النفوذ الطائفي واستراتيجية الاقتصاد الحربي
قبل 3 شهر, 25 يوم

تستغل إيران نفوذها الطائفي والمالي والحضاري لمحاصرة الخليج العربي، وخلخلته من الداخل؛ كما تستثمر أموالها لإضعاف أهل السنة في تركيا والعراق والخليج وأفغانستان وباكستان وأذربيجان وأرمينيا أو تحويلهم إلى أدوات عسكرية لمواجهة الضغوط الأمريكية.

ومما يزيد من ضعف القوى السنية تعدد مذاهبها الاقتصادية والسياسية والحزبية، وانقسامها بين مرجعيات مختلفة ومتعارضة كما هو حال طوائف السنة في إيران وغيرها من مناطق العالم العربي وهو ما دفع بحركتي حماس والجهاد الإسلامي إلى الارتباط بإيران الدولة التي تتوافق مع إسرائيل في العالم العربي، ويتنافسان على السيادة الإقليمية.

وهذه الطموحات الجزئية لمنتسبي السنة وتعدد مذاهبهم وعدم رغبتهم الانتظام تحت ناظم واحد بالإضافة إلى عدم وجود دولة حاضنة أو وجود دولة سنية قادرة على التقاسم في المصالح جعلهم أكثر انسجاما وترابطا بإيران التي تضع لها خطوات استراتيجية بعيدة المدى ضمن مؤسسة أحادية مسيطرة تحت نفوذ ولاية الفقيه وغطاء ديمقراطي تدور فلسفة التغيير والتداول السلمي للسلطة على السلطة التنفيذية.

تكرس إيران اقتصادها لحماية نظامها وتوسيع نفوذها الإقليمي بالتدخل المباشر في المناطق الكامنة إضافة إلى تواجدها في المناطق الملتهبة، ومما ساعد من نفوذ إيران انسجام سياستها مع تركيا وقطر وتبعية الكثير من التنظيمات الإسلامية السياسية بهاتين الدولتين، مع أن هذه الدول الثلاث لهما علاقات مباشرة مع تل أبيب على مستويات مختلفة تأخذ أبعاد سياسية وعسكرية لدى البعض.

وبالوقت ذاته يستخدمون القضية الفلسطينية لإثارة العواطف الدينية ويضعون علاقاتهم مع إسرائيل في إطار ما يسمى المصالح المشتركة أو السياسات البراجماتية، ويستغل جهل المجتمعات وذلك بتعبئتها حول قضايا لا تعتبر من الأصوليات الدينية، ولهذا تبادر إلى الذهنية الاجتماعية أن فلسطين هي المسلمات الدينية، ولهذا تستخدم إسرائيل فقاعة وفزاعة لتوسيع دوائر الصرعات الطائفية والقومية والإثنية.

الطريقة نفسها فقد سبق وأن استخدمت العلمانية السياسية التدين الأوربي واليهودي والبروتستانتي من أجل تحرير “يهوه” الإله اليهودي المسكون في الأرض والمسكون بالجنس اليهودي “شعب الله المختار” وكان هذا كله من أجل تفتيت القوى العربية والإسلامية وتفكيكها عبر القاعدة الأمريكية في إسرائيل ثم توسعت القواعد الأمريكية ليس بسبب وجود دولة إسرائيل وإن تسببت بوجود قوى السلام الأممي بين  أطراف الدول المحاددة لها، بل كانت القواعد الأمريكية وتواجد حلفائها الأوربيين بسبب الحرب على الشيوعية والتي كانت على نطاق ضيق بدأت قواعدها في محافظة قنا جنوب مصر أيام السادات وفي إيران أيام الشاه وفي سلطنة عمان وبقية دول الخليج خلال عمليات النجم الثاقب إضافة إلى قواعدها في إسرائيل. ثم تضخمت القواعد بسبب الصراع بين العراق وإيران في منطقة الخليج والقرن الإفريقي وانتشرت في المياه الإقليمية والبعيدة عنها عبر ما يسمى محطات الانتشار السريع، وخلال الصراع بين العراق ودول الخليج توغلت القواعد الأمريكية في السعودية واستوطنت بقواعدها بمقاسمة كل شركائها في الحرب إيران وإسرائيل في العراق،

خرجت دول الخليج وتركيا بالكثير من الأزمات المحلية منها بروز تيار الصحوة المناهض للوجود الأمريكي وظهور حركة الأكراد وتوسع النفوذ الطائفي وانتشاره داخل المؤسسات الحاكمة، وخروج السعودية وتركيا من أي نفوذ داخل العراق بعد الحرب.

