نحن شعب لا يستحي
قبل 3 شهر, 27 يوم

تلك هي العبارة التي أطلقها مدويةً في سماء العراق المختطف الجريح الشاعر أحمد النعيمي ودفع من أجلها عمره وسلم رقبته للمشنقة، كغيره من الرجال الذين ولدوا رجال وماتوا عمالقة خلدهم التاريخ، وأمثاله كُثُر الثائر اليمني جمال جميل والزبيري وعبدالرقيب عبدالوهاب وعمر المختار والشهيد صدام حسين الذي يهتف باسمه أبناء العراق اليوم حزناً على رجولته وكريم عصره وسيد قطب الذي عزم درويش السلطة على تلقينه الشهادة قبل إعدامه رد عليه قائلاً اذهب "نحن نعطي عليها رقابنا وانت بها تقتات".

نعم وطن العروبة ومهدها ومخزن رجالها الذين فتحوا الدُنا وشيدوا الحضارات وغصت بمسمياتهم الموسوعات قادة وعلماء وأجناد، بات به الناس اليوم لا يستحون يتخاصمون على بقايا الخبز هنا أو هناك، والوطن الجريح ينزف وهذا يبحث عن منصب وذاك يبحث عن أرضية وآخر عن لجوء سياسي أو منحة مادية منها يعيش ويقتات، حتى سَخِر الناس منا ولم يعد لنا في قلوبهم احترام، نبحث عندهم عن وطن ونستجدي الدعم ونحن في تيهٍ بين الهوى والظلم والإقصاء والمصلحة.

شخصيات سياسية وطنية مرموقة أصابها الإحباط وكُتَّاب جفت أقلامهم في أيديهم وصحفيين عشعشت العناكب في دفاترهم، وجوم قاسي جراء الذي يجري على الساحة اليمنية، اعتاصت الحلول وسُدت الطرق، وترك المجال لعصابات في الداخل اليمني صادرت حتى عقول الطليعة من شباب الثورة والجمهورية، واستقدمت عصابات أفريقية للعيش في قلب اليمن الأخضر " إب" لا يحكمها عقل ولا يضبطها سلوك قطاع طرق الغابات الاستوائية وصيادي وحوش الصحاري لتدمير ما تبقى من نسيج اليمن الاجتماعي.

وتلك ردة فعل مؤكدة على تغني رجال اليمن وأقيالها بسمو حضارتهم وعظيم مجدهم التاريخي الأثيل فخوى مقالهم سنغرس في قلوبكم شوك الصَبَّار ونذيقكم مراراته ألوان لأنكم شعب لا يستحي، باع نفسه ضحايا للحرب بمقابل فتات الموائد وبقايا نقود، يقاتل بالأجرة اليومية ويبيع على قارعة الطريق بقايا نخوته وما تبقى لديه من كرامة لأن أعراض نساء اليمن تنتهك في سجون الإمامة ولا مجيب لصيحاتهن عند التعذيب.

مشايخ اليمن تحت سيطرة الميليشيات وقادة مجتمعه باتوا بين مشرداً في الخارج وآخر سجين بيته، أكلت وجهه مواقفه الخائنة، وثالث ملقى مقتولاً على قارعة الطريق بعد أن قدم كل ما لدية ومهد لهم الطريق إلى صنعاء، ولم يسلم حتى أساتذة الجامعات اليمنية عقول اليمن الإبداعية من ملاحقة الحاجة وذل صيحات أصحاب البيوت التي يسكنوها.

قادة عسكريون أمطرت عليهم السماء رتباً أثقلت كواهلهم غير أن عقولهم عنها وعن شعار الحرية والدولة والجمهورية في غياب، البحث عن الرديات المادية في كشوفات الجيش الوهمية  وكشوفات المحروقات والشؤون الإدارية غاية ما يحملون همه ورجاه، منهجية تقاسم المحاصيل وتوزيعها نسب من الأدنى إلى الأعلى لا زالت قائمة إرثاً من بقايا حكم النظام القديم، حتى في ظل الحرب الطاحنة التي يستوجب على الجميع ربط البطون فيها وبذل أغالي النفوس لأنها حرب مصيرية إما نكون أو لا نكون.

نعم لا يستحي من باع آخرته بدنيا ومستقبل أولادة بزادٍ من الدنيا قليل، باعها بمقابل الذل الذي سُيلحق أحفاده ويُعيَّر به كل من أعقبه، تاريخ من الخذلان سيستحي الواحد منهم أن يتلوه على أحدٍ في قادم سنينة البائسات. 

أضاعوها واستنزفوا شرايين دماها، وأنى لهم أن ينعموا بِرُباها وقادم مجدها، صارت شيخاً أصابه هرم عقوق وعصيان من رباهم ومنحهم كل ما لديه من خيرٍ وحنان، الوطن الذي قال عنه جيفارا " لا يهمني أين ومتى سأموت بقدر ما يهمني أن يبقى الوطن" غالي والذي قال عنه أمير الشعراء شوقي في رائعته:

وطني لو شُغلتُ بالخلد عنه .. نازعتني إليه في الخلد نفسي

وهفا بالفؤاد في سلسبيلٍ .. ظمأٌ للسواد من عين شمس

شهد الله لم يغب عن جفوني .. شخصه ساعةً ولم يخلُ حسي