2014/07/08
  • إبراهيم الوزير .. كما عرفته !.
  • -           مثل السيد إبراهيم بن علي الوزير .. ظاهرة استثنائية بمجمل توجهاته العامة . خاصة عند مقارنته بأمثاله من المحسوبين على ثورتي 1948م و 1962م .. فلقد ظل – رحمه الله – محتفظ بآرائه وتوجهاته السياسية والتي تمثلت ببرنامج يقوم على ثلاثة قواعد لم يحيد عنها في مجمل حياته العامة وفي كل كتاباته السياسية بالذات :-

    -           " الشورى في الأمر" , " العدل في المال " , و" الخير في الأرض " .. بل ظل يعمل منذ نعومة أظافره على تحقيق هذه القواعد التي ارتكز عليها ومن أجل تحقيقها على الواقع العملي : " إتحاد الشورويين التعاونيين "      ثم " إتحاد القوى التشعيبية " .

    -           إنه مهما كان أوجه التوافق والتعارض مع بعض توجهاته وأهدافه لدى البعض .. إلا إنه يصعب وربما يستحيل عدم الإعتراف بدوره وأسرته في التطلع نحو حياة كريمة للشعب اليمني , وبما واجهت أسرته من مصائب ومصاعب .. عقب فشل ثورة 1948م .. حيث استشهد  والده ضمن مجموعة من كبار رجالات وزعماء ومفكري اليمن .. وسفك دماء بعض أفراد أسرته .. بجانب هدم منازلهم ورملت نساؤهم ويتم أطفالهم وشرد شبابهم

    -           وحينما قامت ثورة26 سبتمبر الخالدة .. كان يعتقد – رحمه الله – كما اعتقد غيره أن الثورة ستحقق أهدافها المعلنة وستمثل بداية عهد جديد لليمن .. كونها قامت على أنقاض أغبى وأفضع وأسوأ نظام .. ولكن – رغم تحقيق بعض أهداف هذه الثورة العظيمة – إلا أنها رافقتها أحداث وأوضاع مؤلمة .. ممثلة بالحرب الأهلية بين الملكيين والجمهوريين .. بجانب تجاوزات سلبيه عديدة , والتي منها انتشار الفساد والقهر والتسلط وبقاء بعض الأحقاد والكراهية وسوء الظن بالبعض .. ومنهم بالفقيد – إبراهيم الوزير- الذي حينما عايش تلك الأحداث " إتجه –رحمه الله – نحو العمل بصورة مستقلة " و.. ليعلن بمؤتمر – " شرارة " أن " الماضي المظلم لا يعود"..  و" الحاضر الدامي لا يبقى "  و " المستقبل تقرره الأمة " .

    -           لكن الخلاف الأكبر بينه وبين بعض رفاقه "الثوريين" حسب فهمي .. هو أنه كان يفضل " دولة إسلامية ذات مؤسسات شوروية  في مواجهة ملكية فاسدة حتى نخاع العظم وجمهورية زائفة قائمة على التضليل والتزوير ." حسب تعبيره ..

    -           عاش بعيداً عن وطنه لكنه استمر يناهض الظلم والطغيان في وطنه اليمني بوجهٍ خاص من خارجه .. داعياً إلى أهمية حرية الإنسان وحقوقه العامة وإلى توحيد العرب والمسلمين بوجهٍ عام , وذلك عبر مؤلفاته الفكرية  الرصينة والتي تجاوزت الثلاثين مؤلفاً .. بعضها حول قضايا وطنه اليمن وبعضها حول قضايا وهموم وطنه العربي والإسلامي .

    -           بدأت معرفتي  بالسيد إبراهيم الوزير – رحمه الله – عبر قراءتي لبعض مؤلفاته ؟؟ و كان لأخي القدير عبدالجليل علي أحمد - المقيم حالياً بولاية (ميتشجن الأمريكية ) – الفضل في تزويدي ببعضها .. والتي اكتشفتُ عبر مضمونها .. مدى الافكار التنويرية التي يمتاز بها المؤلف  , وروح التسامح والبعد عن التعصب الذي عرف به بعض المنتمين إليه نسباً ومذهباً !

    -           لقد قرأتُ كتاب " زيد بن علي " .. جهاد حقٍ دائم" حيث أبرز الفقيد حقائق وتوجهات الإمام زيد رضي الله عنه  ..  خاصةً نحو الخلافة ومواقفه الجلية تجاه خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما .. دون تعصب ولا محاباة أو غلو .. بجانب وقوف الإمام زيد ضد الظالمين ومقاومتهم .. إلخ

    -           كما قرأتُ كتاب " الإمام الشافعي .. داعية ثورة .. ومؤسس علم .. وإمام مذهب " مبرزاً -رحمه الله-  بهذا الكتاب القيم مآثر الإمام الشافعي العظيمة بوجهٍ عام .. ووقوفه في خط الحق ومقاومة الظالمين بوجهِ خاص .. إلخ .