وبعد الحرب في أفغانستان على طالبان استفادت إيران من انحسارها ووسعت نفوذها داخل المنطقة، وفي سوريا نجد إيران قد وضعت يدها فيها بقوة النفوذ الروسي وبالقوة العسكرية المؤيدة للرئيس بشار وخروج السعودية من أي نفوذ محلي داخل سوريا.

وتبقى اليمن في كجزء من تجديد القديم وانتشار الوجود الأمريكي وتوغله داخل اليمن بعد أن كانت تتواجد على المياه الإقليمية للساحل الجنوبي وبعد حادثة المدمرة كول أصبحت اليمن ضمن استراتيجية التخطيط الأمريكي جزء من الإرهاب، وفي الوقت الذي كان التهميش والتفقير والتجهيل لمدينة صعدة ومنطقة عمران التابعة للشيخ الأحمر كان المذهب الثوري يغذي المجتمعات ويمونها بقوة النظام والدعم الإيراني.

بينما كان الإرهاب الذي لم يشكل ولن يشكل خطرا داخل اليمن قطب رحى الدعم السعودي-الأمريكي عسكريا، ومن ثم تحول الجيش برمته بهذا التموين إلى خلية إرهابية، وذلك أيضا بسبب التغذية الطائفية والأيدلوجية داخل الجيش وتحييد النخب المتعلمة بكل الطرق واستقبال الشهادات المزورة لضمان ترقية المواليين التابعيين.

يرى خبراء الاستراتيجية أن انتشار الجهل والترف في المؤسسات العسكرية من أهم أسباب انهيار الدول وأن ممارسة تجهيل وإفقار المجتمعات من أهم قنابل الانفجار الذاتي للمجتمعات، أما التغذية الدينية العاطفية مع ممارسة التجهيل وتربية ثقافة التلقي فمن أهم الاستراتيجيات للحروب المحلية طويلة المدى.

وقد أسهمت ثورات الربيع في تغذية القواعد الأمريكية في المنطقة ليس الن بمساندة قومية وإنما بشرعية جماعية ومن ضمنها شرعية إسلامية فالحروب التي شاركت فيها أمريكا على ليبيا كانت بدايتها حركات إسلامية استبدلت الاستبداد بالاستعمار والفساد بالاستيطان والاغتيالات بالإجرام، أما في تونس فقد تحولت الدولة من فساد السياحة إلى استمرار الفساد مع ارتفاع المجاعة.

وليس الخطأ في الدين وإنما في ممارسة التدين واستحلال التدين السياسي وتدمير بنية التدين الاجتماعي، وتدمير المجتمعات وقيمها بممارسة التدين السياسي الخاطئ تدين الخوارج والمعتزلة في العصر العباسي، وتدين العبيد خلال ملوك السلطنات في حاضرة الدولة العباسية وملوك الطوائف في الاندلس.

أبرزت ثورات الربيع جهل التدين الذي يوازن بالجهل السياسي وهاتين من أهم مصائب الأمة وأن الاستمرار في نفس السياسة يعني تدمير ما تبقى من أشلاء الدول الممزقة وتهديد الدول المجسمة أو الدول الإقليمية القائمة، أما الدول الصغرى فهي في الخارطة الدولية ليست أكثر من خارطة اقتصادية.

لهذا فإن أخطر حروب المنطقة هي حروب الاستنزاف والتفكيك الذاتي؛ الطائفي والإثني والجهوي في السودان والصومال وسوريا وأخيرا التوسع باسم محاربة الإرهاب لربما في كل مدينة فالدول العظمى تقيم اقتصادها على ثقافة الاقتصاد الحربي بما فيها الصين؛ فهناك دول تهدم وتفكك وشركات تأتي لتبني وتنهب أو توسع دائرة النفوذ السياسي عبر الشركات العالمية المساهمة عابرة القارات.

