نخب غارقة في الوهم ولا تبصر غير عماها (*)
قبل 3 شهر, 29 يوم

نخب هذه البلاد (ثقافية وسياسية واجتماعية) متوهمة .. في كل منعطف يقتلها الوهم بدم بارد ولا تتعظ .. ذاكرتها المثقوبة تعيدها، في كل مرة، مثل شياه ضعيفة الى مسلخ  التوهم المقصود.

بعضها توهم ان "الحوثية" ليست اكثر من عبور طارئ  في وقتنا ،ومن السهل التخلص منها واعادتها الى الكهوف، بعد ان يُستوفي  شرط حضورها ،ومن يستخدمها  كأداة  لتصفية خصومه باقل الخسائر . لكننا اكتشفنا و بخمسة اشهر، انها استطاعت الامساك بكل مقاصل السلطة ومقدراتها الاقتصادية والعسكرية والامنية بقبضة حديدية، وان "الشاصات" المأتين التي قدمت من صعدة، لم تكن سوى الواجهة لدولة عميقة ،موجودة في مفاصل الحياة العامة ، لم تستكن منذ خمسة عقود ، تنتظر مثل هذه اللحظة، وتعمل بصمت و"تقية" في اطار النظام الجمهوري، الذي اكتشفنا انه  في الاصل مطب هوائي من الوهم ، استخدم ، بعد افراغه من جوهره "الثوري الانساني"، كلافتة  للقوى الاستبدادية (من عسكر ومشايخ وساسة دينين) للمتاجرة بأحلام الجميع، لا عادة تدوير السلطة ومقدراتها في اطار بنية الحكم التاريخية في الشمال.

وتوهم بعضها الاخر بان "علي عبدالله صالح" وحده القادر على ادارة اللعبة شمالا وجنوبا، وتوجيه الصراع بالطريقة التي تفضي الى تحقيق مصالحه، التي ظل يبني تحالفاته الطويلة لحمايتها ، لكنه لم يصمد ليومين، حين اعلن حربه على اخر حلفائه واقواهم . تبخر حرسه الجمهوري واجهزته الامنية، تبخر موالوه , والسبب اننا صنعنا من الفقاعة بعبعا منفوش الريش ،جُرِّد في عامين من كل ادوات قوته ،وترَك مواليه اسرى لخطاباته العنترية الفارغة .

 لم يصدق ان السلطة تسربت من يديه، لحظة انقسام نظامه ابتداء من العام 2006، وظل يوهم الجميع بانه الرجل الاقوى والاوحد، القادر على ارجاع الحوثيين الى جحورهم ، فادخلوا جثته الى الثلاجة حتى الان ، ليساوموا عائلته على مخبؤاته و الجزء الاهم من ثروته الطائلة، التي راكمها بالحيلة والفساد.

تماما مثلما توهمت، هذه النخب، بان الاصلاح  قوة سياسية وعسكرية  قادرة على مجابهة التمدد الحوثي ، وان الوطني ،بفعل التسويق الاعلامي الطويل ، صار يسبق العقائدي عند اكثر اعضائه، وقادر ،هذا الوطني ،على المساهمة في عملية  التغيير ضمن مشروع استعادة الدولة ، لكنه لم يكشف الا عن فقاعه مملؤة بقيح فاسد ، اثار سلامة اموال قياداته واستثماراته المتنوعة على المواجهة، فيما كنا نظنه عمقه القبلي والعسكري في عمران وحجة وصنعاء ،التي صنع منها في الوعي الشعبي متاريس قوية في وجه الخصوم، لكنه لم يتوان في عسكرة الحلقة القبلية الاضعف تعز لتجريدها من خبراتها المدنية ، ليعبِّر فيها وعنها بفجاجة وانتهازية ، ويعرضها للبيع لمن يدفع من اطراف الصراع. ويتقاضى عن ذلك "أثماناً ليست زهيدة فحسب، إنما مسمومة أيضاً". كما يقال

 ومن هذه النخب من توهم  بان "مشيخ الجمهورية" في حاشد وبكيل ،وباطنان الاسلحة والذخائر التي صرفت لهم على مدى اربعة عقود  وبألاف العسكريين والمرافقين ،الذين تصرف لهم مصلحة شئون القبائل ووزارتي الدفاع والداخلية مليارات الريالات كمرتبات واعانات، يستطيعون اعاقة المشروع الامامي الجديد ،ومنعه من تجاوز مدينة حوث، غير اننا اكتشفنا انهم  تحولوا في اقل من شهر الى "عسكر براني" من جديد ، يعملون مع السيد لإسقاط الجمهورية  ليس من مرموزاتها في الحياة ولكن من الوعي نفسه.

