عن إيران بعد 3 عقود من رحيل الخميني ( قراءة موضوعية)
قبل 2 شهر, 13 يوم

مرت قبل أيام وبالتحديد في 3 يونيو الجاري الذكرى الثلاثين لرحيل قائد الثورة الإيرانية الإمام الخميني وقد أحيت إيران وحلفاءها في المنطقة والعالم هذه الذكرى بالحديث عن الراحل الخميني وجهوده وأفكاره وفي هذا المقال مقاربة للحديث عن قائد الثورة الإيرانية الإمام الخميني وأبرز جهوده ومآلات الثورة الإيرانية التي قادها في 11 فبراير 1979م . 

يعد الإمام الخميني برأي الكثير من الباحثين والمؤرخين من أبرز الشخصيات الإسلامية في القرن العشرين وأبرز شخصية إسلامية شيعية في القرن العشرين إذ أن الخميني فضلا عن قيادته للثورة الإسلامية في إيران وتأسيسه لجمهورية إيران الإسلامية وكونه المرجع الشيعي الأعظم أحدث ثورة أخرى في الفكر الشيعي لا تقل عن الثورة الإيرانية التي أسقطت نظام الشاه محمد رضا بهلوي في 11 فبراير شباط 1979م حيث أسس لنظرية " ولاية الفقية " والتي تعد أساس الحكم في إيران كما تعد بإجماع الكثير من المفكرين والباحثين تطورا كبيرا في الفكر الشيعي وقبل الحديث عن هذه النظرية سنتحدث عن دور الإمام الخميني في قيادة الثورة الإيرانية ومآلاتها وما رافقتها من أحداث وتحولات وانتصارات وانكسارات وواقع إيران الراهن بعد 4 عقود من الثورة .

* دور الخميني في التمهيد للثورة وقيادته لها

كانت الثورة الإيرانية على نظام الشاه محمد رضا بهلوي ضرورة وطنية فرضها الواقع في إيران واملا للشعب الإيراني الذي حلم بحياة أفضل ومستقبل جديد بعد أن اوصل النظام الملكي البلد إلى طريق مسدود وفشل في تحقيق مطالب الشعب الإيراني  وغرق في العمالة لأمريكا وإسرائيل واوغل في القمع والاستبداد والفشل والتخلف في مختلف المجالات وقد اشتركت في تلك الثورة جميع فئات الشعب الإيراني ونخبه واقلياته وشعوبه وتياراته السياسية والعلمية والفكرية وكان للفقهاء بقيادة الإمام الخميني دورا بارزا في قيادتها ونجاحها .

