ايكن انا؟
قبل 3 شهر, 17 يوم

كنت اشعر بالكآبة لها وزن البدين البارك فوق صدري بشحمه و لحمه.لم أستطع التنفس! فتحت نافذة غرفتي ووقفت ُمجهدة من طيلة ما حاولت ان اتنفس نسيم صنعاء العليل،فلم افلح.  الهواء نفسه تآمر علي مع صنعاء لكي يقتلانني اختناقا، حتى روحي مخادعة وهواء صنعاء هو الأخر، عميل. لكنني عنيدة! لا استسلم ولا أُهَزم ولم اتخذ يوما وضع هزيل . ارتديت البالطو وحجابي على شعري. خرجت قاصدة الكوفي شوب القريب من منزلي. مكانا راقوجميل. كثيرا ما اتردد عليه لأسباب متعددة. أتي اليه لأشرب فنجان كابتشينو و أكل حلوى الهافانا اللذيذة.كثيرا ما أتي لأكتب. أحيانا يستعمرني الضجر فأجيء فقط لأتفرج على الداخلين والخارجين ،ماذا يرتدون ، ماذا يشربون ويأكلون. كنت عاطلة ليس فقط عن العمل ولكن منذ الحرب ونحن ُنفرغ حتى من اخلاقنا ، مبادئنا و كل القيم! تخيل موظف مشغول ، مثالي ، منظم و فجأة لمدة أربعة سنوات يحترف عمل " اللاشيء"! لا يعمل شيئا البتة. شعور مقبض حزين.سأترك حياتنا الدنيا دون ان اترك حتى " بصمة" أسف على دراستي ، طموحي و مذاكرة الليل الطويل. تركت وظيفتي السابقة برغم عدد سنواتي فيها الا انني استقلت بسبب عدم استلامي حقوقي لمدة زمنية طويلة وكذلك بسبب تولي إدارة المكان من قبل أناس هم في حقيقة الأمر لصوص واعداء! كل يوم يمر يزداد الظلم اكثر فاكثر والحرب تعلم الناس ان يتجاوزوا عن مطالبهم اكثر فأكثر.اذا انا انسانة بلا وظيفة تشغلني في وقت فراغي وكذلك انا انسانة بلا صديقات لأن الحرب جعلت اقرب صديقاتي الى قلبي ينتقلن للإقامة خارج اليمن. لا انتقدهن و لا الومهن ، فلا يقيم على أرض محروقة الا من لا يملك القدرة المادية للرحيل.صداقاتي كلها امست ذكرى ، يحييها تطبيق ايموالشهير.لا تقل لي حب الوطن ، فمن رحلوا عن اليمن يحبونها حبا جما و ما تركوها الا ُمجبرين. اليمن قصاصة وطن، محروقة تحترق. لم يبق فيها الا اللصوصاو المساكين جهلا او فقرا و هم كثيرين . لهذا كله انا حزينة ،محبطة، متشائمة وغاضبة. اؤمن ان المرء يبق في خير طالما هو قادرا على الغضب. فإذا ما عاد شيئا يغضبه ثق بانه في خطر او مريض.

