الابتزاز السياسي الغربي ضد السعودية
قبل 6 شهر, 13 يوم

 أولا: مقدمة:

            في الآونة الأخيرة برزت المملكة العربية السعودية كقوة إقليمية عربية فاعلة في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة بعد افول الأدوار الفاعلة لكل من مصر والعراق. التطورات الجديدة في منطقة الشرق الأوسط جعلت السعودية تقود المواجهة ضد التدخلات الإيرانية المزعزعة لأمن واستقرار المنطقة. بالإضافة الى ذلك، تعتبر السعودية عضو بارز في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي تقوده الولايات المتحدة الامريكية. وعلاوة على ذلك تقود السعودية تحالفا عربيا لمساندة الحكومة اليمنية الشرعية ضد المليشيات الحوثية المدعومة من إيران.

            هذه الورقة البحثية تتناول التطورات الجديدة في العلاقات بين المملكة النفطية الغنية والدول الغربية، خاصة في ظل تصاعد التوترات بين الجانبين، والتي تفاقمت، بسبب التدخلات في الشؤون الداخلية السعودية او نتيجة الاعتراض على السياسة الخارجية السعودية، وخاصة فيما يتعلق بحرب اليمن. تسعى هذه الورقة الى دراسة الضغوطات الغربية المتزايدة على الرياض وكذلك التدخلات في الشؤون الداخلية السعودية مثل تدخل وزارة الخارجية الكندية والابتزاز السياسي الذي تمارسه الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، لا سيما منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس ووتش.

تحاول هذه الورقة استكشاف الابعاد السياسية للضغوطات الغربية ضد السعودية، فضلا عن السعي لتحليل سياسة الاتحاد الأوربي الغير ودية تجاه السعودية، لا سيما بعد ان ادرجت المفوضية الاوربية الرياض في القائمة السوداء للدول التي تشكل خطر على التكتل الاوربي، وهي البلدان، التي تتهاون في عمليات غسيل الأموال، وتمويل الجماعات الإرهابية. وعليه فان هذه الدراسة ستجيب على الأسئلة التالية: ماذا يبيت الغرب من مخططات ضد السعودية؟ لماذا تمارس الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الابتزاز السياسي ضد الرياض؟ ما هي تداعيات قرار المفوضية الاوربية إدراج السعودية في القائمة السوداء للدول، التي تشكل تهديدا للاتحاد الأوربي؟ ما هي تداعيات قرار المفوضية على مستقبل العلاقات بين الرياض وبعض العواصم الاوربية؟ ما هو تأثير قرار المفوضية الاوربية على خطط السعودية الرامية الى جذب الاستثمارات الأجنبية؟  ما هي الخيارات المتاحة امام صانع القرار السياسي السعودي للرد على قرار المفوضية الاوربية؟

 ثانيا: المكانة الدولية للمملكة العربية السعودية:

تعتبر المملكة العربية السعودية في الوقت الراهن واحدة من الدول الاربع الكبرى في المنطقة الى جانب إيران وتركيا وإسرائيل، حيث تتمتع السعودية بقدرات اقتصادية ضخمة ومساحة شاسعة من الأراضي تشكل أربعة اخماس شبه الجزيرة العربية بمساحة تقدر بحوالي 2 مليون كليو متر مربع. بالإضافة الى ذلك يمتلك الجيش السعودي ترسانة ضخمة من الأسلحة الحديثة المتطورة أمريكية الصنع. وعلاوة على ذلك تضم السعودية اهم المراكز الإسلامية المقدسة في مكة والمدينة، مما يجعلها دولة ذات تأثير قوي على شعوب العالم الإسلامي وخاصة المجتمعات السنية. وفي دراسة أمريكية حلت السعودية في المرتبة التاسعة من بين اقوى 23 دولة على المستوى العالمي استنادا الى معايير مختلفة من ضمنها جودة الحياة والمواطنة، بالإضافة الى القوة من حيث التأثير الاقتصادي والساسي وقوة الحلفاء الدوليين والقدرات العسكرية.