كان الإمام الخميني ومنذ الاربعينات من القرن الماضي من الفقهاء الشيعة الذين ينتقدون مظاهر الفساد والمنكرات ويجاهرون بذلك في خطبهم ومنشوراتهم وبرقياتهم التي يرسلونها للشاه وللحكومة والتي يعترضون فيها على قرارات الشاه التي يرون أنها تخالف الشرع وقد تزايد نشاط الإمام الخميني المعارض لتوجهات الشاه منذ بداية الستينات حيث اتخذ من الحوزة التي كان يدرس فيها بقم منبرا لبث انشطته وخطبه وأفكاره حيث جهر بمعارضة الشاه واتهمه بأنه طاغوت وعميل لإسرائيل وللأمريكان فقام الشاه بتهديده ثم بسجنه وكان يومها في مرتبة " آية الله " فتحرك الفقهاء في حوزات قم واجازوا رسالته العلمية " تحرير الوسيلة " ومنحوه درجة " آية الله العظمى " وحينها وجد نظام الشاه حرجا في سجنه فأطلق سراحه لكنه نفاه إلى تركيا في 23 أكتوبر تشرين 1964م واستطاع الخميني بعد بقاءه في تركيا لفترة وجيزة أن يرحل إلى العراق حيث استقر بالنجف ومن النجف كان يرسل احاديثه وخطبه في أشرطة الكاسيت إلى الفقهاء وطلاب العلم وعموم الشعب الإيراني يحرض فيها على نظام الشاه ويدعو للثورة ضده وبعد أكثر من 14 عاما من البقاء في النجف والتواصل الفاعل مع النخبة والشعب الإيراني غادر الخميني العراق بعد تعرضه لضغوط كبيرة من نظام الشاه في إيران ليتوجه إلى الكويت لكنها لم تقبل به فتوجه إلى فرنسا وبعد 117 يوما من البقاء في ضاحية نوفل لوشاتو قرب باريس عاد إلى إيران بعد فرار الشاه ونضج الثورة واكتمالها بعد تضحيات جسام وانهيار نظام الشاه وبوصول الإمام الخميني وخروج الملايين لاستقباله في مطار طهران انتصرت الثورة الإسلامية في إيران بعد تقديم الشعب الايراني لتضحيات كبرى حيث بلغ عدد القتلى أكثر من 60 ألفا وأكثر من 100 ألف جريح ومعاق ودخلت إيران مرحلة جديدة فيها الانكسارات والانتصارات والنجاح والفشل وفيها الكثير من التحديات والحروب والعقوبات والحصار خصوصا بعد تبني ايران كدولة سياسة مستقلة ومناهضة للسياسة الأمريكية في المنطقة وانتهاجها " تصدير الثورة الإسلامية لدول المنطقة " و تبنيها ما يعرف ب" حلف المقاومة " ومواجهة أمريكا " الشيطان الأكبر واذنابها "  و" الجهاد العالمي " و" الوقوف مع الظلومين "  و" مقارعة المستكبرين " وغيرها من الشعارات التي تمدد تحتها النفوذ والتأثير الإيراني في المنطقة وقد تحققت بعض أهداف الثورة الإيرانية و من أبرزها - كما ذكرت في مقال سابق - استقلال القرار السياسي الإيراني والنهوض والتقدم في المجال العسكري وغيرها من المجالات ولا تزال أبرز مظاهر الفشل تتجلى في الجانب الاقتصادي بفعل عوامل عديدة أبرزها : العقوبات الأمريكية وكذلك سوء الإدارة وتفشي الفساد المالي والمحسوبية وشيوع الفشل الاداري والتنموي والبيروقراطية وغيرها .

* ولاية الفقيه كثورة في الفكر الشيعي

كانت أدبيات الفكر الشيعي تنص على أن يظل الشيعة في زمن غيبة إمام الزمان الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري في حالة انتظار لظهوره حيث سيقود الأمة ويملأ الأرض عدلا ولذا لا دولة ولا سلطة ولا حكم حتى ظهور الإمام لأن الغيبة تعني انقطاع إمكانية تحقق الدولة الشرعية التي يقودها الإمام ولكن مجموعة من الفقهاء الشيعة دعوا إلى جعل الفقيه بمثابة النائب عن الإمام المهدي يتولى الحكم ويبني الدولة ويمهد لظهور المهدي ويعد لجيشه ودولته والحقيقة لم يكن الإمام الخميني أول من دعا لهذه النظرية فقد سبقه فقهاء كثيرون ومفكرون دعوا ل" ولاية الفقيه " وقاموا بالتأصيل لها وترويجها ولكن الإمام الخميني لم يكتف بالدعوة للنظرية بل حولها من مجرد نظرية إلى واقع عملي وأقام على أساسها الجمهورية الإسلامية الإيرانية وعمل على تثبيتها في الدستور الإيراني الذي نص على أن : ( الأمر وإمامة الأمة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية في زمن غيبة الإمام المهدي (الإمام الثاني عشر تكون بيد الفقيه العادل المتقي العالم بأمور زمانه، الشجاع الكفؤ في الإدارة والتدبير الذي يتولّى هذا المنصب وفقًأ للمادة 107 من الدستور كما تنص المادة نفسها على تساوي القائد مع عامة الشعب أمام القانون ) .