    -           ثم .. قبل وبعد معرفتي الشخصية بالفقيد .. ظللت أقرأ العديد من مؤلفاته . بعضها أهديت لي منه شخصياً خلال فترات زمنية متفاوتة .. والتي منها " الطائفية آخر ورقة للعالين في الأرض " والذي ألفه الفقيد إبراهيم الوزير قبل قرابة 30 عاماً .. حيث تحدث فيه عن : " الذين انساقوا وراء الطائفية .. برفعون عقيدتها ويحيون نعراتها ويعزفون أنغامها " ص20 ... مستغرباً من ظهور مجموعة بعضها وصفها  بكونها أسماء لامعة في عالم الفكر والإسلام " ليصبح مثل هؤلاء - بحسن نية أو بسوئها - خداماً أمناء لتفريق هذه الأمة وإيقاد نيران التنازع والشقاق " ص21 .

    -           مع ان الطائفية أنذاك لم تصل إلى ما وصلت إليه في زمننا هذا ! لكنه حذر منها وعدد عيوبها وكانه يقرأ ما آل إليه الوضع اليوم ! وبنفس هذا الكتاب اعتبر السيد إبراهيم الوزير أن " كل المذاهب الإسلامية الملتزمة بالقرآن حكماً وبالسنة بياناً . هم اهل السنة والجماعة مهما تعددت الأسماء "

    -           قرأتُ أيضاً كتاب " على مشارف القرن الخامس عشر الهجري " والذي طبع مرات عديدة .. نظراً لأهمية مضمونه .. حيث تحدث المؤلف فيه عن شمولية رسالة الإسلام الخالدة .. وعن حقوق الإنسان  الأساسية في الإسلام .. ورغم علاقاته – حسب علمي –  بالحركات الإسلامية بوجهٍ عام , إلا أنه مع ذلك تحدث في هذا الكتاب عن "سلبيات الحركة الإسلامية المعاصرة " من وجهة نظره ..والتي تمثل بعضها كما جاء ذلك بالكتاب وبالنص :

    o          فقدان الروح الجماعية المنضبطة

    o          محاولة فرض الفهم الواحد فيما يحتمل تعدد الأفهام

    o          الإستكانة إلى الدعة والإسترخاء .. بعيداُ عن المغارم .. قريباً من المغانم !

    -           وهي لعمري سلبيات ظلت ولا تزال تظهر جلية يوماً بعد يوم .. خاصة من بعد ثورات الربيع العربي !!

    -           كما قرأت بعض مؤلفات إبراهيم الوزير  - رحمه الله – والتي تمثل توجهاً عالمياً وإنسانياً للفقيد ..

     والتي منها : " البوسنة والهرسك .. عار للمسلمين وجرح في ضمير الإنسانية " .. وهو كتاب وثائقي عبر معلومات موثقة وهامة عن " أبشع جريمة إبادة عرفها الإنسان على مر التاريخ .. تحت سمع وبصر من يدعي التحضر والإيمان بحقوق وكرامة الإنسان "

    -           وكذلك كتاب : " شهادتان هما منهج حياة " حيث اعتبر المؤلف أن " لا إله إلا الله محمداً رسول الله " هما الخطوة الأولى إلى تنفيذ منهج الوحي الإلهي ممثلةً في تحرير الإنسان من ظلام العبوديات الزائفة والإنتقال به إلى كرامة العبودية لله "

    -           وكتاب : " هموم وآمال إسلامية " والذي جاء عبر حوار فكري ممتع بين علمين من أعلام الثقافة الإسلامية المعاصرة .. احدهما إبراهيم بن علي الوزير نفسه .. والآخر هو الدكتور / حسين مؤنس – احد أبرز علماء التاريخ الإسلامي والحضارات المقارنة - .. فتناول الحوار هموم العالم الإسلامي بوجهٍ عام .. ثم تشخيص الجراح والأمراض وأسباب شفائها من وجهة نظرهما ..

