2014/08/03
  • الخاتمة شكوى
  • وقفت في شرفتي في الدور الثالث ، شرفة ضيقة لا أستطيع ادخال حتى كرسي فيها، بل أظل واقفة و إن تعبت.استنشق فيها هواء بارد عليل و في ذلك سلوى لي وشفاء. انها شرفة مكشوفة لا أستطيع أن أقف فيها إلا بكامل حجابي أو ليلا و هو ما افضله. أخرج بدون حجاب  مرتدية ملابس النوم ، حيث لا يوجد امام العمارة إلا أرض ترابية ، خالية ظهر لها أكثر من مالك و كالمعتاد يترامي بالرصاص بسببها أطراف عدة بين الفترة و الأخري. لكن عندما يفرش الليل عبائته السوداء على الدنيا و تندر حركة أي شيء في الشارع... يبتلع الظلام كل الأحياء عندئذ أخرج إلى الشرفة. وقتها لا يوجد في الشارع إلا مجموعة كلاب ضالة و مسكينة. احيانا تمشي الكلاب كقافلة واحدة شريدة  و احيانا تتعارك و تنبج و يكون عراكها مجهول الأسباب. ظللت أتنشق الهواء العطر الجميل علني أبرد من حمم غضب كنت أشعر به بداخلي. قد يسألني السائل غضب ممن؟ أجيب غضب  من كل شيء نعاني منه و يتعب قلوبنا في اليوم الواحد من حياتنا . حين أحس بالهواء البارد قد دخلني من مسامي ، و نزل كالمطر فوق جلدي أشعر بهدوء داخلي و سكينة فيصبح غضبي مجرد أشواكا في قاع قدمي الحافية، أنتزعها بيدي...و أدخل – ولو مترنحة و لو عرجاء - لأنام! فالحياة تسير ، بنا تسير ، بدوننا تسير،و على أشلائنا تسير.

    في تلك الليلة خرجت إلى الشرفة مثقلة بعد أن تمشيت في شقتي ، متلفتة حولي ، علني أقبض على همومي متلبسة بالتحرش بي فأوسعها ضرباً. غير أنني لم أجد منها شيئا. أنها هموم لا تُلمس ، لا ُترى و لا جسد لها ُيعتقل. فقط اسمع فحيحها القوى خلف اذني و هو يهمس لي همسا حارا قويا يكاد يحرك خصلات شعري. الأمور التي تثقلني هموم صغيرة بل و بعضها تافهة. لكنني تنحيت للهموم جانبا، لكي تحط فوق رأسي كطن من الحديد دون أن تسحقني بعد أن تذكرت أن الحياة الحديثة ما هي إلا مجموعة توافه !

    هاهو البرد هذا العام، عام ألفين و واحد قد هجم علينا ، و لم نجد ما نبارزه به. سددت شروخ النوافذ بالجرائد. ملابسنا الصوفية قد ضاقت علينا ـ بليت و زادت فيها الثقوب. البرد جبار لا يرحم أجساد الأطفال الطرية كالورود. أطفالي يتقوقعون بين أطراف و ثنايا البطانية الصغيرة الواحدة كما كانوا يتقوقعون و هم في رحمي. أنبض بكلي حباً لهم.  أيها الشتاء ارحل سريعا فكلنا تواقين لدفء شمس الربيع. أما الهم الثاني فكان العام الدراسي الذي هاجمنا مقتربا من عتبة أبوابنا. صارت أسعار الدفاتر و الأقلام و المساحات الحلوة الرائحة في إرتفاع مستمر. هل يدفعنا الفقر إلى هجر المقاعد الدراسية و العلم في زمن الكمبيوتر و السفر إلى القمر؟ معادلة صعبة و تكمن صعوبتها أن إجابتها واضحة و معروفة لكنها صعبة الكتابة!

    أما الهم الثالث فهو المطبخ الذي صار كالكهف من خوائه. اذا ناديت فيه سرعان ما يرتد إلى اذنيك الصدى. اسعار كل شيء ترتفع و رواتب الناس كما هي. كل شيء يرتفع سعره حتى سيطر على الجميع فكرة التسعير. صار كل شيء له سعر حتى دفء المشاعر، المجاملات ،الابتسامة الحلوة، الود، الطاعة ، الخدمة ، الاحترام و حتى جبر الخواطر له سعر. تنهدت... هذا طن من همي ، لا أجد له حل سوى الوقوف في هذه الشرفة و التنهيد. قطع حبل أفكاري صوت بكاء مولود جارتي.

     بكاء هذا المولود يجعلني أزفر ضيقاً لأنني لم أزر أمه و لم ابارك لها المولود الجديد لأنني لا أملك قيمة هدية لائقة و لا غير لائقة لأقدمها لها. كذلك تحرجت من زيارتها بدون هدية لأن في ذلك خروج عن المألوف و أستسخفت ما تلجأ له بعض النساء من التعذر برداءة البضاعة في السوق و تدني مستوى خام الأقمشة.