غير ان اكثر هذه النخب  مستغرقة في وهم ان السعودية في اطلاقها لـ "عاصفة الحزم" لدعم الشرعية، وانها الانقلاب ،  بانها تكفِّر عن خطيئتها التاريخية في اليمن والمتمثلة في اعاقة بناء الدولة خلال خمسة عقود ،بدعمها اللامحدود للقوى الدينية والعسكرية والقبلية،  فاكتشفنا اننا نلدغ من ذات الجحر مرارا، وان حربها في اليمن ليس اكثر من غطاء لعملية انتقال السلطة ،الى الحفيد بن سلمان ،واعادة تقديم نفسها كقوة عسكرية وازنة في المنطقة ،ولو من البوابة المنسية (اليمن ) في ظل تجاذبات واستقطابات كبرى في المنطقة المهيأة اكثر من أي وقت مضى للتذرر والتفكك. وهي اقرب الان ـ أي السعودية ـ لعقد صفقة مع الحوثيين  في اطار  تسوية تضمن بها حماية حدودها الجنوبية وعدم استهداف مدنها بالصواريخ ، على ان يكون الحوثيون الطرف الاقوى في شمال اليمن بدعم سعودي ، و بالمقابل حلفائها التاريخيين " اسلاميين وقبليين وعسكر" بحصصهم ، وفق تفاهات مع الامارات "عاقل الحراك ومستخدمه" ،والتي لا يمكن ان تضحي بها كحليف تاريخي، لمجرد رغبات بعض الاطراف في الداخل في تحجيمها.

اما النخب الجنوبية على وجه الخصوص، فقد توهمت بان الامارات دولة عصرية، ومجيئها الى جنوب اليمن كقوى فاعلة في اطار تحالف دعم الشرعية، انما لإعادة الاعتبار للدولة والمواطنة، وان العمل معها واجب  يمليه الوفاء لمن ضحى في سبيل انقاذ  شعب من جبروت الكهنوت والاستبداد والتخلف , فاكتشف الجميع ،باستثناء عنصريي الانتفاع، انها تعيد انتاج قوى ظلامية وعنصرية ،في جغرافية كانت رمزا للتسامح والتعدد، لاستخدامها كأذرع ميليشاوية للحفاظ على مصالحها ، وفي مقدمتها تعطيل عمل الموانئ الاستراتيجية  ،والتحكم بالممر المائي والجزر، و استخدامها ايضا  كأدوات قمع ضد الصوت الرافض لهذه الهيمنة.

.وفي حدود دنيا اشتركت معظم هذه  النخب في وهم  ان "الشرعية" هي الضرورة التاريخية، المتوجب دعمها كونها الحامل الوطني الجمعي لمشروع استعادة الدولة وانهاء الانقلاب، لكننا اكتشفنا انها ليس اكثر من هلام  رجراج، وفي احسن الاحوال آلة عتيقة تتفن في تدوير نفايات النظام الفاسد كشخوص وفلسفة، وان ضعفها وهوانها واستلاب قرارها وفساد قاداتها المتأصل ، لا يمكن ان يصنع منها سوى كابوسا  مضاعفا في حياة اليمنيين.

النخب في اليمن غارقة في وهمها ،ولم تعد ترى سوى عماها اللجوج، في تحيزاتها المناطقية والطائفية والجهوية، وان المحرك الفاعل فيها هو تحقيق مصالحها، والتي تتكثف عند اكثرها في ادامة حرب،  ليس في الافق ما يشير الى قرب انتهائها بالحسم او بالتسوية.

(*) نشرت هذه المادة في 29 مارس 2018 ... ترى ما الذي تغير في الامر؟!