مصير التغيير في الجمهوريات العربية.
قبل 3 شهر, 11 ساعة

في الدول التي يتم تداول السلطة فيها بطرق ديمقراطية حقيقية، وتناوب دوري على إدارتها، كما في الدول ذات الأنظمة الملكية، نجد أن البلاد تعيش في نمو وتطور واستقرار، لأن هناك وسيلة مضمونة وآمنة أمام الناس لتبديل القيادات (الناجحة منها والفاشلة) بصورة دورية، وبالتالي لا حاجة للناس وللأحزاب للبحث عن بدائل غير آمنة وغير مضمونة النتائج لعزل الحاكم، كالمضي في التآمر مع قوى خارجية ضد بلدهم، أو العمل على تهييج الشارع، والدفع بالبلد إلى فوضى شاملة، لإحداث تغيير في وجوه السلطة.

ففي الدول ذات النظام الجمهوري والتي ظل حكامها لعقود عديدة ولفترات طويلة، وبرفقة حميمية وصادقة ووفية مع الفقر والبطالة، وفي لحظة يأس من حدوث تغيير، تخرج الناس في النهاية إلى الشوارع للمطالبة برحيلهم، لتعذر وجود صناديق اقتراع تقوم بمهمة إزاحتهم.

في النهاية وبتكلفة كبيرة يرحل الحاكم، ليذهب صاحب القرار الأوحد وتخلفه جماعات وأحزاب وكتل وتجمعات وناشطون وناشطات وأحزاب ومذاهب وطوائف وقبائل، لا جامع بينها إلا الرغبة في تغيير الحاكم وإحلال أنفسهم بدلاً عنه. أغلب القوى الصاعدة الجديدة تأتي إلى السلطة بمخزون من الحقد والكراهية للنظام الراحل ورموزه، وبرغبة جامحة في الحكم، وبشعارات مثالية تملأ الأرض والسماء. فتبدأ ملاحقة واستهداف ما يسمى بالدولة العميقة للحاكم الراحل، فيتم تفكيك مكتسبات البلد وتدميرها، كمؤسسات الجيش والأمن، ويعتقد الناس أنهم نالوا ما يريدون وتخلصوا من قوة ومراكز الحاكم الراحل.

تغفل القوى السياسية الصاعدة أنه لا رباط يربط بينها ولا أرضية مشتركة تحملها، ولا مظلة تظللها سوى الرغبة في إزاحة الحاكم السابق. وبمجرد نجاحها في ترحيل ذلك الحاكم، تتحول إلى قوى متصارعة تتسابق على مباهج الحكم، وتنخرط في صراع محموم على مغانم السلطة، متجنبة مغارمها (الخدمات التي تمس المواطن). تلك القوى الجديدة تكون في الغالب غير مدركة لصعوبات الحكم وتعقيداته، ولذا نجدها تنجح في القفز إلى كراسي السلطة، إلا أنها تفشل في طرح مشاريع إنقاذية، أو تقديم برامج جاهزة بديلة، بمعالم وطنية جامعة، وذلك للنهوض بالبلاد.

وبعد انقشاع غبار المعارك السياسية وسكون الشعارات الثورية وأفول الوعود المعسولة، يجد المواطن نفسه في رحلة بحث دامية عن الخدمات الأساسية التي كانت في الأصل موجودة ولو بمعايير متواضعة، ويصارع الحياة بعملة محلية منهكة القوى؛ ويقف أمام جيش متشرذم ومؤسسات أمنية ضعيفة؛ وسلطة قد ذهبت لتستقر في منازل القوى السياسية الجديدة، وبتقاسم للنفوذ والمال بمعايير أُسرية، مناطقية، حزبية، مصلحية.

في ظل هذا الوضع الشاذ والشتات والتيه والضياع واليأس، والفقر، وحاضر تعيس ومستقبل مظلم، تظهر النتوءات المناطقية والطائفية والمذهبية، وتتكاثر الميليشيات المسلحة وتزدهر تجارة البيع والشراء لحال ومال وحاضر ومستقبل البلد، وتسود المشاريع غير الوطنية. فتضطرب الأوضاع، وتتصادم المصالح الشخصية والحزبية والمناطقية، لتندلع المواجهات المسلحة والحروب البينية، فيجد المتظاهرون أن خيامهم قد نزحت من شوارع الاعتصام إلى حدود بلدهم وإلى خارجه. فيفر إلى خارج البلد رجالات الدولة السابقون والميسورون ليحل بدلاً عنهم موظفو الأمم المتحدة، وترحل رؤوس المال ورجال الأعمال فتحل بدلاً عنهم منظمات إغاثية وإنسانية.

بلا شك أن هناك دولاً تحتاج لتغيير حكامها الذين حكموا لعقود طويلة، وقبلهم تغيير الأنظمة والقوانين المنظمة لإدارة الحكم، ولكيفية الوصول والبقاء والمغادرة، إلا أن التغيير يكون عبر اتباع سياسات سلسة لا منفعلة، ومتدرجة لا متسرعة، ومتعقلة لا متهورة، وعن طريق ساسة يحملون هماً وطنياً لا مناطقياً، وببرامج وطنية لا حزبية، وبمشارط طبية لا بمعاول هدم وجرف، وحاملين مشاريع إنقاذية بديلة لا تفكيكية انتقامية.

تمر المنطقة العربية بوضع بائس، وحاضر كئيب ومستقبل مظلم؛ ولذا على العقلاء تدارك ما يمكن تداركه، لتجنب كارثة تحل على الجميع، وتدفع بكل دولها إلى بركة من دماء.

لندن

19 أبريل 2019

سفير يمني سابق.

نقلا عن الشرق الاوسط