    لكن برغم هذا الضيق و ذاك إلا أنني كنت حامدة الله على العافية التي سبغها على أولادي و علي أنا. عيب أولادي الوحيد كان أنهم يكبرون باستعجال و ذكائهم يحتد سريعاً. صاروا يفتشوا في كل جهات عن الأمان الذي يفتقدوه.يفتشون عنه حتى داخل أحداقي فتمد اليهم احداقي يد الاستنجاد ، فيتركون عيناي و يتطلعون إلى السماء ، إلى السحب ، إلى الفضاء... لكنهم لا يجدونه لأن البشر الأشرار قد اسروا الأمان في أوكارهم و دهاليز تفكيرهم المتطرف. أما أنا و ماذا أقدم لأولادي؟ فلا شيء البتة و الله سوى أنني أغرقهم حبا و أمطرهم حنانا. أما الأمان يا صغاري – فمن أنا لأكون قادرة على توفيره لكم – و قد عجزت دول و حكومات لها رجال لهم شوارب و نفوذ عن توفيره للشعوب. أما أنا فما أنا إلا أم أرملة عجزت عن شراء لعبة تمرغتم في الأرض لكي تجبرونني على شرائها. عندما يكبر الصغار و يتعلمون الالحاح في مطالبهم أبدأ أنا برشهم بمبيدات ُتخرس مثل :" ليس معنا قيمة هذا" أو " ليس ذلك لنا" أو "يكفينا من ذاك"...و عندما تفشل هذه العبارات أبدأ بشن هجوما مضاداً و أستخدم عبارات من هذه النوعية التوبيخية:" انظروا الى الأغنام كيف تأكل من القمامة و رائحتها كريهة ثم تذبح و احمدوا الله على حياتنا كبشر." فاذا فشلت كل هذه العبارات الهجومية و استمر الحاححهم اهرب إلى غرفتي لأبكي لأنهم – الصغار – لا يدركون معنى "لا أستطيع". شعرت بالعطش فدخلت إلى شقتي لأشرب. مريت على صغاري لأدفيهم بالبطانيات و المناشف و تأملت وجه صغيرتي. كانت تريد بطانية وردية مرسوم عليها باربي العروسة الشهيرة. لم أستطع شرائها لها فبكت حتى نامت. دخلت إلى المطبخ لأشرب فوجدت فاتورة الكهرباء مطوية على الطاولة... لا يوجد في الشقة كهرباء فمن اين جاء المبلغ الواجب دفعه في الفاتورة؟! سرحت أفكر... هل يأتي يوم نتعب فيه من اللهاث و نستكين لنتنفس بهدوء رافعين الرايات البيضاء في وجه حكومتنا العدوة  التي تسرق حقوقنا بتجبر و عنجهية، متوقفين عن القتال في هذه المعركة التى ُتسمى "حياة"؟  بجانب فاتورة الكهرباء ورقة خطية من مالك العمارة يطالبنا فيها باخلاء الشقق لأنه سيأجر العمارة بالكامل لطبيب يريد افتتاح مستشفى في هذه العمارة . نحن – المستأجرين - ليس لنا أي حقوق و لا نقابة أو هيئة تحمينا أو بعبارة أخرى في موقف كهذا كأنما الدنيا بأسرها تطردنا إلى الشارع! يريد مالك العمارة و خلال اسبوعين من تاريخ الانذار أن نخلى العمارة، و هذا جيد و استثمار ممتاز له و لكن ماذا عنا نحن ، أين نروح؟ هل نحزم أمتعتنا فوق ظهورنا و نرحل في قوافل كالغرباء؟ هل نسكن الخيام مثل اللاجئون؟ سؤال جاد يحتاج إلى جواب قبل أن يهيم المشردون في الأرض و يصبح عددهم في ازدياد. تذكرت أنني لم اشرب فسكبت الماء و ما أن بدأت أشرب حتى سمعت صوت ضرب رصاص متتال ، برغم تكرار ذلك إلا أنني في كل مرة أخاف جداً و أجمع صغاري حولي و نركض إلى الصالة الداخلية حيث لا نوافذ بعدما سمعنا عن طفل يلعب في بيته اخترقت جسمه البريء رصاصة طائشة من اناس يترامون على أرض لانه كان في غرفة فيها نافذة.نتجمع أنا وصغاري و ننبطح أرضاً، تزداد دقات قلوب صغاري و تتسع الأحداق رعبا في بلد ليس فيها قانون ، و إن وجد فهو لا يحمي إلا الذئاب. لست أدري لماذا هذه المرة لم أخف ، أو لنقل مللت أن أخاف! مشيت ببرود و تمهل. حتما هذا الرصاص من اولئك الأغبياء الذين يترامون بالرصاص و هم لا الأرض أرضهم و لا فائدة الأرض عائدة عليهم فقط يحكمهم الغباء و الحاجة. أما أصحاب الأرض فهم يديرون المعركة من برج المراقبة و صغارهم يسبحون في مسابح داخل قصورهم الفاخرة. و هكذا يتحارب عبيد طرفين من السادة على ارض المضحك أنها أصلا ليست لأي منهم و انما هي ملك طرف ثالث مستضعف تم سحقه مسبقاً. الموضوع – و الحق يقال – مضحك جداً ، أن يفقد إنسان حياته من أجل "أرض" شخص أخر ، لا من أجل الله و لا من أجل وطن و لا حتى من أجل عرض. لكن هذا هو حال منجم الذهب عندما يفقد الحراس. فمن ذا لا يشتهي الذهب عندما يكون الذهب في متناول أياد الناس؟ عدت إلى داخل شقتي بعد أن أزدادت الطلقات النارية وميضا ، وسط سواد السماء. هؤلاء يلعبون فعليا لكن لعبتهم موحشة لأنها رصاص.