بينما تسعى طهران لتوسيع طموحاتها اللامتناهية في منطقة الشرق الاوسط الذي بدأت إجراءاته التنفيذية بأفغانستان كمحور استراتيجي عبر أدواتها الطائفية، التي تمثل أهم أدواتها السياسية وأذرعها التنظيمية المسلحة في المناطق العربية، كما ساعدها في ذلك التهاب الحدود بين دول منطقة الشرق الأدنى؛ بالعراق وسوريا وفلسطين ومن وراءهما إسرائيل ودول الخليج العربي من جهة أخرى، والتي بدأت ارهاصاتها بمجلس التعاون العربي واحتلال الكويت، وقد تطورت الأزمة لتدخل دول الخليج العربي في صراعات أيدلوجية ضمن محور المعتقدات السنية المتعددة بين الإسلام السياسي ممثلا بحركتي الإخوان وحركة الصحوة السلفية، والإسلام السلفي الأصولي والصوفي من جهة أخرى داخل البنيات المجتمعية مما يعني التكهن بصراعات محتملة، كامنة وأخرى نشطة ترتبط بقوى محلية وإقليمية ودولية، إضافة إلى الصراعات المباشرة في بعض أطرافها بين التسنن السلفي والتشيع العربي.

وتمارس إيران نفوذها الطائفي وعلاقتها مع إسرائيل لإضعاف دول المنطقة العربية ودول الخليج وتفكيكها من خلال تواجدها في أهم المجالات الحيوية لشبه الجزيرة العربية وأحزمتها الأمنية، كما تتسلل إلى العمق والأطراف مشكلة جغرافية التشيع المسلح عبر قوس الأزمات الممتد من أفغانستان وحتى اليمن والقرن الأفريقي، وتهدف إلى استغلال الشيعة الإسماعيلية في مناطق الأحساء وربطها بشيعة البحرين والخليج العربي.

وتحاول فرض سياسة الأمر الواقع كوسيلة من وسائل إرغام السعودية على المفاوضات الدبلوماسية والحلول السياسية والحفاظ على مكاسبها كقاعدة جديدة لمكاسب جديدة، وتدعم إيران شيعة السعودية رغم التباين العقائدي عبر مسيرات البراءة من المشركين كالمسيرات اللعانية التي وظفتها في اليمن لإثارة عواطف الجهل الدينية وكأن الله الذي خلق الموت لم يخلق الحياة، وأن الله الذي جعل الجهاد فريضة كفائية لم يجعل التنمية فريضة عينية، وأن الله الذي جعل القتال كرها، لم يجعل قتل إنسان جريمة فيها قتل الناس جميعا، وكأن الله الذي طلب العبادة لم يطلب منا العمل، وكأن الذي جعلنا لنا الكعبة مقدسة لم يجعل النفس أقدس منها.

 

فالله كتب القتال من أكل كف القتال والوصول إلى الصلح، والله الذي كتب علينا الجهاد من أجل الظلم والفساد، غاية منضبطة الخروج عن ضابطها من الجرائم.

التدين الواعي في كل الأديان لا يبيح دماء المخالف إلا بسبب فيه فساد وفوضى تضر بالإنسان أيا كان دينه وشكله معتقده وما دون ذلك فكل بشري مكرم كما خلقه الله، وكل نفس تستباح محرمة أيا كانت ملتها ونحلتها، وما جعل الله قتال المشركين في مكة حينها إلا لنكثهم وقتالهم وفسادهم وغدرهم “إنهم لا إيمان لهم”وتدين القتل اليوم كأخلاق مشركي الأمس “لا أيمان لهم” فمن كان عدوهم في الأمس أصبح حليف اليوم، ومن كان مستحل دمه وعرضه وماله في الأمس صار بالتدين السياسي أخا صالحا مؤمنا؛ فالسياسة واحدة هي الفقيه الذي يفتي بالحلال والحرام وما الفقيه إلا صوتا إعلاميا للحزبي المنظر وللطائفي المتنور.

هذا التدين الذي يقذف الناس الى تحت شعارات العاطفة القتالية واللعنة والبراءة والانتحار هو نفس التدين اليهودي المغضوب عليه وفلسفتهم القتالية وأن قتل نصف اليهود من أجل نصفهم أو ثلثهم قضية مبدئية وأصولية، وأن قدسية المنطقة المقدسة فوق قدسية الإنسان، وقتل اليهود من أجلها فريضة يهودية.