ان المكانة المهمة للسعودية على المستوى الدولي تتجلى في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قال ان علاقة بلاده بالسعودية لن تتأثر بسبب قضية الصحفي السعودي جمال خاشكجي، كون السعودية بلد غني جدا وحليف استراتيجي مهم في الحرب على الإرهاب. كذلك تعد المملكة ممول رئيسي لمنظمة الأمم المتحدة من خلال ثلاثة مستويات، هي تمويل الموازنة العامة للأمم المتحدة، تمويل قوات حفظ السلام الدولية، تمويل المنظمات المتخصصة، فضلا عن تمويل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي للإنشاء والتنمية. ان امتلاك السعودية 25% من الاحتياطي النفطي العالمي يجعلها قوة مالية واقتصادية ضخمة تستقطب العديد من دول العالم المستهلكة للنفط، حيث ان تلك الدول تحرص على إقامة علاقات قوية مع السعودية. بالإضافة الى ذلك تسعى الكثير من الدول الغربية والاسيوية والافريقية الى استقطاب الاستثمارات السعودية والاحتفاظ بعلاقات تعاون معها، مما يعني ان السعودية تشكل قوة إقليمية ودولية لا يستهان بها.

 

 

 

ثالثا: الابتزاز الاممي ضد السعودية:

بدأت الأمم المتحدة في سياسة الابتزاز ضد السعودية منذ البداية الأولى لحرب اليمن، حيث اتهم المبعوث الخاص للأمين العام المتحدة الى اليمن جمال بن عمر السعودية في افشال الحل السياسي في اللحظات الأخيرة، عندما تدخلت الرياض عسكريا وأطلقت عاصفة الحزم. ان اتهامات جمال بن عمر للسعودية في تقويض عملية السلام في اليمن واشعال فتيل الصراع فيه، ليست نابعة من موقف شخصي او تعبير عن رأي فردي، وانما تعد موقفا رسميا للأمم المتحدة يدين السعودية ويحملها مسؤولية الحرب مستقبلا ويفتح الباب على مصراعيه للابتزاز السياسي. وفي سياق متصل لعمليات الابتزاز السياسي، التي تمارسه الأمم المتحدة ضد السعودية أدرج الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون التحالف العربي بقيادة السعودية في قائمة العار السنوية، التي تشمل مرتكبي الانتهاكات الستة الجسيمة ضد الأطفال، لكن السعودية اعترضت على ذلك بحجة ان تقرير المكتب الخاص للأمين العام تضمن معلومات مزيفة لا أساس لها من الصحة، الامر الذي جعل الأمين العام يزيل اسم التحالف من قائمة العار، خاصة بعد ان هددت السعودية بسحب ملايين الدولارات المخصصة لمساعدة برامج الأمم المتحدة.

ان سياسة الابتزاز التي تمارسها الأمم المتحدة ضد السعودية تأتي في سياق مخطط دولي يستهدف الرياض، كون القوى الدولية المهيمنة تستخدم الأمم المتحدة في كثير من الأحيان كأداة من أدوات تنفيذ السياسة الخارجة للدول العظمى، كما حدث في حرب الخليج الثانية وحرب البلقان والتدخل العسكري لحلف الناتو في ليبيا. هذه المرة قام مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة في جنيف بمناقشة تقرير لجنة الخبراء بشأن اليمن، والذي يتهم التحالف العربي بقيادة السعودية بارتكاب انتهاكات ضد حقوق الانسان في اليمن، حيث ذكر التقرير ان التحالف شن ضربات جوية في اليمن تسببت بخسائر شديدة في الأرواح، قد يصل بعضها الى جرائم حرب، وأضاف التقرير ان التحالف فرض قيودا شديدة على موانئ البحر الأحمر ومطار صنعاء، مما حرم اليمنيين من الامدادات الحيوية، وهو ما يمثل جريمة حرب تستوجب المسائلة القانونية. وأعلنت المفوضية السامية لحقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة انها سجلت أكثر من 17 ألف حالة قتل واصابة مدنيين في اليمن منذ ان تدخل التحالف في الصراع. وذكرت المفوضية ان التحالف يتحمل المسؤولية عن معظم هذه الحالات 10471 من أصل 17062 حالة.