    -           وهناك كتب عديدة ركز المؤلف فيها على هموم وقضايا وطنه اليمن .. والتي منها :  " مسيرة جهاد .. تبيان حقائق ..  و نصح مشفق أمين " .. والذي تحدث فيه الفقيد عن بعض ذكرياته مع بعض رفاق مسيرته .. ومدى توافق وتوحد الآراء والتطلعات نحو بناء اليمن .. بجانب إبراز ما لاقى وأشقاؤه من محن وكوارث وضياع لحقوقهم خاصة بعد ثورة 26 سبتمبر .. رغم أن الفقيد –حسب شهادة طه مصطفى- مدير مكتب الزعيم عبدالله السلال – كما جاء ذلك بنفس هذا الكتاب : " هو ودماء أبيه وأسرته وجهادهم وتضحياتهم ونكرانهم لذواتهم .. هي التي مهدت لزوال الأسرة المالكة قبل قيام ثورة 26 سبتمبر المجيدة "

    -           وللعلم .. فإن هذا الكتاب جاء بمثابة  رسالة وتذكير مرفوعة من المؤلف للقاضي عبدالرحمن الإرياني – رئيس المجلس الجمهوري الأسبق – رحمها الله –

    -           إضافة إلى كتب أخرى عديدة مثل : " الحصاد المر" و "بين يدي المأساة" و " لكي لا نمضي في الظلام " .. وغيرها من الكتب والمحاضرات العامة بمختلف التوجهات السياسية والثقافية والفكرية  والتي طبعت كلها غير مرة .. ليعرف الفقيد الراحل عبرها وعبر نشاطاته المتعددة والمتنوعة داخل وطنه العربي والإسلامي الكبير بكونه من أبرز رجال الفكر الإسلامي المعاصر – رحمه الله –

    -           وبقدر معرفتي بالفقيد من بعض مؤلفاته .. عرفته عياناً عبر زياراتي المتعددة لشخصه الكريم مع بعض الزملاء احياناً .. وبصورة منفردة أحياناً اخرى . سواءً بمنزله بمدينة جده أثناء دراستي الجامعية أو في العاصمة الأمريكية واشنطن أثناء الدراسة أيضاً .. ومن خلال تلك الزيارات المتعددة .. عرفتُ الكثير والكثير من الصفات الحميدة والنادرة التي كان يتصف بها إبراهيم الوزير..  بجانب بساطته وتواضعه الجم وحضوره اللافت بدون تكلف .. وترحيبه بكل من يرغب بزيارته مهما كانت توجهات ومواقف الزائر منه أو من بعض مؤلفاته وتوجهاته السياسية بالذات .

    -           مع قيامه شخصياً بزيارة بعض طلابه ومحبيه .. والإستفسار عنهم عبر التواصل الشخصي أو التليفوني .. وهو ما حدث غير مرة مع كاتب هذه الأحرف .. خاصةً أثناء الدراسة بالولايات المتحدة الأمريكية .

    -           وفي نفس الوقت .. أود التأكيد هنا , بأن علاقة الفقيد كانت عامة .. إذ لم تكن محصورة بفئةٍ  دون أخرى ولا بأعضاء حزبه أو بمن يتفقون معه بكل توجهاته فقط .. فرغم العلاقة التي سعدتُ بها معه –رحمه الله – والثقة المتبادلة .. وتكرار زياراتي له بجده وواشنطن .. إلا أنه لم يطلب مني الانضمام إلى حزبه عدا مرة واحدة .. حينما طلب مني بطريقة ذكية ومرنة .. طرح مآخذي على حزب " إتحاد القوى الشعبية " حتى تتاح له الفرصة لمناقشتها .. لكنني أكدتُ له عدم رغبتي بالإنتماء الحزبي بوجهٍ عام .. وليس غير ذلك , ليعتبر ذلك بمثابة موقف ظل –رحمه الله – يقدره طيلة العلاقة التي سعدت بها معه .

    -           مع أني لم أكن أتوقع حينما رفضتُ الحزبية آنذاك أن تصبح اليوم في وطنٍ لا يزال يعاني من أميةٍ مزدوجة .. وتخلف قبلي مؤلم .. هي المؤهل الأول والأخير لشغل الوظائف السياسية  والقيادية .. رغم الإفتقار للمؤهلات العلمية والإدارية , بل والوطنية ! –إلا ما ندر-  .. وتغلب الجوانب القبلية والشخصية وهيمنة الفرد على الجوانب والضوابط الحزبية ذاتها .. والحاضر المؤلم الذي نعايشه في اليمن اليوم خير شاهد !. وهو ما يدفعني إلى الإستمرار في الرفض المطلق للإنتماء الحزبي رغم ما يمثل ذلك من حرمان لشغل بعض الوظائف السياسية والقيادية .. وإن كان ذلك قد يكون مؤقتاً .. إلخ