على نفس الطريقة دفعت إيران بالحوثيين إلى استغلال مجتمعات الريف اليمني واندفع المنظرون الحزبيون ومنظري السلطة؛ نحو خلق ثقافة الشهيد ” شهيد يقتل شهيد” شهد جور على جور وظلم على ظلم بهكذا استغلت طاقت المجتمعات العاطفية بتنظيمات عسكرية عشوائية جعلهم القادة دروعا تحت لقب الشهادة بينما زهدت بنفسها وأهلها بالجنة واكتفت عن قناعة بالتنافس على المكاسب السياسية وتقاسم الوظيفة العامة، والكل يسعى بدماء الناس لاحتكار مفهوم الله للاتحاد به أو الحلول فيه، في منطقة مقدسة تسمى الوطن، الوطن الصنم المعبود الذي يهلك عبيده سلما بالجوع وحربا بالقتل.

خلال فترات الثورة دعمت إيران الحوثيين بالسلاح عبر إريتريا إلى الخوخة والحديدة وجعلت من صعدة المنطقة المهمشة ثالث مراكزها في المنطقة بينما اتجهت الأحزاب السياسية نحو تقاسم السلطة والسيطرة على الخيام في ساحات الثورة والصراع على منصب قائد ثورة، وخطيب الثورة، وفقيه الثورة، وحمير الثورة.

ومنطقة قطبية لشيعة الخليج العربي والقرن الأفريقي، وبذلك تسيطر على البوابة الجنوبية لمنطقة البحر الأحمر، حيث تعتبر اليمن من أهم مراكز الجيبوليتك إن لم تكن أهمها على الإطلاق بحكم موقعها الجيوعسكري والجيو اقتصادي وبذلك تكون قد طوقت منطقة الخليج عير سيطرتها على مضيق هرمز ومن خلال السيطرة على مضيق باب المندب إضافة إلى تشكيلها نواة أخرى في مناطق الأفريقي ليكون عنصرا جيواستراتيجيا مكملا لنفوذها في المنطقة.

بينما كانت الأحزاب الوطنية التي ما تزال تعطل القيادة الشرعية تتقاسم النفوذ والثروة كانت إيران تمارس التخطيط الجيبوليتيك واستراتيجية السيطرة على خطوط الملاحة البحرية والمواصلات البرية وتستغل طموح صالح للتقارب معه والاستفادة من امكانياته قبل النهاية.

كما تسعى من خلال صراع البيت الخليجي لاختراق العمق واستغلال شيعتها في منطقة الخليج العربي لا سيما وأن الإحصائيات تؤكد على أن عدد الايرانيين في دبي يفوق عدد السكان الأصليين بأربعة أضعاف وأن نسبة الشيعة أكثر من السنة في منطقة الجزيرة العربية والشرق الأدنى إذا قلنا بعضوية إيران في منطقة الخليج العربي.

وفي الوقت الذي يدعوا “ماك” دول الخليج إلى تبني استراتيجية الاعتماد المتبادل والمصالح المتبادلة مع دول الإنتاج ومواجهة إيران التي تسعى لفرض امتيازاتها على دول المجلس بحركة عكسية مضادة وذلك دعم إقليم بلوتشستان ومواجهة خطر تهديد الوحدة اليمنية الذي سيؤدي إلى إغلاق باب المندب وتهديد الملاحة في البحر الأحمر من خلال تكريس استراتيجية الحوار بين دول المجلس من جهة وأمريكا وحلفائها الأوربيين من جهة أخرى وتطوير القوات العسكرية المشتركة بين الجانبين لحفظ الامن ورفع مستوى الجاهزية للمواجهة التحديات الأمنية والاستفادة من تجربة الغزو العراقي، نجد دول المنطقة تتصارع على ديمقراطية الوهم والشرطة وصراع الإسلاميين والعسكر، وفي الوقت ذاته فإن إيران التي تفرض عليها أيدولوجيتها التوسع فإنها أيضا تقدم نفسها للتفكيك من الداخل أيضا، فانتصارها عسكريا سيعلن وفاتها اقتصادية واستمرارها في التصعيد  سيضعف الأطراف جميعها بما فيها تركيا.