وصلت حلوى الهافاناو الكابتشينو. بدأت أكل و اشرب متأملة فوق الأرجوحة كم يمرح، ضاحكا  طفلا صغير.فجأة رأيت شابة تدخل من بوابة الكوفي شوب. ترتدي فستانا مقلما باللونين الأصفر والكحلي ،كان معي مثله وانا شابة. مشت الشابة الجميلة باتجاهي وهي تفتح ذراعيها بترحاب ، وقفت فأخذتني بالأحضان.شعرت براحة وانافي حضنها، له دفء حضني. كأنني اعرفها. سلمت عليها في استحياء لكونني لا اذكر اسمها.ربما هي سلمى ، ربما سلوى او نجوى. لا اذكر. عشرون عاما مرت منذ التقيت بها اخر مرة.دعوتها للجلوس قائلة لها انني افتقد عهد صداقتنا جدا. لأنني كنت ايامها قوية و حرة. جلست هي وبادرتني بالتأنيب والتحقيق:- " أي حياة كئيبة ،تتجرعينها ؟ الحرب تطحن الكبير والصغير انا معكلكن الشاطر هو من يظل صلبا." ضايقني كلامها.تتفلسف علي؟ تحاضر في محاضرة عن كيف يجب ان نكون في حالة حرب و هي أساسا لم تجرب "ساعة" في حرب.اردت ان ادافع عن نفسي لكن توهج نظراتها اسكتني. فيما يبدو انني كنت امامها عبارة عن كومة اطلال. التزمت صمت طفل يتلقى عقوبة عن خطيئة جسيمة ارتكبها . خطيئة رفع راية بيضاء. صح! انا لم اقاوم حزن الحرب كما يجب! استرقت النظر الى صديقتي. شعرها طويل غزير. عيناها عسليتان ، قامتها قصيرة مثلي. يدها جميلة ،ظاهرة النعمة. التفت ليدي فأصبت بالهلع.صديقتي إما لديها "شغالة" او هي لم تعجن يوم ولا طبخت. يد صديقتي لم تكنس ،لم تغسل ثياب و لم تمسح. يد صديقتي لم تدعك بالسلك اواني طبخ . يدها يد بنت أمير يحق لها ان تناظر،تعاير وتتحذلق.شربت رشفة من الكابتشينو بملل. تثاءبت. وشوشتني صديقتي:- " ما رأيك لو رحنا ملاهي فن ستي؟ اشتهي ان اطير ، ادور و اصرخ.نلعب قليلا ونضحك من ثم نتناول عشاءنا سوية و نفترق. ما رأيك؟"  حدقت في وجهها متمتمة :-" أتقصدين ان " العب"؟" هزت رأسها فتحركت النبعة التي تغطي حاجبها الأيمن. العب في هذا السن؟ العب في بلد يغتال ثم يقطع فيه الطبيب طفل ثم يتجر بأعضائه و لا يحرك احد ساكنا؟ العب في بلد ٌيقصف و لا يموت الساسة و لكن يموت الأبرياء النيام العزل؟ العب في بلد أكل اللصوص راتب المواطن ثم بكل قحة طالبوه بزكاة و تبرعات لدولة صديقة لهم ، لا بل طالبوه بضرائب. صحيح اذا لم تستح ، ما شئت َففعل! كيف انا أرى هذا كله التناقض و العب؟ التناقضات كسحتني. وأنتِ يا صديقتي تقترحين علي ملاهي و انا أساسا اسد اذناي عن نعيق مائة غراب لمجرد تخيل ان لي صديقة و ضف الى ذلك فسحتني.  تربطني الوساوس القهرية  فوق كرسي كشف الكذب لتتحري الكذب:- " هل فرحتي؟" " هل ضحكتي؟" " هل استمتعتِ؟" هيا ادفعي ضريبة. تبا للحرب امرضتنا لأننا نرحل وتبق هي خالدة مديدة. وقفت صديقتي قائلة :-"هيا قومي." فاح رائحة عطري الى أنفي أو هو عطرها. قارنت بين شعري وشعرها. شعرها غزيرو فروة رأسي سواقي من شعر مفروق من شدة تساقطه ، لو سال ماء عليه ، لتجمع في غدير. كيف استطاعت صديقتي ان تظل هكذا مقبلة على الحياة ، تواقة للفرح. طموحة ،عنيدة ، حرة ، أبية. فإذا تجهم يوم في وجهها سارعته بلكمة قوية . اما اذا لاعبتها الحياة فهي اكبر لعوب لعبية. ِلم لست انا مثلها؟ حسدتها ،واسيت روحي المرقعة بسبب الحرب بأن لدي على الأقل ذات لون عيونها العسلية. فقط انا خفت العسل في احداقي بسبب نظارة للقريب ونظارة للبعيد ونظارة لمناظر الحروب العصية. جذبتني من يدي في توسل:- " هيا قومي بلا نكد. لم اعهدك هكذا منكسرة. قومي نلعب و نكسر الروتين. قد نصادف وحي لفكرة قصة فنعود من فسحتنا لك قصة تكتبينها وكذلك لي. هيا اسرعي وعدت بابا الا اتأخر." كانت صديقتي هذه تكتب هي الأخرى. هل تراها تصدقني لو شكوت لها ان الحرب جففت منابع الكتابة في كياني و امتصت رحيق الحبر من قلمي. هل تصفني بالمجنونة اذا وصفت لها انني زرعت قلم و اسقيته ماء ومطر لعلني اكتب لعله بالوحي يلتهب. لكن... الحرب تبا لها جردتنا من كل شيء. كلما زارني وحي قصة ، يجدني كسولة ، صافحني وذهب. قد قال لي "بقر" يسكنون من حولي ، توقفي عن الكتابة! لمَ الشغب؟ كتابة لا تستلمين عليها قرشا لهي بلا جدوى. كأنما ما الدنيا الا مال او ذهب. اين زادالعقل ، اين مغذيات الروح؟ ابتسمت لي فقمت متشجعة بجمال ثغرها. غطيت فمي لأنني منذ خمس سنوات لم ابتسم. كذبت عليها انني ابتسمت لكنني اخفيت بسمتي بيدي لأن اسناني قد اصفرت.

