عدن وعشر ذي الحجة
قبل 1 شهر, 10 يوم

للمفسرين في تحديد تلك الليالي والأيام الفاضلة التي أقسم الله تعالى بها في قوله سبحانه: "والفجر، وليال عشر" أقوال عديدة، ذكر ابن كثير بعضا منها، وأجزم في تفسيره بأن الصحيح من الأقوال، ما قاله ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، وغيرهم: "بأن المراد بالعشر عشر ذي الحجة"، لما ثبت في صحيح البخاري، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام"، يعني عشر ذي الحجة. قالوا: "ولا الجهاد في سبيل الله؟"، فقال: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلا خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء".

وتأتي عظمة هذه الأيام من تعظيم الله الأشهر الحرم، وهي أربعة تعرف بـ "ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب"، وقد عرفها العرب قبل البعثة، وقد كانوا يعظمونها ويجلونها، فلا حرب ولا عدوان ولا غارة على أحد، وقد كان الرجل يلتقي فيها بقاتل أبيه وأخيه فلا يمسه بسوء، علاوة على أنها أشهر راحة وعمرة وحج.

وقد كانت الأشهر الحرم في الجاهلية بمثابة تشريع إنساني، يقلل من مخاطر الحرب وكوارثها، ويجعل الناس في مأمن، حتى أنه قيل إن المحاصرين في شعب بني هاشم كانوا لا يجرؤون على الخروج من ذلك الشعب إلا في هذه الأشهر، وقد استهجن سادة العرب حربا حدثت في شهر رجب قبل عشرين سنة من البعثة، وسموها حرب الفجار، ومنع أبو طالب سيّد بني هاشم عشيرته من المشاركة فيها، كما جاء ذلك في تاريخ اليعقوبي، وقال أبو طالب: "إنها ظلم وعدوان وقطيعة واستحلال للشهر الحرام"، وكأن سادة العرب يرون أن القتال في تلك الأشهر التي حرمها دين إبراهيم عليه السلام من قبل أشبه بجرائم حرب.

ولقد بعث الله محمدا، وأرسله رحمة لبني الإنسان، فحرم الحرب جملة، ولم يجزها إلا لضرورة، وأقر الأشهر الحرم وأعلى من شأنها من دون تبديل وتأخير، وحرم بتشريعات الإسلام كافة مظاهر العصبية والنعرات الطائفية الجاهلية.

وما لم يفعله فجار الجاهلية في حربهم في شبه جزيرة العرب آنذاك فعله الإماراتيون وجاهليّو حزام أمن عدن في اليمن، ففي وقتٍ كنا نشهد انسحاب قوات الإمارات من جنوب اليمن، ونحن نقول بلهجتنا العامية ومثلنا الساير: "مع ورور"، وبعضنا يقول: "لا ردهم"، وآخر يتلو: "فما بكت عليهم السماء والأرض"، وبينما نحن على هذه الحال، وفي غرة شهر الله الحرام، نتأهب لحسن العمل في هذه العشر، شهد أخوتنا الشماليون المقيمون في مدينة عدن موجة من الاستفزازات من قوات الحزام الأمني التابعة لدولة الإمارات، فهناك يتم إفراز الشماليين وترحيلهم إلى الشمال قسرا بدعوى تأمين عدن.

العم الطاعن في السن شكري محمد أحمد الذي قضى جل عمره في خدمة مدينة عدن، وولده ومعهم بضعة نفر، هاتفوني من شقتهم في البريقة، وأفادوا بأنهم محاصرون في شقتهم، لا يستطيع أحدهم أن يخرج إلى السوق ليأتيهم بما يأكلون، وقد باتوا جائعين، وأن من يخرج للشارع، تنتهك كرامته ويؤذى جسده، ويسلب ماله، ثم يرحل إلى بلده مهانا ذليلا...

هذه الإجراءات القائمة على أساس التمييز العنصري عدها أمين عام نقابة المحامين اليمنيين في تعز، توفيق الشعبي، انتهاكات خطيرة للقوانين الدولية الإنسانية، واصفا إياها بجرائم جسيمة لا تسقط بالتقادم.

الشيخ علي القاضي، وهو عضو في هيئة علماء اليمن، هو الآخر استقبح ما يحدث من أفعال، ورآها عودة إلى الجاهلية بظلمها وبغيها وعصبيتها، وقال: "الحكم الشرعي لما يفعله الحزام المناطقي منكر عظيم وظلم وجاهلية عمياء حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "من قتل تحت راية عِمية، يدعو عصبية، أو ينصر عصبية، فقتلة جاهلية" رواه مسلم.

ما يحدث الآن في عدن لا يمثل عدن، ولا جنوب اليمن، وإنما يمثل شرذمة حاقدة، ودولة راعية فاسدة باغية.