لكن الوثوق بأمريكا لم يعد ممكنا بالنسبة للسعودية التي استفادت من تجاربها التاريخية واستطاعت أن تضع خططا استراتيجية بعيدة المدى لحفظ القومية العربية من مركزها وإن تساقطت مبادئ القومية عند جميع دولها القطرية، وهي قادرة على تشكيل النموذج خلال المراحل القادمة بما لديهما من إمكانيات وخطوات استراتيجية تسعى من خلالها لتشكيل قوة برية وبحرية وجوية قادرة على نقل المعارك خارج حدودها، إنما يحتاج منها إلى قوة تخطيط وإدراك، تحتاج إلى ذهنية معاوية، وليس الى رهق سيف الله ابن الوليد؛ تحتاج إلى استراتيجية عقلية وليس إلى سياسة التوليف والمؤلفة قلوبهم إن وضعت الخطط المهمة على الغاية الاستراتيجية.

وفي المقابل وبينما تسعى أمريكا لمواجهة إيران لإضعافها في الوقت التي تسعى من خلاله لدعم اقتصادها الحربي ببيع المزيد من الأسلحة على دول الخليج وتوسيع قواعدها في سوريا بمشاركة روسيا في قاعدة طرسوس على غرار مشاركتها فرنسا في جيبوتي أو احتواء روسيا في المنطقة بالإضافة إلى إنشاء قاعدة عسكرية أخرى في سيناء لموجهة الإرهاب ودعم أهم حلفائها ومصالحها في المنطقة، ولن تضرب إيران إلا في حالة هيئت المنطقة للانفجار وضمان سلامة مناطق النفط بالصراع بين الأطراف، ومن ثم وبعد سياسة التدمير في المنطقة سيكون سياسة الاعمار على غرار استراتيجيتها في الحرب العالمية الثانية ونقل مركز الاقتصاد الغربي إلى نيويورك.

وما تزال أمريكا كدولة استخباراتية عالمية تصطنع قوى إقليمية لتنفيذ استراتيجياتها بما في ذلك استغلالها الصراع العربي-العربي ؛ كما أن إطالة حرب اليمن وتحويلها إلى خندق أفغاني وشراك لدول الخليج ، فإنها تعمل على التصريح بقرارات سياسية ينبري المحللون لتفسيرها وليس هي في الحقيقة إلا وسيلة من وسائل التضليل السياسي وتخدير القوى أو تحفيزها، كما أن الديمقراطية الأمريكية استراتيجية رباعية أو ثمانية تؤدي كل فترة رئاسية دورا متقدما في استراتيجية الدولة العامة.

ومن ثم فإن انتقال الأسلحة إلى الحوثيين يمر عبر الأحمر من القرن الأفريقي بما في ذلك ارتيريا كمناطق تتواجد فيها إيران وإسرائيل وتركيا من القوى الإقليمية إلى جانب القوى الدولية وقد يعبر عبر سلطنة عمان إلى مناطق الجنوب لا سيما وأن للحوثيين وإيران قوى خفية مرتزقة في اليمن تقوم ثروتها على الاقتصاد الحربي وجرائم الحرب اقتداء بالنموذج الأمريكي.

ولا أظن أن قدرات إيران الاستخباراتية تؤهلها للعبور عبر البحار والبر اليمني دون تواطؤ دولي إقليمي ومحلي ومن المرجح وصول الدعم العسكري من خلال مناطق دولة الشرعية باعتباره منطقة آمنة وغير مشبوهة ولا تخضع للتفتيش ويعتريها الكثير من النفوذ على الأرض وسياسة المصالح الجزئية داخل الدولة بقوى إقليمية لمزيد من تضخيم النفوذ الذي يمارس تحت غطاءات الشرعية.

ولست مع القائلين بقوة إيران في اخترق المناطق البحرية والبرية المتخمة بالقواعد العسكرية والأساطيل الدولية، إن لم تكن بعض القوى الدولية تمارس لعبتها بعلم وتغاضي القوى الأخرى؛ لأن الحروب في العالم العربي ومصائبها غنائم اقتصادية لدول الاقتصاد الحربي ووسيلة من وسائل استنفاذ السيولة النقدية والشيكات الآجلة وضمان فرض الحماية لضمان استرداد الديون.

أما قدرات الحوثيين على استخدام الصواريخ فإن ذلك يرتبط بوجود عدد من الضباط الذين استخدمهم الرئيس صالح اثناء الثورة ودمجهم في القوات الدفاعية إلى جانب وجود قيادات عسكرية من جنسيات أخرى اشتغلوا بالتدريس في مناطق الريف قبل الانخراط في العمل العسكري وآخرين توافدوا كخبراء خلال فترة الحوار الوطني بثلاثمائة حكيم اتفقوا جميعا على ثقافة معارضة الكل للكل وحرب الكل على الكل عبر مطارات صنعاء.