فجأة اقتربت منا سيدة في الأربعينات. منعتني من النهوض . هاجمت صديقتي الصبية ، قائلة لها -:" هل جننتِ؟ اتركيها. المرأة كبيرة. لم يعد يليق بها لعب الملاهي وطيش الشباب." نظرتُ الى صديقتي بتأنيب كونها عرضتني لهذا الجرح.لكنني كنت مقتنعة انها على حق. جلست قائلة لصديقتي الصبية:-" عندها حق. كبرت فعلا على لعب الملاهي. اذهبي انتِ و العبي. اما انا فما شاء الله علي العب مع الحرب لعب لا قبله و لا بعده أثارة!" غضبت صديقتي الصبية ، قطبت جبينها قائلة لي :- " لا حق في كلامها هذه المكتئبة الغبية. لا عليك منها. اتركيها تضاجع الاكتئاب حتى تملئ الدنيا مواليد انهزامية. لا تنصتين اليها. ستثقل كاهلك بشوالات طاقة سلبية. ربي خلقنا لنحيا و لو حرب و لونعيا." تفكرت في كلام صديقتي الصبية. صح كلامها انا لست من عداد الموتى بل انا حية. تأملت السيدة الكئيبة التي وصلت للتو. بشرتها فيها كلف. تجاعيد على جبهتها وعلى جانبي عينيها. كانت قصيرة القامة مثلي ،كانت تسعل مثلي. كانت شبهي. تريد ان تغني أغاني فيروز ، لكنها لا ُتحسن. تريد ان تحلق و تطير، لكن كتفها يؤلمها. يا الله كم اشبهها.  اشتبكتا صديقتي بالأيدي. فضضت الاشتباك راجية منهن الا يشوهن سمعتي في المكان الذي ازوره كثيرا. فنجان كابتشينو ،حلوى الهافانا ، قلم و ورق. لا اتحدث مع احد سوى الشاب الذي اطلب منه الكابتشينو. قالت صديقتي الناضجة :- " و انا رأيي من رأيك،  لملمي اغراضك و عودي الى منزلك." علقت صديقتي الصبية :-" اعوذ بالله من هذه النكدية. اتركيها تشم هواء وتستمتع. " ذهبت كل منهن الى طاولة. بدأت انا اكتب. رفعت رأسي بعد دقائق وجدت صديقتي الناضجة مثلي تكتب. التفت لصديقتي الصبية وجدتها هي الأخرى تكتب. هتفت بصوت عالي جعل الجالسين الى الطاولات يلتفتون الي :-" يا بنات؟ ايكن أنا؟"

هي محطات العمر تغيرنا لكن في النهاية  انا هي وتلك... وهي انا ...تلك انا...كلنا هي هي. ليست الحياة كلها كما نشاء لكن علينا ان نبني في كل محطة منها فرح يمسح سواد الحزن ويلون أيامنا ببياض و زرقة السماء.