اما فيما يخص المنظمات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة مثل منظمة العفو الدولية، ومنظمة هيومن رايتس ووتش، التي يتم استغلالهما لأغراض سياسية، من اجل الضغط والابتزاز والتشهير ضد بلدان معينة كما هو حاصل الان ضد السعودية. حيث اتهمت منظمة العفو الدولية التحالف الذي تقوده السعودية باستخدام الذخائر العنقودية في اليمن، وهو سلاح محضور بموجب اتفاقية اسلو الدولية. واضافة المنظمة في تقريرها لعامي 2017م و2018م ان السعودية تمارس القمع والتعذيب ضد النشطاء، وتستخدم الاعدامات لتصفية حسابات سياسية، ولم يغفل التقرير ما اسماها جرائم الحرب السعودية في اليمن، والقيود المشددة على حرية التعبير، والتمييز القانوني والاجتماعي ضد المرأة. اما منظمة هيومن رايتس ووتش فقد صعدت من حملتها ضد الرياض، حيث اتهمت السعودية باحتجاز الاف الأشخاص تعسفيا ووضعهم في السجون لعدة سنوات دون محاكمة. واتهمت المنظمة السلطات السعودية بقمع واعتقال نشطاء يطالبون بالإصلاح، او يعبرون عن معارضة سلمية. وفي سياق متصل طالبت المنظمة السلطات السعودية بالسماح لمراقبين مستقلين دوليين بالوصول الى ناشطات حقوق انسان سعوديات معتقلات للتأكد من سلامتهن وعلى رأسهن سمر بدوي ونسيمة السادة. وعلاوة على ذلك اتهمت هيومن رايتس ووتش السعودية باستخدام صواريخ عنقودية محرمة في الحرب على اليمن، وزعمت المنظمة انها تملك معلومات وادلة تثبت تورط السعودية بارتكاب جرائم حرب في اليمن. وبغض النظر عن ادعاءات العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، فانه من الواضح ان تلك الحملة تندرج ضمن مؤامرة دولية تستهدف المملكة العربية السعودية.

رابعا: التصعيد الغربي ضد السعودية:

بالرغم من ان السعودية كانت وما زالت حليفا تاريخيا واستراتيجيا للغرب في مواجهة الشيوعية السوفيتية والدول العربية التقدمية ذات الأيديولوجيات القومية العربية، وحاليا في الحرب ضد التطرف والإرهاب، الا انه في عالم السياسة لا يوجد أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون ولكن توجد مصالح دائمة، فالغرب الرأسمالي تخلى عن نظام الشاه أبرز حلفاءه في المنطقة لصالح نظام جديد إسلامي متطرف واستبدادي. يبدو ان الغرب في الآونة الأخيرة بدأ يدير ظهره للسعودية لمصلحة حليف جديد في منطقة شبه الجزيرة العربية وبالتحديد حركة الحوثيين الشيعية، التي تخوض حربا ضد السعودية والحكومة الشرعية اليمنية. من المحتمل ان الغرب يقف سرا الى جانب المليشيات الحوثية، وهذا يتجلى في مواقف الغرب الرافضة لهزيمة المليشيات الحوثية وممارسة اقصى الضغوط الدولية لإيقاف معركة تحرير مدينة الحديدة وإيقاف التقدم في كافة خطوط المواجهة مع المليشيات الحوثية الانقلابية.

ان التصعيد الغربي ضد السعودية يحمل في طياته ابعاد ومخططات سرية تستهدف السعودية كدولة عربية قوية وبارزة في المنطقة قادرة على حشد العالم العربي والإسلامي وتكوين تحالفات عسكرية واقتصادية وسياسية لا يستهان بها، ولذا فان التصعيد الغربي ضد الرياض يأتي في إطار كبح جماح المملكة لإرغامها على البقاء كحليف مجرد من كل مصار القوة، ومن الإرادة السياسية، والقرار الوطني المستقل. ان القوة المالية الهائلة للسعودية والتي تأتي من عائدات النفط تمثل أحد محفزات التصعيد الغربي الرامية للسيطرة عليها، لا سيما بعد ان تمت السيطرة على نفط العراق وليبيا وهذا امر محتمل الحدوث. التطور في التصعيد الغربي انتقل من مرحلة التصعيد عبر الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الى التصعيد المباشر عبر الدول والحكومات الغربية مثل التصعيد والتدخل الكندي في الشؤون الداخلية السعودية، حيث أصدرت وزيرة الخارجية الكندية كريستيا فريلاند بيانا حول سجن ناشطتين سعوديتين تسبب بأزمة دبلوماسية كبيرة بين كندا والسعودية تفاقمت مثل كرة الثلج حتى وصلت الى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. ويبدو ان الرد السعودي على التدخل الكندي كان مبالغا فيه، لا سيما ان الرياض في حاجة ماسة الى حلفائها الغربيين في هذا الوقت العصيب وليس الى مزيد من الخصوم، لكن صانع القرار في السعودية يرى ان الرد كان رسالة قوية وضرورية الى الدول الأخرى كي تعي ان التدخل في الشؤون الداخلية السعودية خط احمر لا يمكن تجاوزه.