    -           وهكذا .. استمرت زياراتي للفقيد الراحل والتي كان آخرها قبل بضع سنوات حينما زرته بمنزله بجده أثناء ذهابي لأداء العمرة .. مع استمرار التواصل التليفوني إلى قبل مرضه الأخير – رحمه الله –

    -           وإن أنسى .. فلن أنسى إحدى زياراتي له بجده مع زميلي القدير –يحيى الشاوش- الذي اخطأ في خروجه من الحزبية حسب علمي .. ليصبح ضحية كحالي !! .. حينما أصبحنا بمثابة غرباء بمكان عملنا الوظيفي والمسمى بـ " مكتب رئاسة مجلس الوزراء "أمام الورثة الحزبيين الجدد ممن تنحصر مؤهلاتهم بالإنتماء الحزبي فحسب !

    -           أقول .. لن أنسى زيارتنا للفقيد الراحل معاً .. وعند خروجنا من منزله إتجهنا لزيارة أستاذنا الكبير أحمد محمد نعمان – رحمهما الله- وهو ما كنا نقوم بالزيارتين معاً وبيوم واحد أحياناً  .. لنتفاجأ بزميل ثالث عقب لقائه بنا يومذاك وهو يتساءل بخبث .. كيف استطعنا أن نجمع بتلك الزيارة بعض التناقض وبوقت واحد- حسب تعبيره - ؟! مع أن ما وصفه زميلنا بالتناقض والذي بات بفضل تناقضاته ذاته مسؤولاً .. وثرياً كبيراً ! .. لم نجده طيلة زياراتنا العديدة بكلا الرجلين الكبيرين ! بل إن الأستاذ أحمد محمد نعمان .. كان ونحن بجواره بمنزله بجده .. يتحدث عن رفاقه في الجهاد ضد التخلف بوطنهم بكل تقدير وإعجاب ومنهم السيد إبراهيم بن علي الوزير والذي كان هو الآخر يشيد بمآثر ومناقب رفاقه وفي مقدمتهم الأستاذ النعمان ودوره التنويري الذي لا ينكره إلا جاحد " وذلك هو ماكنتُ شخصياً أسمعه من كليهما – رحمهما الله-

    -           ثم .. مع استمرار معارضة إبراهيم الوزير للأنظمة الديكتاتورية التي منيت بها اليمن – خاصة النظام السابق الذي انتهى عرضاً وليس جوهراً !! .. ظل ذلك النظام ذاته يحارب الفقيد سياسياً وإعلامياً دون هوادة .. وبطريقة مثيرة للشفقة والإشمئزاز أحياناً .. وعبر افتراءات وأكاذيب ماثلة للعيان أحياناً أخرى .. ومن ذلك قيام بعض الصحف التي كانت محسوبة على النظام ذاته قبل انقلابها عليه بعد ثورة الحادي عشر من فبراير .. حينما كانت مع بداية العقد الاول من هذا القرن تنشر أخباراً عن بعض اللقاءات التي كانت تجمع السيد / إبراهيم الوزير مع بعض كبار المسؤولين الأمريكيين بالعاصمة الأمريكية واشنطن ! .. بينما الفقيد – رحمه الله -  ولظروف شخصية ومرضية وليست سياسية .. لم يعد يتواجد بالولايات المتحدة الأمريكية منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م وهذا على سبيل المثال وليس الحصر !!

    -           أجل .. خسرت اليمن إبراهيم الوزير منذ سنوات طويلة – حسب تعبير زميلي القدير الأديب علي المقري .

    -           لكنني أجزم .. بانه لو عاد إلى اليمن للإستقرار فيه لظل مهمشاً كبعض أقرانه من الثوار .. او لظل يقتات الفتات –إن صح التعبير- !!

    -           ثم وهو الأهم .. لو عاد إلى وطنه لما ظهرت تلك المؤلفات الثقافية والفكرية والتي جعلت منه أحد أهم المفكرين الإسلاميين المعاصرين أو هكذا يفهم أمثالي !!

    -           وبعد .. إن ما قمتُ بتسطيره هنا عن الفقيد / إبراهيم الوزير – رحمه الله- إنما هي مجرد كلمات عابرة لا تفيه حقه ,  لكنها قد تمثل جهد المقل أمام بعض الوفاء والعلاقة التي ظلت قائمة رغم بعض التباين الذي لم يفسد بيننا  للود قضية .

    -           هكذا كان إبراهيم الوزير .. وهكذا عرفته – يرحمه الله - .  

    تم طباعة هذه المقالة من موقع التغيير نت www.al-tagheer.com - رابط المقالة: http://al-tagheer.com.com/art27524.html