سلطة التالف
قبل 2 شهر, 24 يوم

سلطة الحرب بانقسامها شمالاً وجنوبا، ليست سوى سلطة لتدوير التالف بتحققاته المادية وتمثيلاته الرمزية.  فسلطة صنعاء لم تكتف بإعادة انتاج سياق سياسي احتكاري  ووعي وديني احادي متخلف، يدعي امتلاك الحق لتبرير استبدادها ، وارجاعه الى مشيئة الهية تتنزل على اصفيائها  الذين خلقوا لسوس الناس وحكمهم، بل عملت ـ ماديا ـ على افراغ خزائن البنك المركزي من العملات الصالحة للتداول واستبدالها بعملات تالفة كانت معدة  للإحراق، ومنعت تداول العملة الجديدة،  فتسببت هذه العملية في خلق حالة شح في السيولة داخل الجهاز المصرفي الرسمي وانقطاع المرتبات، في الوقت الذي عملت  فيه على ضخ الاموال المنهوبة في جهاز مصرفي مواز ،" شركات الصرافة التي يمتلكها قادتها " ، نشأ خصيصا لإدارة اقتصاد الحرب ، الذي تقوى بفعل عمليات  تجارة المشتقات والطاقة والمضاربة بالعملة وغسل الاموال والاتاوات وتملك العقارات ، والذي يدار من رموزها، ومواليها من اساطين نظام صالح  .

 عمدت هذه السلطة  ايضا الى احتكار وتوزيع مادة الغاز المنزلي عن طريق عقال الحارات ، الذين اُسندت اليهم وظائف امنية وتعبوية جديدة الى جانب وظائفهم التافهة والحقيرة في استغلال الناس، فعمل هؤلاء، مع  مشرفي المربعات ووكلاء شركة الغاز ومسؤوليها على استبدال اسطوانات المواطنين الجديدة باسطوانات تالفة وغير صالحة،  تسببت بكثير من الحوادث في المنازل وسقوط ضحايا من جرائها ، اما الاسطوانات الجديدة وذات القيمة التي تؤخذ من المواطنين  فيعاد  بيعها في السوق السوداء بمبالغ باهظة لمن من هو بحاجة اليها ، في عملية نهب وسطو واضحة على ممتلكات المواطنين، ويحدث ذلك في كل عملية استبدال . والمتمعن في عملية عارضة مثل هذه سيكتشف المبالغ المهولة التي تُجنى من هذه اللعبة اذا ما بيعت الاسطوانة الواحدة  في السوق السوداء بثلاثين الف ريال، لم يدفع فيها العاقل او الوكيل او مسئول الشركة ريالاً واحدا.

وبمقابل سلطة صنعاء تعمل سلطة" الشتات الشرعجي" على اعادة تدوير النظام السابق بتحالفه  الدينية والقبلية والعسكرية من خلال رموزه التألفة والفاسدة، والتي كانت السبب المباشر في تراكم الازمات على مدى عقود طويلة ،وافضت في نهاية المطاف الى انفجار هذه الحرب الملعونة ، التي تعمل كل يوم على تأبيد وجود هذه الرموز، التي تتفنن في الاستثمار  في بُناها ومفاعيلها وادواتها ، والتي لم تقف عند انتاج القوائم الوهمية لعناصر الجيش الوطني وبيع الاسلحة والوقود والإعاشات ، بل تعداها الى ابرام صفقات مشبوهة مع الانقلابيين انفسهم للحفاظ على مكتسباتهما معاً .

باختصار سلطتا التالف هنا وهناك  تجذِّران الحرب وتستديمانها ، لأنها صارت تمثل الغطاء الواقي ، الذي يشرعن وجودهما في حياة الناس المنهكين، الذين باتوا  يرون في فعل السلام استحقاقا اخلاقيا ، ومن الاستحالة ان تقبل به سلطة  تالفة مثل هذه، لأنه يدمر حواملها اللاأخلاقية والمتخلفة.