من الواضح ان التصعيد الغربي ضد السعودية لم يتوقف رغم القطيعة الشديدة بين الرياض واوتاوا، فالتصعيد الالماني مستمر ضد السعودية، حيث عقدت وزارة الخارجية الالمانية مؤتمرا حول السلام والامن والاستقرار في اليمن، دون أي تنسيق مع التحالف، او الحكومة اليمنية، او دعوة احدهما الى حضور تلك المشاورات، رغم ان التحالف العربي تدخل في اليمن بناء على قرار مجلس الامن الدولي رقم 2216 وطبقا لإرادة الشرعية الدولية، ودعم من القوى الدولية الفاعلة. وبالرغم من موقف إدارة ترامب المساند للسعودية، الا ان مجلس الشيوخ الأمريكي اقر في خطوة تصعيدية مشروع قانون لإنهاء دور الولايات المتحدة في دعم التحالف الذي تقوده السعودية في حربه على اليمن. ويرى بعض الأكاديميين انه يمكن اعتبار الولايات المتحدة جزء من التصعيد الغربي ضد السعودية، فهي اول من حرض الشركات العالمية على مقاطعة مؤتمر الاستثمار، الذي جرى في الرياض، ومن المحتمل ان يكون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتواصل سرا، مع قادة الدول الغربية الكبرى لإحراج السعودية، حيث ان كافة المؤشرات تشير الى ان الولايات المتحدة، هي المستفيد الأكبر من الضغوط التي تتعرض لها السعودية، لان الرياض سوف تلجأ الى واشنطن لتعويض ما تفتقده ولتوفير الدعم اللازم، وهو ما يعني ان أمريكا تدعم الضغوط الغربية على السعودية لكي تنقذها في نهاية المطاف.

يبدو ان الدول الغربية استوعبت الدرس الكندي جيدا، لذلك تجنبت تكرار التجربة الكندية، لكنها ابتكرت طريقة جديدة للتصعيد ضد السعودية تقوم على مبدأ قريش، عندما خططت لقتل النبي محمد عن طريق ارسال مجموعة من الفتيان يمثلون كل القبائل ليضربوا محمد ضربة رجل واحد فيتفرق دمه بين القبائل كلها، وحينها لا يستطيع بني هاشم التأثر لدم محمد. هكذا فعلت الدول الغربية في تصعيدها الأخير ضد السعودية من خلال الاتحاد الأوربي، حيث أدرجت المفوضية الاوربية السعودية في القائمة السوداء للدول التي تشكل تهديدا لدول الاتحاد، بسبب تهاونها مع تمويل الإرهاب، وغسيل الأموال. ان ادراج السعودية في القائمة السوداء امر بالغ الخطورة، من حيث الإساءة الى سمعة ومكانة الرياض الدولية، ومن حيث العواقب، التي ستترتب على ذلك الاجراء الخطير. ونتيجة للإدراج، سيُطلب من المصارف والكيانات الأخرى، التي تغطيها قواعد الاتحاد الأوروبي لمكافحة غسل الأموال أن تطبق "العناية الواجبة" على العمليات المالية، التي تشمل العملاء، والمؤسسات المالية من البلدان المدرجة في القائمة السوداء، لتحسين التعرف على أي شكوك حول مصادر تدفقات الأموال.

ان من شأن هذه الخطوة ان تشكل انتكاسة جسيمة للسعودية في الوقت الذي تسعى فيه الرياض الى تعزيز سمعتها ومكانتها الدولية لتشجيع، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية على المشاركة في خطة تحول ضخمة يقودها الأمير الشاب ولي العهد محمد بن سلمان تسمى رؤية المملكة لعام 2030م، وتهدف الرؤية الى التنمية، وتحسين العلاقات الاقتصادية، والمالية للمؤسسات السعودية. وعلى الرغم من معارضة فرنسا وبريطانيا واسبانيا وإيطاليا وبلجيكا واليونان لإدراج الرياض في القائمة السوداء، الا ان المفوضية الاوربية أصرت على تمرير الاجراء، وربما عزز ذلك الترحيب الألماني المتحمس لعملية الادراج. ويتطلب إقرار مبادرة المفوضية موافقة البرلمان الأوربي والدول الأعضاء ال 28 في الاتحاد خلال فترة ادناها شهر واقصاها شهرين من تاريخ الادراج، ومع ذلك فان فرص الإلغاء ضئيلة جدا حسبما صرح مسؤولون أوروبيون لصحيفة الفايننشال تايمز البريطانية.