لهذا فإن أمريكا تعتبر إيران من أهم الذرائع التي تبرر الوجود الدولي في المنطقة كما أن حيادية الدول القومية العربية من أهم أدوات انتشار القواعد الأمريكية، ومن أهم أسباب استنزاف الثروات العربية ومواردها البشرية مما يجعل المنطقة متهيئة لتفكير الصراعات الكامنة وإدارة الأزمات الملتهبة لتحقيق مزيدا من المكاسب الاستراتيجية وفق رؤيتها المبنية على أهم ثلاث نظريات أساسية في منطقة الشرق الأوسط:

الأولى: النظرية التفكيكية لبرنارد لويس.

الثانية: نظرية صدام الحضارات.

الثالثة: نظرية نهاية التاريخ.

أما هندسة الحروب وفقا لهذه النظريات فتتولاها إدارة البنتاجون، وقد خطط “بول ولفوويتز” لاحتلال العراق بإضعافه واستنزافه بعد حرب الخليج الأولى التي كانت فيها أمريكا لاعبا مركزيا في إطالة أمد الحرب من خلال دعمها عبر إسرائيل لإيران بالمضادات ودعمها المباشر للعراق بالطائرات، واستطاعت واشنطن إدخال إيران عبر طوائفها الشيعية ومعارضي صدام من الداخل من أجل خلق مستوطنات جديدة للشيعة الفرس في العراق وقواعد إسرائيلية وأمريكية وخلق مستوطنات إثنية أخرى تحت حماية الأحادية الدولية.

وتتابين استراتيجيات التفكير فحين كان الملك فهد مكتفيا بإسقاط نظام صدام، وإيران ترى ضرورة تفكيك الجيش لضمان خلق مستعمرات طائفية جديدة تمهيدا للدخول في انتخابات الأغلبية وتمارس سياسة العنف والتهجير والقتل للطوائف الأخرى، سهم في ذلك تسليم أمريكا لها لإيران الملف الأمني والسياسي للعراق، حيث صرح محمد علي بطحي: -نائب الرئيس البرلماني للشؤون القانونية-في كانون الثاني 2005م أنه لولا إيران ما تمكنت أمريكا من احتلال العراق وأفغانستان.

أمام هذه الطموحات تأتي استراتيجية المدى الأمريكية في خلق مستوطنات إثنية وجهويات أيدلوجية تمهيدا لإثارة الصراع الإثني من أجل تدمير العراق، وساهمت الثورة الربيعية (الخريفية) في سقوط سوريا لتطويق لبنان واجتزاء سينا وتفكيك مصر والقوى الكبرى في المنطقة لضمان تفوق إسرائيل.

حيث تعكس هذه الذهنية وهذا الترابط الاستراتيجي فلسفة التاريخ وتنمية الوعي به وقد كتب “أودي تيون” في وثيقة “استراتيجية بعنوان “إسرائيل في الثمانينات” مطمئنا تل أبيب “أن إيران الدولة الإسلامية تحذر إسرائيل من العراق وتراه العدو الأول والأشد خطرا على الدولة الصهيونية؛ حيث كانت أول فكرة إيران وتحذير إسرائيل من العراق بداية التخطيط لسقوط العراق بمشاركة إيرانية.

والمتأمل للسياستين الإيرانية في عهدي الشاه والخميني لن يجد اختلافا بينهما إلا في الشعارات التي كانت تبدأ للأول من الداخل (القومية الفارسية)؛ بينما تبدأ للثاني من الخارج (التشيع القومي). لا سيما وقد دعم الشاه أكراد العراق في السبعينات لتفكيك نظام صدام، وفي حرب الخليج الأولى دعم الخميني بالثورة المسلحة كردستان العراق لإضعاف صدام وذلك بالتحالف مع سوريا الدولة القومية المعادية للقومية العربية كما توسعت إيران السودان بنفس السياقات التي تمارسها السياسة الإسرائيلية المتواجدة في جنوب السودان.