    يا الله ....أنا فعلا متعبة. فماذا لو نزلت أدوار بيتي الأربعة و مشيت إلى هؤلاء الهمج و بكلتا قبضتاي أمسكت بمعاصمهم ، رجوتهم أن يتوقفوا لأنني أريد أن أوقد في حياتي شمعة ، أو فانوسا ، أحتاج لكي أوقدها لعون قلوب و عقول تبث غضبها و غيظها بشكل راق بدون رصاص. تعبر عن شكواها شعرا، غناءً، ثرثرةً ، قرع أجراساً أو حتى ضربا للأرض بأقدامهم.أنا لا أحب الرصاص. كذا أحتاج بعد أن تضيء الشمعة لأناس قلوبهم قوية يشعلونها معي ثم يجلسون  صامتون ،مقابلين لي  و يكونون لي النديم.لا أريدهم متسائلين و لا مستفسرين، لا أريدهم مقاطعين و لا مزعجين ، مثرثرين ، حتى أنني لا أريدهم أحياء إلأ بحاسة البصر و شيء من البريق.

    فعلا متعبة من الدنيا و الناس. أريد أن أغفو لأجيال. هل يفهم هؤلاء الأغبياء أنني منذ سنين لم أقارب شعلة الحلم و إن كنت أدور حولها باستمرار؟ ألسنة نار تعلو و تنخفض و أنا لا أجروء على الاقتراب لأنني أخاف الحريق. هل يفهم هؤلاء أن الحياة ليست لعبة نحاول امتلاكها بالرصاص، بل هي عجلة كبيرة جبارة من الحديد ، نركض و نلهث لنسبقها لكنها تسبقنا و تخطو فوقنا ؟ هل يفهم هؤلاء الأغبياء أن الحياة غالية و هم بكل غباء يدحرجون حياتهم ككرة في ممر فتزيح كل العراقيل و العقبات ، فيخطو بعدها اصحاب الأراضي  في طريق معبد ، آمن من ذهب. هل يفهم هؤلاء الأغبياء أنني رسمت سابقا لوحة للمستقبل و أن العمر مر و ها أنا أقف بعيداً جداُ مما رسمت. هل كان الحمق في الرسامة و الريشة و الألوان؟ أم كان الحمق في زوار المعرض الذين تمشوا و داروا حول اللوحة و لم يفهموا معناها؟  و الرسامة مسكينة... ليس لأن لوحتها لغز و لكن لأن فنها لم يُفهم. أنا أعترف اليوم أنني دخلت عالم الكبار دون أن أعلم،عالم المسئوليات ، عالم النهود و الشوارب ، عالم كله وساخة و خيانة لا فيه أخ و لا خالة و لا أقارب! أعترف ، دخلت عالم الكبار بكل ما فيه من قرف. دخلت فيه باختياري و لم يجرجرني إليه أحد. لكنني دخلت إليه و لمست قاعه و طبعا وجدته قذرا، وجدتني أرتعد منه، ندمت على الدخول إليه و الأن أنا جادة في كوني أريد أن أتراجع. أريد أن أدخل في ثنايا فراش صغاري لأغفو معهم كما يغفو الأطفال. سأتنشق الهواء النظيف مثلما يتنشق كل أطفال الدنيا تلوث الهواء عبير عطر و نسيم عليل.

    أعادني إلى الواقع صوت ضرب رصاص، الأرض المشؤمة الناس تترامي بسببها بالرصاص. وصل إلى مسمعي أصوات بكاء صغاري المذعورين..قبل أن أدخل لطمأنتهم اخترقت عنقي رصاصة و سال دمي فوق عنقي و كتفي كالزيت الحار. قتلني الأغبياء ، لكنني أشكرهم لأنهم أراحوني من ليل طويل و هموم من تشابكها ما عدت أعرف منها خلاص. 

    تم طباعة هذه المقالة من موقع التغيير نت www.al-tagheer.com - رابط المقالة: http://al-tagheer.com.com/art27922.html