يبدو ان المفوضية الاوربية أدرجت السعودية في القائمة السوداء بناء على دوافع سياسية، خاصة وان الاجراء يأتي في ظل حملة من الضغوطات الدولية التي تستهدف السعودية، وتوصف اللائحة الأوروبية المثيرة للجدل بأنها اتخذت معايير ملتبسة تجاوزت صلاحيات منظمة مجموعة العمل المالي المختصة بالتصنيف الوحيد المعتمد دولياً بشأن غسيل الأموال. ومما يزيد الشكوك في مصداقية الاتحاد الأوربي انه يغض النظر عن دول معروفة بدعم الإرهاب وغسيل الأموال مثل إيران وتركيا وقطر. ففي الوقت الذي تقر فيه دول الاتحاد الأوربي بدعم إيران للإرهاب نجدها تسارع في انشاء كيان قانوني يهدف الى مواصلة التجارة بين دول الاتحاد وإيران، لا سيما شراء النفط الإيراني، مما يمثل تحديا واضحا للعقوبات الامريكية المفروضة على طهران. وعلى اية حال، فان معارضة العديد من الدول الاوربية الأعضاء في الاتحاد من ضمنهم فرنسا وبريطانيا يشير الى ان ثمة دوافع سياسية تكمن وراء ادراج السعودية في القائمة السوداء، وذلك بهدف الضغط والابتزاز السياسي ضد الرياض.

خامسا: العواقب المترتبة على ادراج السعودية في القائمة السوداء:

الضغوطات الدولية على السعودية بما فيها الادراج في القائمة السوداء للدول التي تشكل تهديدا للاتحاد الأوربي ترمي الى تحقيق أغراض سياسية منها الحد من تعاظم قوة وتأثير المملكة العربية السعودية، او السيطرة والتحكم في صناعة القرار السياسي للرياض، من خلال الضغط على صانع القرار عبر مجموعة من التدخلات، والتهديدات، والعقوبات، او التلويح باستخدام العقوبات ان تطلب الامر. وعلاوة على ذلك يبدو ان الضغوطات ترمي الى ارغام صانع القرار السياسي في السعودية الى تقديم المزيد من التسهيلات المالية لصالح القوى الغربية المهيمنة، وربما تهدف الضغوطات أيضا الى إعاقة الخطط الطموحة المتمثلة في المشروع العملاق الذي يقوده ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والذي يهدف الى جعل المملكة قوة إقليمية كبرى رائدة في محيطها العربي والإسلامي، وهو ما لن تسمح به القوى الدولية الكبرى، لان الغرب يريد من السعودية ان تكون حليفا ضعيفا مجرد من مصادر القوة والتأثير.

ان عملية ادراج السعودية في القائمة السوداء للدول، التي تشكل تهديدا للاتحاد الأوربي سيقود الى مجموعة من العواقب السياسية، والاقتصادية، والمالية، فمن المتوقع ان يتأثر حجم التدفقات الاستثمارية السعودية سلبًا، كما سوف ينعكس ذلك على الاستثمارات الأوربية في السعودية. على ضوء قرار المفوضية الأوروبية، سيتعين على بنوك الاتحاد الأوروبي إجراء فحوص إضافية واعتماد ضوابط أكثر تشددا على المدفوعات المتعلقة بالأفراد والمؤسسات المالية المنتمية إلى الدول المدرجة في القائمة السوداء، وذلك بهدف تحسين رصد أي تدفقات مالية مشبوهة، مما يعني ان قيودا إضافية ستفرض على التعاملات المالية بين دول الاتحاد الأوربي والسعودية. بالإضافة الى ذلك، فان من شأن القرار الأوروبي أن يعقد الإدراج المحتمل لجزء من أسهم شركة أرامكو السعودية العملاقة في بورصة لندن، كما قد يعقد إدراج الرياض في القائمة عمل الصناديق الاستثمارية السعودية في دول الاتحاد الأوروبي، وتدفق رؤوس الأموال الأوروبية إلى سوق الأسهم السعودية. ان عملية ادراج السعودية في القائمة الأوروبية قد تكون لها انعكاسات سلبية اقتصاديا وماليا، ومن ذلك مقاطعة بعض البنوك للرياض كونها مدرجة بالقائمة، إلى جانب مراقبة كل العمليات المالية معها، وممارسة ضغوط أكبر عليها.