ومن خلال خارطة العلاقات الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط والعلاقات الدولية تستغل تواجدها في مناطق الوجود الإسرائيلي والأمريكي في مناطق القرن الافريقي بما فيها إرتيريا واثيوبيا والصومال بالإضافة إلى نفوذ أقلياتها الشيعية في باكستان ومشاركتها في الملاحة الدولية إلى جوار الكثير من حلفائها الاستراتيجيين؛ الهند والصين وروسيا مما يجعل نقل الأسلحة الى الحوثيين صعبا؛ إلا أن هذا يفسر بالطريقة ذاتها فأمريكا لديها وكلاء كإيران التي شكلت لها وكلاء المذهب على الطريقة الأمريكية والتي تتميز باقتصاد الحربي لإنعاش الاقتصاد الوطني ومواجهة خطر الازمات الاقتصادية داخل الدولة أو البطالة وتهديداتها للأمن القومي الأمريكي، ولو ضحت بحلفائها؛ إنما هي مصالح دائمة وليست مبادئ دائمة.

وقد حدد الجغرافي الروسي “دبليو بارتولد” أن جغرافية إيران الكبرى بين نهري الفرات والسند، وتشمل الكرد والأفغان، وفقا لنصوص وتقاليد ثقافية بقيت حتى العصر الحديث، ويؤكد على أن الأثنيات أوجدتها الحضارات قبل أن تنفصل عنها، وشكل العلاقة الارتباطية بين اليهود والفرس حضاريا وتاريخيا وثقافيا وفقا للمبدأ القومي الذي يدل على اندماج الأصل أو الأمة في وحدة سياسية

وانطلاقا من وحدة التاريخ والاشتراك الحضاري كان شاه إيران؛ أول من اعترف بدولة اليهود في فلسطين لمواجهة العروبة، ورفض حظر النفط في حرب أكتوبر، وحجب العراق عن المشاركة، ودعم الأسطول البحري الأمريكي في الشرق الأوسط، وصرح أن الدين الإسلامي مرحلة تاريخية فرضه الأعراب بالقوة على الجنس الفارسي

والتقى التحالف الأمريكي اليهودي الفارسي تحت محدد الشعوب القوقازية التي جاءت عن إنسان “نياندرتال” في أوروبا، أو غرب آسيا، أو كليهما، ويدخل الفرس ضمن هذا التكوين السلالي وفقا للرؤية الغربية، وكذلك البروتستانت المهاجرين إلى أمريكا. وساعدت أمريكا الشاه إثر فضيحتها في إسقاط مصدق وجعلته في خاصرة القومية العربية ومعرقلا لحروبها على الكيان اليهودي

وكان سقوطه كما ذكر نيكسون ممهدا للفوضى وتهديدا للمصالح الغربية، وبسقوطه انخفض شراء الأسلحة الأمريكية من الدول التي تشعر بالتهديد، ولتكريس التبعية لدول الخليج العربي دعا “كرودسمان” إلى تشكيل منظومة أمنية بعيد عن مظلة الأمن العربي الشامل، واقترح تجنيد قوى مرتزقة تنعش استثمار الشركات المتخصصة للنفط، وتجند مواردها النفطية لمواجهة الإرهاب الإسلامي الذي قسمه بين الإرهاب السني والإرهاب الشيعي، في الوقت الذي يرى أن خروج أمريكا من العراق سيمكن إيران من السيطرة على الخليج، وتقدم بدراسة لمكتب المخابرات البحرية الأمريكية، ذكر فيها بأن إيران أعادت هيكلتها البحرية بما يتلاءم مع انتشارها ونفوذها بتكنولوجيا صينية وكورية وإيطالية

وخلال الثورة الخمينية استغل طموح الخميني ليكون البديل الأيدلوجي الأكثر ضراوة على القومية العربية حيث بدأت فلسفة التدين القومي لمواجه العرب كعرقية بالتدين الشيعي التاريخي الذي يتمحور على نظرية الجنس الآري وباستخدام الجنس العربي ومليشياته المسلحة داخل الدول العربية.

ووظف التشيع للتعبئة واستخدم عرب المنطقة على مناطق التماس الحضاري للدفاع عن القومية الفارسية، وخلال القرن 19م تمكنت المرجعيات الشيعية من تشييع القبائل العربية البدوية في الفرات الأوسط، واستخدمتها لصد السلفية القادمة من نجد، وأسهمت الأماكن المقدسة في النجف والكاظمية وكربلاء من تشكيل التحالف العراقي مع الخمينية ومن ثم تجددت أكثر الروابط المذهبية بقيادة السيستاني والصدر والموسوي.

