلت شابة ملفتة للنظر. كانت ممتلئة الجسم، وترتدي بالطو اسود ضيق، اظهر الكثير من ثنايا جسمها . بل لعله اظهر اكثر مما ستر. لا مبرر لفتاة بدينة نوعا ما حين ترتدي ضيق؟!  تحرجت هي من نظرات المنتظرين و المنتظرات لأدوارهم فأدنت نظرها الى الأسفل. ايضا كان للبنت ايدي بيضاء ،جميلة مكتظة ، انامل طلت اطرافهن بطلاء اظافر احمر اللون. دست تحت ابطها حقيبة يد صغيرة حمراء مثل اظافرها ،اخرجتها و فتحتها بيديها تلك و الجميع يتفرج و ناولت الممرضة  ثلاثة الف ريال رسوم المعاينة. حملقت هي و ابنة خالها مثلما حملق الجميع. لم يكن هناك مقعد شاغر سوى واحد بجانبها ، فتنحت باتجاه الجدار كي لا تجلس فوقها هي بقامتها الكبيرة تلك ، فتلصقها بالمقعد و لا تستطيع مغادرته الا بعد عملية"كشط." وشوشتها ابنة خالها قائلة :- " انظري الى الفص في طرف ظفرها و تحت حاجبها." قرصت ابنة خالها لتخفض صوتها اذ لا يصح ان تسمعهن البنت يعلقن عليها بصوت مسموع .  فجأة صاحت ابنة خالها صيحة مكتومة :- " أأأأأيآآآآآآ"." كان مفصل ذراعها قد المها لأنها تثاءبت. التفتت الشابة الي ابنة خالها التي كانت تعظ شفتيها الما قائلة لها :-" سلامات. ماذا بها؟"  اجابتها هي لأن ابنة خالها المسكينة لم تكن قادرة على الرد بسبب الألم الذي يعتصرها. اجابت:-" عندها هشاشة، و التهاب في وتر الكتف من عمل البيت و احتمال يكون قد تطور الى تمزق. ستفحص ويبلغها الطبيب. لكن انتِ ما شاء الله عليك ، ما بك؟" إذ رأتها امام عيناها عبارة عن عافية تجلس بجانبها. كانت ابنة خالها تتوجع و تواصل الوشوشة: -" يهيه يهيه ، لاحظي سحبة  الآيلاينر مثل هيفاء وهبي." اجابت العافية قائلة:-" لا الحمد لله. لا اعاني من شيء. جئت اسأل الطبيب اذا كان شرب الهرد مفيد لعظام كبار السن ام انها دعاية من جوجل. يستوجب الحذر مع الامهات اذا تقدمن في السن ، امي الله يحفظها لي هي نور عيني." تمتمت :-" شفاها الله." نادت الممرضة اسم فإذا بالبنت تقف و تخبرالجميع بصوت عال :-" لا تستاؤون مني . انا فقط سأسأل الطبيب ولن افحص اطلاقا. سأخرج سريعا." قالت هكذا وعاجلت بالتوجه لباب الطبيب. لا يوجد في الواقع أي داعي لتبرير دخولها فأمثالها يفعلن ما شئن لأن للجمال وقع في الروح يجعل التبسم هي ردة الفعل الوحيدة لأي تصرف .كانالجميع فعلا متبسم. بل ان احد المرضى المنتظرين تنحى جانبا قائلا لها :-"تفضل." متناسيا انها انثى و انها لن تمر من امامه اصلا للدخول الى الطبيب. حتى الممرضة اغلقت الباب بعد دخولها و جلست فوق كرسيها خلف المكتب و هي تبتسم. البنت خرجت من غرفة الانتظار من هنا والابالسة دخلوا غرفة الانتظار من هنا. سمعنا تعليقات كثيرة نقدية بعد نظرات الاعجاب.

:-" لماذا لا تبحث عن الإجابة في جوجل بدلا من اخذ وقت الطبيب الثمين و تأجيل زيارته ممن عمل عملية جراحية او عمل حادث سيارة و مجبس؟!"

:-" شكلها كأنها ذاهبة الى عرس. الا تستح المجيء لمستشفى بكل هذه الزينة؟"

:- " اما اظافرها فتركيبة. لعن الله الواصلة و المتصولة هناك حديث شريف ينص على ذلك."

:-" و الفص تحت حاجبها حرام مائة بالمائة."

:-" هل الفص ممكن ازالته ام هي ثبتته الى الابد بعملية جراحية؟"

:- " لماذا جاءت اصلا؟"

:- " لماذا تضع النقاب؟ لا يوجد داع للنقاب لمثلها!"

وتعليقات اخرى كثيرة. قالت ابنة خالها للجميع :- " يا جماعة انه الغوى.  البنت غاوية. فليتذكر كلا منا نفسه. مررنا جميعا بهذه المرحلة. كلنا كنا غاوون وفعلنا اشياء نضحك حين نتذكرها الان فلا تقسو عليها.انامثلا كنت اتوهم اننا اجمل بنات العالم ثم اكتشفت انني حتى لست اجمل بنات عائلتي. انه الغوى."

