الوحدة اليمنية؛ إلى أين؟
قبل 1 شهر, 1 يوم

لم يكن أحد يتخيل أن الوحدة اليمنية التي تحققت يوم ال 22  من مايو عام 1990م، ستتحول إلى ثقب أسود لمقدرات ومنجزات اليمن، وجرح نازف لحاضر ومستقبل وآمال وتطلعات وأحلام الشعب اليمني، وستصبح مشكلة تعصف باِستقرار ذلك البلد العزيز. تلك الوحدة التي جمعت نظامي جنوب وشمال اليمن ( جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية ذات النظام الإشتراكي بجنوب اليمن، والجمهورية العربية اليمنية ذات النظام الرأسمالي بشمال اليمن) في نظام واحد سُمي الجمهورية اليمنية.

فبعد أن شكلت الوحدة فرصة عظيمة ومدخلاً مضموناً لإنطلاق اليمن بشطريه (الجنوبي والشمالي) إلى عالم الاِستقرار والتطور والإزدهار، تحول الأمر إلى متاهة، ومصدر ألم للشعبين.

 فشلت التجربة لأسباب كثيرة، أهمها عدم الإعتماد على مواثيق وإتفاقيات ومعاهدات ودراسات وأبحاث وقوانين ووثائق تنظم عملية إندماج النظامين، ومن ثم إدارة النظام الجديد، وكذلك عدم وجود أرضية قانونية صلبة تُنظم وتُدير الخلافات والاِختلافات بين النظامين إن وجِدت.

كانت العاطفة حاضرة وبقوة أثناء إتخاذ القرار النهائي لإندماج النظامين، كما أن التغيرات الدولية آنذاك كإنهيار الاتحاد السوفيتي أسهمت في تسريع عملية إعلان الوحدة. تحولت الشهور الأولى للوحدة من فترة بناء مؤسسات الدولة الوليدة إلى فترة تصارع وتصادم بين شريكي إدارة الدولة الواحدة. فوصلت الأمور إلى نقطة الإنفجار في 4 مايو عام 1994م، لتنتهي بإنتصار فريق "الشرعية" والتي مثلها الرئيس الراحل علي عبدالله صالح رحمه الله.

بعد هزيمة الشريك الجنوبي، تحول أسلوب إدارة دولة الوحدة ليصبح أسلوب وصبغة شمالية؛ فحُكم الجنوب بأسلوب وطريقة الشمال قبل الوحدة، فظُلم الشمال تنموياً لصالح الجنوب، وهُمش الجنوب سياسياً لصالح الشمال.

تركت حرب صيف 1994م جرحاً غائراً في الجسد الجنوبي؛ وللأسف تهاونت إدارة مابعد يوليو 1994م عن الإهتمام بتجبير الخواطر وتطبيب الجراح بعد إنتهاء الحرب؛ وبالرغم من تعمّد الرئيس صالح توجيه جُل إمكانيات البلد لتعمير الجنوب إلا  أنه غفل عن إحتواء الجهاز الإداري للجنوب، بشقيه المدني والعسكري، ودمجه في مؤسسات الدولة بشكل ندي وصحيح، وهذا كان سبباً في تهييج الشارع الجنوبي ضد نظام الرئيس صالح آنذاك.

ساهمت الأوضاع الإقتصادية المتردية للبلد، والتي إزداد تفاقمها نتيجة آثار إحتلال العراق للكويت، وماترتب عليه من خروج أكثر من مليون يمني من دول الخليج، وعودتهم إلى اليمن، ليصبحوا عبئاً إضافياً على خزينة البلد ذات الإمكانيات والقدرات الهشة.

في عام 2007م إندلعت إحتجاجات في مدن الجنوب، مطالبة بتحسين ظروف المتقاعدين والمسرحين العسكريين، وسرعان ما تحولت تلك المطالب إلى أصوات مرتفعة كثيرة، تُطالب باِستعادة دولة الجنوب، ورفض كامل للوحدة.

بعد إندلاع المظاهرات في صنعاء وكثير من مدن اليمن  تحت يافطة ماسُمي بالربيع العربي في2011، كان المزاج الجنوبي في تصاعد ضد الوحدة اليمنية؛ وحُملت وزر كل مشاكل البلد.

 

منذ عام 2012م وحتى الآن، وبالرغم من شغَلَ قيادات جنوبية لمعظم مواقع دولة الوحدة، إلا أن هذا لم يؤدي إلى خلق حالة إيجابية لصالح الوحدة لدى الشارع الجنوبي. وظلت المناصب، ومزايا دولة الوحدة هي المعيار الأوحد لدى الكثيرون من قيادات الدولة، في قربهم أو بعدهم عن تأييد الوحدة.

بالرغم أن حروب مليشيا الحوثي طالت كل يمني بالشمال والجنوب، إلا أن ماحدث في مدن الجنوب من دمار بأيدي تلك العصابات الإرهابية قد قطعت الأمل لدى كثير من أهلنا في الجنوب في الاِستمرار في وحدة مع الشمال؛ وللأسف حُمل الشمال وزر ما أحدثه الحوثي هناك، وتضاعفت مشاعر الإحباط والكراهية لدى المواطن الجنوبي على كل ماهو شمالي.

اليوم أصبح الجنوب متحرراً من قبضة ميليشيا الحوثي، ويُدار بقيادات جنوبية، ولا وجود لشمالي هناك، بل وتطور الأمر إلى مضايقة المواطنين من أبناء الشمال في الجنوب، ورفض قاطع لبقاؤهم هناك.

في إعتقادي أن الأمر أصبح في وضع لا يجوز السكوت عنه؛ ولذا فالواجب على قيادات الشرعية بقيادة الرئيس هادي، وعقلاء الشمال والجنوب الإتجاه إلى إستكمال اِستعادة الدولة المُختطفة، من قِبل ميليشيا الحوثي (المدعومة ايرانياً) أولاً، ومن ثم البحث عن حلول جذرية تضمن للمواطن الجنوبي الرِضا والقبول، سواءً كانت الحلول بتحول اليمن إلى نظام إتحادي طبقاً لمخرجات الحوار الوطني - وهو مشروع الرئيس عبدربه منصور هادي - أو فيدرالي أو حتى كونفدرالي، أو حتى العودة في أسوأ الأحوال إلى وضع ماقبل مايو عام 1990م؛ ولن يتم هذا إلا بإستفتاء الشعب الجنوبي حول الأمر، فهو مالك السلطة وصاحب الحق الأول والأخير في تقرير مصير بقاء الجنوب في وحدة مع الشمال من عدمه.

التساهل في حل القضية الجنوبية أسهم في الماضي - الى حد كبير - في إسقاط صنعاء بأيدي ميليشيا الحوثي، والاِستمرار في تجاهلها اليوم سيدفع باليمن إلى مزيداً من التفكك والتشظي والضعف والضياع؛ وهذا لن يخدم إلا الجماعات المسلحة، بشقيها الطائفي والمناطقي.

 

لندن.

24 أبريل 2019م.

* سفير يمني سابق