يذكر برنارد لويس في كتابه عن الحشاشين أن حروب الشيعة -كانت موجهة ضد الإسلام السني ولم تتعرض لمصالح الغرب إلا في حالات تدافع فيها عن مصالحها وتتقارب براجماتيا مع الغرب في مواجهة التسنن الإسلامي؛ وأن التشيع كان سببا رئيسيا في سقوط الدولة العباسية وإضعاف الدولة العثمانية، وقد تحالفت إيران كدولة قومية مع الاستعمار الغربي البرتغالي والاسباني والبريطاني في العصر الحديث لاحتلال مناطق الخليج العربي واخماد المقاومة العربية.

وبالإضافة إلى الوجود الشيعي في منطقة الخليج تخترق إيران تركيا من خلال طائفة العلويين الأتراك من أصول الشيعة البكتاشية والزيدية، والتي تعد من أهم أدوات الشيعة في تركيا التي يمكن توظيفها في الصراعات المحتملة إذا تعارضت المصالح البراجماتية بين الدولتين، كما أن امتداد نفوذها الطائفي إلى شيعة باكستان ودعمها انفصال المناطق الشمالية منها على حدود الصين/ و الحرب على سنة باكستان عام 1998م، بالإضافة إلى وقوف السلطات الباكستانية العلمانية إلى جانبهم، لكونهم يتمتعون بنفوذ سياسي وعسكري في مؤسسات الدولة إضافة إلى أن التقارب الهندي الإيراني بما له من  أبعاد استراتيجية كان من أهم أسباب خروج باكستان عن التحالف الإسلامي الذي دعا إليه الأمير محمد بن سلمان.

من ثم فإن التقارب الهندي الإيراني وفقا لمارفين جي فاينيام قد يؤدي إلى تجنيد (3) مليون هندي في المجالات الاستخباراتية والعسكرية واللوجستية أو توظيفهم للقيام بأعمال عنف داخل المملكة العربية السعودية، لا سيما وأن الانسجام بين شيعة الهند والسلطة الهندية إضافة إلى التقارب مع العقيدة البرهمية يدفع الهند للتعاطف مع إيران، وقد تتخذ الهند نفس السياسة التي استخدمتها أثناء حربها مع اليهود في 67م بوقوفها العلني مع مصر ودعمها السري لتل أبيب.

ويرى “المفكر الإيراني على شريعتي أن الصفوية الإسماعيلية عقيدة توليفية بين القومية والسلطنة والتصوف والتشيع أعيد تركيبها ودمجها تحت غطاء العقيدة الشيعية المشهورة؛ التي تتخذ كوسيلة سياسية للتقريب بين التصوف من جهة والخروج والثورة من جهة أخرى، وهو الذي مكن إسماعيل ميرزا الصفوي من السيطرة على التدين الإيراني الصوفي وارتبط مع البرتغال لمواجهة السلطنة العثمانية، وصرح أنه سيجعل من جمجمة السلطان العثماني كأس خمر لملك البرتغال.

بينما نرى إيران تستغل تراثها التاريخي وطبيعة عقائدها المتقلبة للحصول على مقاربات سياسية في المنطقة مع العراق وتركيا واليمن وإسرائيل وأوروبا نجد تركيا كطبيعتها التاريخية تتقارب مع إيران ضد عمقها التاريخي في منطقة الشرق العربي.

ويعتقد “روبرت باير”-الضابط الاستخباراتي الأمريكي-أن إيران بقوتها البراجماتية وتمددها الطائفي في الشرق الأوسط يجعلها قوة عظمى مؤثرة بخمس مقومات استراتيجية: شعب يقاتل عنها بالوكالة، وأسلحة حديثة تتفوق على غيرها، وأيدلوجية نشطة تتبنى ثورة المقهورين، وقوة تنظيماتها الطائفية في لبنان وفلسطين وسوريا، وقوة مخابراتها في العراق والتي مكن شيعتها من السيطرة على السلطة، ونفوذها الجيواستراتيجي على بحر قزوين والخليج العربي بينما نجد سنة العالم العربي في صراعات بينية كما أن سنة إيران والعراق واليمن والشام يتخبطون في صراعات أيدلوجية وبراجماتية بعيدة عن استراتيجية المبدأ العام   وكل هذا التفرق السني في العالم العربي مكن لإيران من استغلال الواقع ودعم نفوذها في المنطقة بقوة تنظيماتها المرتبطة بتعاليم المرشد الأعلى للثورة.