مقبل : حلم الحرية الـذي لا يشبه "القيادات" الفارغين (1-2)
قبل 23 يوم, 13 ساعة

علي صالح عباد «مقبل» يمثل اليمن أو هو صورة اليمن، بل هو شيء أصيل وجميل من تاريخ هذا الوطن بكل انتصاراته وهزائمه، افراحه واتراحه وهو القديم ولكنه الحي في الجديد القديم الذي لا يشدنا الى الخلف ولا يثبط عزائمنا مثل البعض، بل يحفزنا على مغامرة اقتحام دروب المستقبل الآتي بكل الجرأة والشجاعة والبطولة الإنسانية الكامنة في عقله وروحه.. إنه أكبر من  القادة الذين تصنعهم "الصدفة التاريخية" البحتة، وأكبر من الرؤساء الذين يصنعهم الإعلام ونجومية ثقافة الصورة، مثل نجوم السينما ونجمات الرقص الشرقي، أو ما شابه ذلك، "الزعماء" الفارغين من المعنى، "الزعماء" بالقوة وليس بالفعل حسب تعبير أرسطو .

إنه بحق شيء من روح اليمن، والوطن الجديد.

 والتاريخ يعلمنا ويحدثنا أن" القيادات" الذين تأتي بهم الصدفة التاريخية (مراحل الانحطاط والانهيارات الوطنية)، غالباً ما يكونون معاول لهدم المجتمعات، وتفكيك وتمزيق الدول والأحزاب، وما يحصل في البلاد اليوم هو عنوان صارخ وفاضح لظهور مثل هذه القيادات العابرة في التاريخ، سواء على مستوى الاحزاب، أو الدول.

كان "مقبل" من الزعماء الذين يكدحون لتحويل الظلام إلى نور يستضيء به الجميع، وليس من العابرين على درب "الزعامة"، للاستهلاك السياسي المؤقت.. الذين  ينشرون الظلام في عز الظهيرة.

أؤكد على ذلك ونحن في جحيم هذا الدمار الفاجع، على مستوى الحزب، والوطن، لأنني لا أرى ما يجري سوى جائحة عابرة إلى زوال.

«مقبل»، أو علي صالح عباد «مقبل»، لا فرق بين الاسم والكنية النضالية الكفاحية التي ارتبطت باسمه طيلة فترة تاريخ الكفاح الوطني التحرري من أجل الاستقلال ووحدة اليمن. وللاسم «مقبل»، واشارة ومعنى للحركة صوب الآتي، تاركا "الادبار"، لمن يستحقه من "قادة".

إن لإسم "مقبل"، في الذاكرة

 السياسية التاريخية الوطنية دلالة ومعنى يشيران الى الكفاح السياسي الوطني ضد الاستعمار

"الانجلوسلاطيني" في جنوب اليمن، مثله مثل اسم عبد النبي مدرم، وبدر، وعلي عنتر، ومطيع، وصالح مصلح، وعبدالعزيز عبدالولي، وعشرات الأسماء، الشهداء والأحياء، الذين ارتبطوا بتاريخ الكفاح الوطني التحرري وبتاريخ الفكر السياسي الوحدوي اليمني حين كان البعض لا يرى اليمن الا صيغة جغرافية محددة بحدود سلطة الإمامة، أو عدن وبعض المحميات.

وفي مثل هذه الظروف والمناخات السياسية والكفاحية الصعبة والمعقدة طغى الاسم «الحركي» «السري» على الاسم الحقيقي. والى اليوم ما يزال الكثيرون حين يذكرون الأمين العام الأسبق للحزب الاشتراكي يلفظون مباشرة اسم القائد «مقبل» موصولاً باسم علي صالح عباد، حتى صار الاسم المضاف الحركي الكفاحي الذي ارتبط وتوحد بمرحلة الكفاح الوطني التحرري هو الاسم الحقيقي وتعبيراً عن حقيقة النضال الوطني التحرري، أو جزءاً لا يتجزأ من بنية وتركيبة الاسم.