ان ما يثير القلق بالفعل هو ان تكون عملية ادراج السعودية في القائمة السوداء جزء من مخطط كبير يرمي الى تقييد الودائع المالية السعودية الضخمة في المصارف الغربية، كما حدث مع العراق وليبيا، وربما قد يكون الادراج جزء من مخطط يهدف الى ابتزاز صانع القرار السعودي الى الموافقة على منح الغرب صحة أكبر من عوائد النفط السعودي الضخمة. بيد ان الخطر الأكبر من الادراج يتمثل في تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد، والذي يشمل السعودية حسب تسريبات بعض المصادر الامريكية، وهو ما يعني نشر الفوضى الخلاقة في السعودية، وإعادة رسم الخارطة بناء على مخططات الشرق الأوسط الجديد، كون تقسيم السعودية إلى عدة دويلات مطروح أمريكياً منذ عقدين ونيف، وهناك خرائط للمملكة في مصادر أمريكية، مثل مجلة الجيش الأمريكي في 2007، وهي مقسمة إلى خمس دويلات. في 29 سبتمبر 2013م، نشرت صحيفة نيويورك تايمز الامريكية ذائعة الصيت خرائط تقسيم السعودية متضمنة مقال يحلل فوائد التقسيم الجديد على امن المنطقة وامن المصالح الامريكية.

سادسا: خيارات المواجهة:

بالرغم من الإمكانيات الضخمة التي تتمتع بها السعودية، الا ان خيارات الرد على الضغوطات الغربية محدودة للغاية، وذلك لان السعودية باتت محاصرة او محاطة بالأعداء العقائديين مثل شيعة العراق وشيعة البحرين والحوثيين في اليمن، فضلا عن مجاميع شيعية داخل السعودية نفسها، اذ لا يمكن للرياض ان تخوض معركتين في ان واحد، معركة مع اعدائها العقائديين والاقليميين، ومعركة مع القوى الغربية الكبرى. وعليه فان الخيار السليم لصانع القرار السعودي هو التعامل بدبلوماسية لمواجهة الضغوطات الغربية. هناك تجربة جيدة خاضتها الرياض في التعامل مع الأمم المتحدة عندما أدرجت الأخيرة المملكة في قائمة العار السنوية لمنتهكي حقوق الأطفال. لقد استطاعت الرياض اقناع الأمين العام للأمم المتحدة بإزالة السعودية من القائمة عن طريق الحوار والدبلوماسية. ينبغي ان لا تعاد التجربة السعودية الكندية مرة أخرى لأنها تخلق مزيدا من الأعداء الدوليين. في حالة المفوضية الاوربية نلاحظ ان خيارات الرد السعودي صعبة ومعقدة، اذ لا يمكن للرياض ان تدخل في مواجهة مع دول الاتحاد الأوربي لان حسابات الخسارة ستكون أكبر من حسابات الربح، ولذلك ينبغي على الرياض ان تتعامل بمرونة وحكمة مع قرار المفوضية الاوربية. من الأفضل لصانع القرار السياسي في السعودية اعتماد الوسائل الدبلوماسية لمواجهة الضغوط الأممية والضغوطات الغربية. ان لغة المصالح في عالم السياسة هي اللغة الدائمة، التي من خلالها يتم إيجاد الحلفاء والأصدقاء والمتعاونون، وعليه فان السعودية تمتلك ما لا يمتلكه غيرها من وسائل التأثير، والمطلوب فقط هو حسن استخدام المصالح فيما يجلب المنافع او يدرأ المتاعب. اما فيما يخص تعامل الرياض مع اعدائها العقائديين والاقليميين، فانه من الأفضل التعامل معهم بحزم وجدية، لان بقائهم اقوياء قد يؤدي في نهاية المطاف الى تقويض سلطة العائلة الملكية السعودية او على الأقل اضعاف دور الرياض وخفوت مكانتها الدولية.