لا تعلم لما في تلك اللحظة المحمومة بالانتقادات القاسية و التعليقات المسعورة ، اغمضت هي عينيها لتسترجع نموذج لا يشبه هذه البنت في الغوى. انه اخوها ، و بصراحة هو اخونا جميعا. غاوي غوى خرب بيتنا. فحيا لغوى هذه البنت التي لم تؤذ احدا. مرحبا بغوى الفص و طلاء الاظافر الاحمر. اهلا و سهلا بغوىالبالطوهات الضيقة. انها لا تؤذي احدا. اما اخوها فغواه غوى شامل ممتد كالوباء. اخوها فاشل في دراسته ، ترك المدرسة منذ الصف الثاني ثانوي. قال بأنه نابغة و الدراسة ليست للعباقرة من امثاله.  وعد أبيها و أمها المسنين بمنزل دور واحد يرتاحا فيه في آخر عمرهما. وعدهن هي و اخواتها بعمارة لكل واحدة فيهن تعيش حياة سعيدة من ايجارات الشقق. كيف سينفذ ذلك و هو الفاشل الغاوي؟الله اعلم. لكنه قد اسر الى اخواته البنات انه سيكون اول رائد فضاء يمني يغزو الفضاء . جدران غرفة نومه مغطاة بصور رواد الفضاء و بصور للسحب و القمر و المركبة الفضائية. ماذا فعل لهن اخيهن حتى الان؟ لا شيء البتة. بل اقنع الام المسكينة لأنها جاهلة فتصدقه ان تعطيه عقدها الجنيهات الذهب لكي يبيعه و يشتري له بذلة فضاء . هي غير متوفرة في اليمن كما اخبر اسرته بل يجب حجزها من " ناسا" و هو موقع الفضاء الامريكي. ثم قبل جبين امه و اخبرها انه سيذكر اسمها امام المصورين الذين سيتزاحمون لتصويره، و سيبلغهم  ان نجاحه بفضل عقد امه و طاعته لها. فتتألق الام بابتسامة غبية لأنها مسكينة جاهلة. بطبيعة الحال يبيع العقد و يخزن ، و يغير دهان السيارة الى لون جديد ،يعزم اصدقاءه على حنيذ. فتبرر الأم تصرفه قائلة:- " طبعا من الضروري أن يأكل جيدا ، هل يستطيع غزو الفضاء ببطن خاوية؟!"  ثم يكذب عليها ان العدوان يسقط الطائرة تلو الطائرة لأنها تحمل بذلته الفضائية لأنهم يخافون ظهور اول رائد فضاء يمني من قلب القصف. غاوي يا ناس غاوي. لو اسمينا التصرفات بمسمياتها لقلنا انه سارق و عاق والديه ، لم يؤذ الا أهل بيته مما يزيد من وزره و ذنبه. سلم اليوم والديه قسيمة لاستلام عصا و مقعد متحرك لحين يحتاجونه في كبرهما وقت يكون هو في الفضاء. عندما سألانه عن موعد تسلمهما اجاب بعد نهاية العدوان و صولي الى الفضاء و هو موعد مجهول كما لا يخفى على أحد. الا ان امه ترفع ذراعيها تضرعا لله ان يمد في عمرها لترى ابن بطنها اول رائد فضاء يمني و يشكر الشعب البطن التي انجبته. الرجل فاشل و سارق لكنه الجهل يخدمه.  الاخوات كن يدركن احتياله و بيعه الوعود الفارغة.

 فجأة جاء شاب الى البيت و قال الغاوي لأخواته انه سيستأجر الغرفة التي بجانب الباب الخارجي. حين اعترضن البنات و تمردن انه لا يصح تأجير غرفة في بيت بداخله أم و ثلاث بنات غمز الغاوي قائلا :-" انه شاب مهذب جاء للدراسة من البلاد و قد يكون زوج لاحداكن." سكتن على استحياء و بداخلهن لهفة يا رب انا يا رب انا. بدأ الأخ يقوم بتمارين داخل صالة البيت لانعدام الجاذبية لكي يتأقلم جسمه قبل موعد الرحلة الى الفضاء. سألته الأم:- " طيب اين البذلة؟" يجيب بثقة:- " لعنة الله على آل سلول. انهم لبذلتي بالمرصاد. اسقطوا عشرات الطائرات." يعاود التمرين. يصعد فوق الدولاب ثم يقفز فاتحا ذراعيه. الأم تزغرد. كسر شاشة التلفزيون.  ثم يركض في اتجاه سريعا ثم يتوقف و يركض للخلف. فصدم الأب الذي كان يخرج في تلك اللحظة من الحمام. كسر ظهر والده المسن و اقعده فوق كنبة البيت ليل نهار. عندما وجدت الأسرة الاب العزيز مقعد طفح الكيل بغوى الابن. واجهته هي ، كونها الأخت الكبيرة قائلة:_" أي خير يأتي منك و قد بعت ذهب امنا و اقعدت ابونا و ادخلت الغريب دارنا. انت افقرتنا و اجعتنا. انت تاجر نصاب تبيع الوعود و في خانة التنفيذ صفر. هل تفهم؟"

هزت البنت ، ابنة خالها قائلة لها :- " فيما شردتِ؟ هيا نادوا اسمي ،انه دورنا. قامت معها. لاعنة غوى الشقيق فهو غوى لا يجوز السكوت عنه . لأنه غوى ضيع البيت فهل من حكيم ، او فاهم  ينير لنا الطريق؟