 ولذلك معنى ودلالة هامان يشيران أبداً الى المعنى الخالد للأدوار البطولية والوطنية العظيمة التي قامت بها هذه الاسماء من أجل تحرر واستقلال وسيادة الوطن، ووصوله الى مرحلة الوحدة اليمنية، حتى دخلت هذه الاسماء الحركية، أو «الكودية» التاريخ الوطني من أوسع أبوابه، باب الفداء والتضحية، والحرية، والاستقلال، والوحدة، وليس الفيد والمغانم التي شهدناها من بعد الوحدة بالحرب والدم والفيد في حرب 1994م اللاوطنية. ولا يستطيع كائن من كان أن يزايد اليوم على تاريخه الكفاحي التحرري والوحدوي الوطني الديمقراطي.

منذ وقت مبكر في تاريخ الكفاح السياسي الوطني من أجل الاستقلال للشطر الجنوبي من الوطن، التحق علي صالح عباد «مقبل» بالخلايا الأولى لــِ"حركة القوميين العرب" وكان للمناضل والاستاذ القدير علي أحمد السلامي أبرز رموز قيادات الجبهة القومية شرف كسبه أو إلحاقه بـــِ"الجبهة القومية" في أواخر العام 1959 حين وجد فيه خامة وطنية جاهزة ومؤهلة لحمل شرف النضال السياسي الوطني التحرري ضد الاستعمار الانجلوسلاطيني. وبسرعة هائلة تقدم في مواقع ومراكز الكفاح الوطني حتى صار قائداً فدائياً لحركة التحرر الوطني في مدينة عدن، في العام 1964م، ، وقائداً فكرياً وسياسياً في الصفوف الأولى لقيادة الجبهة القومية. أي بعد إعلان قيام الجبهة القومية بحوالى سنة.

