هل تفوقت سيئون على استوكهولم؟
قبل 1 شهر, 9 يوم

بعد سنوات كبيسة مرت على البرلمان اليمني؛ ممثل الشعب، فاجأنا بانعقاده في محفل غير اعتيادي كما هو التوقيت. جلسة البرلمان التي عقدت قبل أيام في مدينة سيئون بمحافظة حضرموت لها أهمية سياسية عظيمة، لأنها المرة الأولى التي يعقد فيها مجلس النواب المنتخب من اليمنيين منذ حصول الانقلاب أواخر عام 2015. والحضور حقق نصاباً قانونياً رغم صعوبة وجود بعض الأعضاء من خارج اليمن، أو من صنعاء التي يحكم فيها الحوثي قبضته على السياسيين وبيوتهم وأسرهم، إضافة إلى عدد من الأعضاء توفاهم الله خلال هذه الأعوام. هذا الحدث الذي دعا إليه الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي وبحضور ممثلي دول التحالف العربي لدعم الشرعية، أضاف إلى قيمته الذاتية قيمة أخرى بإعلان تكتل سياسي تحت مسمى «تحالف القوى السياسية اليمنية» يضم 18حزباً وطيفاً سياسياً، في بادرة أولى لتوحيد المواقف منذ الانقلاب المشؤوم. وأهمية هذا التكتل في تفاصيله، لأنه يجمع الأفرقاء التاريخيين تحت مسمى واحد، منهم المؤتمر الشعبي، والحزب الاشتراكي، وحزب الإصلاح، والتنظيم الناصري والحراك الجنوبي وغيرها.

هذه الخطوة تتجلى أهميتها في عنوان عريض وهو توحيد الرؤى السياسية المختلفة في كل اليمن ضد الانقلاب، والدعم الكامل للشرعية. كل ما عدا ذلك يأتي لاحقاً. اليوم الشرعية اليمنية تقول للمجتمع الدولي إنها تعمل تحت مظلة سياسية تضم كل القوى، ومفتوحة لمن يريد أن يشارك. هذا التكتل السياسي يمثل المستقبل للحكم وإدارة البلاد، ومن خلاله تأكدت المرجعيات الثلاث للاستقرار في اليمن؛ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، قرار مجلس الأمن رقم 2216، والمبادرة الخليجية بآليتها التنفيذية. الخطوة ممتازة ومثيرة للتفاؤل، وتحيّد الانقلابيين كطيف وحيد يعمل بمعزل عن الجميع وبرفض الجميع. هذا الإطار الذي يضم كل القوى السياسية لم يتشكل فجأة، بل مر بمحطات ونقاشات طويلة وصلت باليمنيين إلى قناعة خالصة أن الأمر الجامع واللازم في هذه الفترة الحساسة هو التخندق خلف الشرعية، وفيه صمام الأمان لمستقبل اليمن واليمنيين وكل القوى السياسية.

هل يراد لهذا التكتل الاستدامة أم أنه إجراء طارئ لمعالجة مرحلة؟ الواقع أن الاختلافات حاضرة، ليس فقط بين هذه القوى وبعضها بل حتى داخل الحزب الواحد.. انشقاقات وانقسامات داخل معظم الأحزاب السياسية، وتباين في وجهات النظر خاصة المتعلقة بتوازن القوى بين هذه الأحزاب. قد يشكل ذلك نقطة سلبية في التحالف، لكنه في الوقت نفسه هو ما يمنحه قيمة استثنائية، كون أعضاء كل القوى الحزبية تجاوزت مرحلة الخلافات البينية إلى ما هو أهم؛ وهو منح ثقتهم للشرعية من أجل الخلاص من الانقلابيين، لتبدأ بعدها تنفيذ العملية السياسية وتشكيل برلمان جديد منتخب وفق الأطر النظامية والدستورية.

انعقاد مجلس النواب الذي يمثل الشعب اليمني، وتأسيس تحالف القوى السياسية اليمنية يمثلان أهم خطوة سياسية تم إنجازها منذ الانقلاب قبل خمسة أعوام. بل حتى أهم من لقاءات جنيف واتفاقية استوكهولم. اللقاءات التي جمعت ما بين الشرعية والانقلابيين كان الهدف منها فرض الحل السياسي على القوى المتنازعة عسكرياً، ولكن للأسف، حتى اتفاقية استوكهولم التي جاءت برعاية أممية استطاع الحوثي تمييعها والتقليل من أهميتها بمرور الوقت، رغم قدرة قوات تحالف الشرعية على حسم النزاع العسكري خاصة في الحديدة. لكن ظل الموقف الأممي إن لم يكن حجر عثرة فهو على الأقل سلبي تجاه ممارسات الحوثيين من تعطيل لوصول المعونات وتوزيعها، إلى استهداف المدنيين، وسجن السياسيين المناهضين ونهب بيوتهم. بل وتجرأوا على قصف موقع اجتماعات لجنة إعادة تنسيق الانتشار في الحديدة.

المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث يتعامل مع الانقلابيين على اعتبار أنهم قوى معارضة، وهذا غير صحيح، المعارضة كلها كانت تجتمع في سيئون تحل لواء الشرعية وكانت تحت حماية أمنية من قوات التحالف التي أفشلت الهجوم على المؤتمرين من خلال 11 طائرة مسيرة حوثية. الحوثي متحدث باسم نظام الملالي الحاكم في إيران، وكل عملياته وتحركاته تأتي مباشرة بأوامر من طهران. الحوثي ليس معارضاً بل محتل. لذلك من العبث تمني الوصول معه إلى حل سلمي بعد 4 أشهر من توقيع اتفاقية استوكهولم، ورحلات مكوكية للمبعوث الأممي في رجاء قبول الحوثي بتنفيذ أي وعود قدموها. لكنه بالنهاية بعث برسالة إلى الرئيس اليمني يقر في مضمونها بتأخر تنفيذ اتفاقية استوكهولم التي تنص على وقف إطلاق النار في اليمن وإعادة الانتشار في الحديدة ويؤكد على أهمية عقد البرلمان في دفع العملية السياسية التي تهدف إليها اتفاقية السويد. الحقيقة أن سيئون تفوقت على استوكهولم وتقدمت عليها خطوات إلى الأمام في سبيل تأطير العملية السياسية وتوحيد الموقف اليمني بكل أطيافه. الفرق بين سيئون واستوكهولم هو أن الأولى تعاملت بواقعية مع مستقبل اليمن، والثانية لا تزال تحلم.

[email protected]

الشرق الاوسط