وقد تولى الإمام الخميني مهمة المرشد الأعلى في إيران حتى وفاته في 3 يونيو 1989م حيث ظل يتمتع بسلطات مطلقة وكاريزما غير مسبوقة وظلت توجيهاته بمثابة مسلمات نافذة واجبة التطبيق وقد عرف عنه الزهد والتواضع والسكن في منزل بسيط جدا وبعد وفاته تم انتخاب المرشد الحالي علي خامنئي خلفا له وقائدا للثورة الإسلامية في إيران وما يزال خامنئي يقود إيران و يمسك بيده كافة السلطات والصلاحيات رغم تعاقب أكثر من رئيس حيث يمتلك الرئيس سلطات محدودة ومقيدة مقارنة بالمرشد الأعلى صاحب القول الفصل والكلمة العلياء في البلاد في نظام حكم استثنائي بكل المقاييس .

* مآلات الثورة الإسلامية في إيران

ما تزال ايران بعد بعد 3 عقود على رحيل قائد الثورة الإيرانية ومؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية الإمام روح الله الموسوي الخميني وفية لأفكار وتعليمات واجتهادات الخميني وتسير على نهجه حيث بنت مؤسسات الدولة وواصلت الاحتفاظ بخطاب الثورة كما واصلت بناء مشروعها النووي وبرنامجها الصاروخي وتمد نفوذها في محيطها الإقليمي وقد حققت نجاحات كبيرة في هذا المجال رغم العقوبات الأمريكية والحصار الإقتصادي والتصعيد العسكري وكافة التحديات التي تمر بها والتي أبرزها على الإطلاق التحدي الإقتصادي بفعل العقوبات ومنع تصدير النفط واغلب المنتجات الإيرانية من صناعة السجاد إلى تصدير الفستق والزعفران وغيرها حيث يعيش الإقتصاد الإيراني في مرحلة بالغة الحرج والصعوبة وما تزال إيران في أذهان الرأي العام العالمي والعربي دولة تصدر الارهاب والمشاكل للمنطقة والعالم ومتهمة في كافة التقارير الإنسانية بانتهاج سياسة قمع المعارضة وإخماد اي تطلعات للأقليات في الداخل الإيراني ، وعلى صعيد علاقات إيران ومحيطها تتزايد أجواء التوتر وشبح الحرب الأمريكية العربية الإسرائيلية ضد إيران والذي يخيم على المنطقة بعد تحرك عسكري أمريكي في الخليج وتصعيد عربي سعودي إماراتي ضد ايران وردود الافعال الإيرانية تجاه هذا التصعيد وتهدايداتها المتكررة والرسائل التي وجهتها لخصومها عبر حلفائها في المنطقة وبغض النظر عن خيارات إيران الكثيرة والسيناريوهات القادمة وهل ستصل الأوضاع إلى المواجهة العسكرية أم ستجنح إلى الحوار وتتغلب لغة التهدئة والعقل وكذلك توجهات وخيارات خصوم إيران في المنطقة تظل إيران دولة اقليمية فاعلة ومؤثرة في محيطها واقليمها وتعرف ما تريد وتستفيد من غباء خصومها وتخبطهم .

* خاتمة

ما يزال الإمام الخميني بعد ثلاثة عقود من رحيله يثير الجدل ويملأ الدنيا ويشغل الناس وقد كتب عنه الكثير من الدراسات والمؤلفات والتناولات الإعلامية والتي تراوحت بين شيطنة من قبل الخصوم وتقديس من قبل الأنصار وإنصاف من قلة من الباحثين والدارسين وقد روى أنصاره الكثير من القصص والكرامات المنسوبة إليه وكال خصومه له الكثير من الاتهامات ومع هذا فقد كان شخصية مؤثرة وقادة ثورة ناجحة وصنع الأحداث والتحولات وقد أثمرت جهوده حيث احدثت  تغييرا في حياة العشرات من الملايين في إيران وخارجها وحول إيران من دولة ملكية يقودها الشاه إلى جمهورية إسلامية يحكمها الفقهاء وتسعى بكل ما أوتيت من إمكانيات لتصدير نموذجها للمنطقة بكل ما له وعليه كما قاد ثورة اخرى في الفكر الشيعي وحول " ولاية الفقيه " من نظرية فكرية في كتب بعض الفقهاء إلى أساس ومرجعية للحكم في إيران وواقع عملي بكل بما له من تأثير وحراك .

 

* باحث في الشأن الإيراني