 فقد كان يقود ويوجه العمل الفدائي، والسياسي والتنظيمي من داخل صندقة «زنك» - كما يؤكد ذلك العديد من زملائه الاحياء - في مدينة الشيخ عثمان أمام "مسجد النور" وغيرها من المناطق والمواقع، كما لعب لاحقاً دوراً بارزاً ومؤثراً وفاعلاً على المستوى الفكري، والسياسي مع رفيق دربه عبدالفتاح اسماعيل في قيادة التحول الفكري والسياسي والتنظيمي داخل الجبهة القومية. وكان له دور لا يستهان به في وحدة رؤى الصف القيادي في الصراع الكامن حول جملة من القضايا الفكرية والسياسية الداخلية والدولية - على صعيد قضايا المنظومة الاشتراكية- وأدواره وأفضاله عظيمة في كل منعطفات التاريخ الوطني اليمني المعاصر، سواء في جنوب الوطن قبل الاستقلال أو بعده، أو بعد تحقيق الوحدة السلمية المغدورة، مع رفاقه في قيادة حزبه، إلى قبل رحيله. والجميع اليوم يقر بدوره الجليل والنبيل في تحديد وصياغة الموقف والاطار البرنامجي في الوثائق المقدمة للمؤتمر العام الخامس للجبهة القومية. وبفضل دوره ومكانته البارزة ثبَّت العديد من الرؤى، والمفاهيم والافكار التي احتوتها وثائق المؤتمر الخامس للجبهة القومية، وخرج المؤتمر، بفضل دوره وزملائه الآخرين سالم ربيع علي، وعبدالفتاح اسماعيل، موحداً وقوياً واكثر تراصاً وتماسكاً على استكمال مهمات التحرر الوطني السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وباجماع المندوبين خرج المؤتمر موحداً حيث حصلت الأسماء القيادية البارزة في التاريخ الوطني ضد الاستعمار على أعلى الاصوات داخل المؤتمر وبشكل متساوٍ، حيث حصل القائد العظيم الشهيد سالم ربيع علي على مائة واربعة وستين صوتاً، وعبدالفتاح اسماعيل على نفس الأصوات، وكذلك «مقبل» ، وعلي ناصر محمد، على نفس الاصوات. وللحقيقة والتاريخ - كما يشير العديد من رفاق دربهم - أنه كان للمناضل الشهيد عبدالفتاح اسماعيل، والمناضل علي صالح عباد «مقبل» دوراً رئيساً وتاريخياً عظيماً، حيث اتسم موقفهما بقدر عال من الاعتدال والتوازن السياسي والفكري تجاه قراءة وتحليل أبعاد المسألة الزراعية، وقضية الاصلاح الزراعي- ومن المؤسف غياب أو اختفاء الوثائق حول هذه القضية - وكان لهما، تحديداً، علي صالح عباد «مقبل»، وعبدالفتاح اسماعيل «الذي كان اسمه «الحركي» «عمر» دور مغاير ومتميز للموقف مما كان يسمى «الانتفاضات الفلاحية» أو "الأيام السبع". وأستطيع القول - من خلال معرفة وقراءة لاحقة - ان لهذا الصف القيادي بكامله في الجبهة القومية، دوراً جليلاً وعملياً على صعيد إعادة بناء التنظيم، ومؤسساته الحزبية «القاعدية» وفي كسب العديد من الاعضاء - للجبهة القومية - مع غيرهم من القيادات والكوادر. ودور "مقبل" بارز وواضح في صياغة البناء الهيكلي للتنظيم السياسي للجبهة القومية خلال تسع سنوات من تحمله مسؤولية سكرتارية اللجنة المركزية في الفترة من 1969م-1977م. ومع كل ذلك لم أجده يوماً، على الأقل خلال السنوات العشرون الأخيرة، يتحدث عن أي دور يرتبط باسمه وبمكانته. فما زال الهم الوطني والسياسي والقومي والانساني هو الذي يحركه ويحدد مجمل خطابه الفكري السياسي. وعلى حدته و حزمه وصرامته في القضايا السياسية والوطنية والمالية، وفي قضايا الوطن والحريات، والموقف من الاستبداد والتسلط، على أن تلك الحدة والرؤى والمواقف تتعلق بقضايا كبيرة وبأمور تمس مستقبل الوطن، وليس لها علاقة بمزاج ذاتي شخصي أو مصالح صغيرة عابرة مثل البعض اليوم. وقد أضفت عليه تجربته التاريخية السياسية والكفاحية الطويلة التي تمتد لأكثر من ستة عقود، والمعارك السياسية المختلفة التي خاضها، وأضافت الى وعيه وعقله قدرات ابداعية انسانية خلاقة، وسعت من فضاءات حبه للناس جميعاً، وجعلت فضاءات الوطن في عقله ووجدانه اكثر رحابة واتساعاً وعمقاً. ذلك أنه يمتلك في الاصل صفات ومميزات و"كاريزما" القائد بالفعل وليس بالقوة، هو اليوم وغداً وفي كل الأحوال الغائب الحاضر أبداً .قائد وطني وتاريخي عظيم ليس للحزب الاشتراكي، بل لكل الوطن. ومع أنه ليس من محبي النجومية والظهور بدلالاتها السطحية، مثل هواة زعامة نجومية الصورة الذين يطلون علينا في المناسبات بين الحين والآخر، فقط لالتقاط الصور، وليقولوا نحن هنا لا تنسونا .. فإنه اليوم وأمس وغداً، قائد تاريخي استثنائي في هذا الوطن وفي قلب هذا الحزب، وكما يقول المفكر محمود أمين العالم إن «حياتنا الإنسانية يصنعها الفرد الذي يحمل عبقرية الجماعة، ويحسن الإنصات الى نبضاتها، يحسن اكتشاف ارهاصاتها الخلاقة، يحسن التعبير عن حكمتها العملية، والتبشير بالجديد المتخلق فيها، والنضال من أجله باسم الناس جميعاً» محمود أمين العالم- "كتاب: الانسان موقف. وهذا، حقيقة، ما أجده بدون أية مبالغة مجسداً، فكراً، وسلوكاً وقيماً واحساساً، في صورة النموذج علي صالح عباد «مقبل»، على الاقل من خلال معرفتي به خلال ما يقارب ثلاثة عقود من الزمن.

ستظل أجيال الحزب، وأجيال الوطن القادمة تتذكر هذا الإنسان النبيل - وغيره من رفاقه - بما صنعه وقدمه في كل تاريخه الوطني الحافل بالكفاح وتاريخ مجد الوطن، حريته، واستقلاله، ووحدته، وديمقراطيته، وسيبقى اسمه محفوراً وحاضراً في قلب تاريخ نضال الشعب اليمني وجزءاً لا يتجزأ منه، وهو في كل مواقفه - رمزاً حقيقياً وقائداً لهذا النضال في امتداده التاريخي الجميل - على كل العثرات والمصاعب التي رافقت هذه الرحلة- يفخر به حزبه والرموز الوطنية في المجتمع اليمني ليس باعتباره كان أميناً عاماً للحزب الاشتراكي اليمني، بل باعتباره رمزاً وطنياً عظيماً وخالداً في تاريخ كفاح هذا الشعب.

