خواطر عن مِصر الكِنانة.
قبل 4 يوم, 18 ساعة

قضيت في القاهرة نصف شهر. قضيت معظم الوقت في خدمة ورعاية شقيقي عبدالرحمن، شفاه الله. معظم الوقت قضيته برفقة شقيقي وفي عيادات ومختبرات القاهرة لمتابعة علاجه.

وجدت فراغات في جدولي للتنقل في أسواق القاهرة الشعبية المزدحمة، ومولاتها الرائعة. عشت لحظات لن تنسى في أسواقها الشعبية مع البسطاء، زي حالتي. أكلنا من عربات الفول في الشارع، واِرتدنا مطاعمها وقهاويها الشعبية، وتذوقنا الُكشري والفطير المشلتت. استمتعت بفهلولة تجارها وباعتها.

 المطاعم اليمنية كانت وجهة دائمة لنا، خصوصاً مطعم باب المندب. مصر التي تحتضن ما يقارب المليون يمني؛ تجدهم بأزيائهم اليمنية الاصلية، وطيبتهم المعروفة. يعتصرهم الفقر والحنين إلى الوطن. لهم آراء وتوصيفات وقناعات مختلفة حيال مايجري في اليمن والإقليم. إلا أن المليون يمني تشعر أنهم مجمعون على كارثية بقاء السجان محمد مارم سفيرا للجمهورية اليمنية في القاهرة.

في مِصر لن تشعر بالغربة؛ بل سيشعرك الجميع أنك ملك متوج. شعب أغلبه بسطاء مثلنا. فقر يعتصر الجميع، إلا أن منبت العزة والصمود والعروبة، ومركز الشهامة والرقي في التعامل، والضيافة والترحيب هو في مصر. ستة أسباع التعايش والقبول بالآخر والترحيب بالغريب، محله في مصر؛ والسُبع الأخير يذهب في الصباح ليطوف بدول العالم ومن ثم يعود يبات في مصر.

شعب مِصر شعب عظيم وكبير بتنوع عجيب. فسيفساء من التنوع في الدين والمذهب والتوجهات السياسية والحياتية والإجتماعية والثقافية. مساجد كثيرة وكنائس عديدة. ملايين من البشر متدينون وملايين غير متدينون. الكثير يعبد الله، والكثير لا يعلم عن الله شيئ، وقِبلته رغيف الخبز وتربية أولاده، وإن لم يكن يعرفوه، فالرزاق العظيم الكبير اللطيف الودود الرحيم حتماً يعرفهم ويرعاهم، بحِسبه ربانية لا يعرف شفرتها الدعاة المتطرفون والمغالون.

عندي شك أن جماعة الإخوان المسلمين في مصر ينتمون إلى ذلك المجتمع الجبار. فلو عاشوا في حارات وأزقة وشوارع وأحياء مصر، وعاشروا ناسها، وتعرفوا على مساجدها وكنائسها وحانتها ومطاعمها وملاهيها، وشربوا من نيلها وعانوا من الفقر والإرهاب والغلاء والحاجة لما طمحوا في السعي لحكم مصر بجلباب الدين. لو جربوا الرقص والغناء على جسورها النيلية ومراكبها النهرية، ولو كانت لديهم فكرة عن حاجات وإهتمامات وتطلعات المواطن المصري البسيط؛ ونزلوا إلى الشارع للحديث مع شباب ومراهقي مصر، لحلوا جماعتهم ولتخلوا عن طموحهم في حكم ذلك الشعب الجبار. ذلك الطموح المجنون الذي دفع بهم إلى صراعات مميتة مع جمال عبد الناصر، ومن ثم السادات ثم مبارك واخيراً السيسي.

شعب يتعدى سكانه ١٠٠ مليون نسمه بإختلاف دياناته ومذاهبه ومعتقداته، وطريقة عيشه؛ حتماً لن يقبل بإمام جامع أو قسيس أو حاخام ليحكمه بمقاييس دينية أو مذهبية أو مناطقية أو سلالية أو طائفية، وبخطاب ديني ضيق؛ فالجدول لا يحكم المحيط.

كانت فرصة للقاء معظم قيادات ونُخب اليمن. ناقشنا آلام ومآسي اليمن؛ واتفقنا في كثير من القضايا.

 شكرا لمن سأل وتابع حالة شقيقي الحبيب عبدالرحمن. شكرا لمن ساهم في تذليل الصعاب في رحلة العلاج. شكراً لمن إستضاف وزار وسأل. شكراً لشعب مصر وأهل اليمن.

شكراً أولاً وأخيراً لله سبحانه وتعالى؛ في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء.

نسأل الله العزة لليمن ولمصر ولكل بلدان النكبة العظيمة 2011م.

*من مطار القاهرة، في طريق عودتي إلى لندن؛ تلك المدينة الخالية من العنصرية الدينية أو الجغرافية.

14 أغسطس 2019م.

سفير يمني سابق. مُشرد.