 إنه ليس ذكرى بل حاضر وتاريخ ممتد في الزمان، لم يرتبط اسمه بالماضي ولا بالحاضر فقط ، بل وفي تشكيل صورة المستقبل الآتي. مثله لا يمرون في التاريخ الوطني مرور العابر العادي، بل يترك اسمه معنى وقِبْلة لتحرك الناس نحو المستقبل. هذا هو علي صالح عباد «مقبل» المناضل، والمثقف، والإنسان، الإنسان الموقف والرؤية، والحلم.

إن ما مثله «مقبل»، وما يمثله اليوم تاريخه من قيم ورؤى ومواقف ستكتب بأحرف من نور الكلمة المتوحدة بالحق، والعدل، والحرية، والاستقلال، ومناهضة ذهنية الاستبداد. .. إنه حاضر حي وفاعل يؤشر بعقله ووجدانه إلى المستقبل، إنه القادم أبداً على فرس حلم الناس بالإصلاح والتغيير، وهنا تكمن حقيقة قوة الشباب، الماثلة في قوة حضور العقل، والوجدان الإنساني الحي. منذ ما يقارب ستة عقود  وحلم الحرية والاستقلال، والوحدة للحزب، والوحدة للوطن، والديمقراطية،قضايا وهموم لم تفارق عقله ونفسه، ومن هنا تمسكه وإصراره على قضية المساواة، والحرية في صورة الدولة المدنية الديمقراطية المنشودة، الدولة التي تؤسس لفكر الحوار، والتسامح، وتجاوز عقلية الماضي، والاقدام بجرأة على ركوب فرس المستقبل الجامح والحامل لكل فضاءات الحلم الإنساني العظيم.

لا استطيع أن أقول مبالغاً أو شاطحاً ان علي صالح عباد «مقبل» يمثل اليمن أو هو صورة اليمن، بل هو ممن ينتمي إلى الأصيل والجميل من تاريخ هذا الوطن، تاريخ هذا اليمن بكل انتصاراته وهزائمه، افراحه وأتراحه، وهو القديم ولكنه الحي في الجديد، الذي يشير أبداً إلى الآتي، الذي لا يشدنا الى الخلف بل يحفزنا على مغامرة اقتحام دروب المستقبل، بكل الجرأة والشجاعة والبطولة الإنسانية الكامنة في عقله وروحه على العكس من سلوك وممارسات البعض اليوم .

 إنه بحق شيء من روح اليمن، والوطن الجديد ، إنه حلم الحرية الذي لا يشبه" الزعماء" الفارغين، والعابرين من وراء أسوار التاريخ .

ولست بحاجة هنا إلى أن أحكي قصة كفاحه الوطني بتفاصيلها - فذلك شأن رفاق دربه جميعاً - ولا بحاجة لعرض تاريخ سجونه وعذاباته من أجل هذا الوطن، سواءً في مرحلة الاستعمار أو ما بعدها من قبل رفاقه في لحظة جنون غياب الوعي بالديمقراطية، وضعف بنية العمل المؤسسي المدني.

على أن الشيء الجميل والنبيل في هذا الرجل أنه لا يذكر إلا المستقبل وكيف نتحرر من استبداد الواقع الراهن حتى لا نكرر أخطاء الماضي، إنها نعمة النسيان التي تفتح أمامه فضاءات المستقبل، يتحول معها الماضي الى تاريخ عابر علينا أن نتعلم ونستفيد من دروسه من أجل المستقبل وهو الذي قضى أكثر من ست سنوات في "سجون الرفاق"، وفي لحظة غياب الوعي بالديمقراطية وتحكم سلطة استبداد الدولة بالسياسة الرشيدة، وبالعقل... إنه اليوم –وحتى إلى قبل رحيله- لم يكن يرى ولا يقرأ إلا ما ينفع الناس، وما يفيدهم كزاد للمستقبل لتجاوز مصاعب وتعقيدات الراهن.

إن مثل هؤلاء الرجال هم بحق من يستحقون أن يطلق عليهم صفة واسم الزعماء الوطنيين الحقيقيين، الزعماء بالفعل، وليس بقوة السلطة والدبابة، الزعماء الذين يصنعهم التاريخ ويساهمون بالفعل في صياغته، وليس أولئك الذين يأتون من خلال الدماء والحروب، والدبابات، والقوات الخاصة، والحرس الجمهوري، والطائرات والسجون، أو الذين تأتي بهم "الصدفة التاريخية"، وسيذهبون كما قدموا دون ذكرى ، ولا تاريخ.

إنه بحق نبضة في القلب، وإحساس عميق في وجدان الناس، وشعلة حب تضيء سواد عتمة الحاضر. كُنت وما تزال يا "مقبل" رغم رحيلك الفاجع، موئلاً لهذا الحزب في المحن والشدائد التي مر بها وما يزال. لا أخفى يا أخي وعزيزي ورفيقي واستاذي أنني خشيت عليك كثيراً، ليس لأنني احببتك كشخص، بل لمعرفتي العميقة بحبك للوطن وللناس، وللحزب مع أن معرفتي بك لاتصل الى معرفة رفاق عمرك الطويل الذين كنت ما تزال تحبهم وتودهم على افتراق السبل والطرق فيما بينكم.

إن ذلك الحب العظيم، والتسامح الجميل في داخلك هو  ما ضاعف حبي واحترامي لك كانسان يحمل رؤيةً وموقفاً تجاه كافة قضايا الوطن دون تفريق بين شمال وجنوب أو مذهب وآخر أو منطقة وأخرى.

مرات عديدة خشيت وخفت عليك، من تعب الجسد، ولكني حين شاهدتك كيف كنت تدير دورات اللجنة المركزية ، بتلك الصرامة والصلابة، والعقل الواضح واليقظ، من خلال عقل وقاد وذكاء حاد، وخبرة عظيمة، متابعة لكل التفاصيل الدقيقة، متابعة حادة وجادة لكل شاردة وواردة، أدركت أنني حقاً اقف أمام رجل عظيم يستحق كل الحب والتقدير والاحترام.. كما أن ذلك الموقف الذي تجلى في شكل ادارتك للحزب ولدورات اللجنة المركزية، أكدت لي ما قاله محمود العالم ان الفرد حين يحمل عبقرية الجماعة وهمومها، ويحسن اكتشاف ارهاصاتها، ويحسن التعبير عن حكمتها والانصات لنبض صوتها، فانه بذلك يستطيع ان يدخل حياة الناس بكل سهولة، وان يساهم بقوة ووضوح في صنع التاريخ.. كما اكدت لي تلك اللحظات التي عشتها بكل جوانحي وهواجسي ومخاوفي. إن تفاؤل الارادة العظيم عندك، تغلب على تشاؤم الواقع، وعلى قسوة حالة المرض التي كنت تعانيها، وكنت بذلك اكثر حضوراً ووعياً وابداعاً في ادارة حياة الحزب، وفي المشاركة في صياغة وصناعة مستقبل اليمن الجديد.

لقد قهرت بؤس الواقع الرديء وتشاؤمه، وتجاوزت حالة المرض القاسية التي كنت تعيشها لحظة بلحظة حين كان المرض يحاصرك من جميع جهات الجسد وكانت إرادتك الأقوى، فلم تهرب تحت قسوة الظروف، كما هرب البعض بدون أسباب، لأنك وُضعت أمام هم أكبر من كل ما كان يحيط بك كذات انسانية. فما أحوج حزبنا اليوم اليك والى أمثالك من رفاقك في حزبنا المستمرين في ادارة دفة الحياة –وهم أقل من عدد أصابع اليد الواحدة- رغم كل المصاعب والتعقيدات المفروضة علينا من سلطة القهر والاستبداد القديمة/ الجديدة. في زحمة القضايا الكبرى والنبيلة توارت كل الهموم التي استصغرتها ولم تأبه بها، لان ذات الوطن والشعب وواقع الحزب طغت على ذاتك وعلى حالتك المرضية، وكل الهموم الصغيرة.

فكنت أنت أنت .