2015/10/10
  • و هذا، بس المدرسة!
  •  اهم شيء في حياة الأطفال من بعد المأكل ، الصحة، و وجود الوالدين  هو حتما " التعليم". التعليم هو ما يؤهل الطفل لعيش حياة متوجة بالنجاحات. بعد وصول هذا الأب الذي سأحكي لكم عنه اليوم الى القاهرة هاربا من الحرب التي شنتها السعودية مع اثرى عشر دول في العالم على اليمن بلد البؤس المتأصل و الفقر الخام. كان باستمرار يتأمل افراد اسرته شاعرا بنشوة كونه استطاع ان ينتشلهم من ذعر القصف. و ما ادراك ما القصف؟ انه دوي الموت داخل طبلة اذنك. جاء الى مصر برفقة زوجته و ابنته عمرها اربع سنوات و ابن عمره عشر سنوات. كانت دراسة هذا الابن  هي الهدف الرئيسي للنزوح. فمستقبل ابنه هو الأهم.  يحتاج هذا الابن الى مواصلة تعليمه. فقد قامت الحرب عقب انتهاء امتحانات نصف السنة و تم معادلة شهادته لتثبت انه اكمل صف رابع . كان الأول على الفصل في اليمن. اما في مصر، فانه يقضي معظم  اوقاته داخل الشقة إما و هو يلعب باللآي باد أو يشاهد الكرتون في التلفاز. كان يلح في سؤال والده:-" متى نرجع صنعاء يا أبي؟ اشتقت لخروجي مع ابناء الجيران نستبق فوق دراجاتنا." .اذا تنهد الولد  تنهيدة مسموعة علق والده قائلا:-" احمد الله يا بني ، الأولاد في اليمن تحت القصف. كثير منهم لا يجدون ما يأكلون. اما الدراسة لهذا العام فلا اظنهم سيدرسون  لذا اريدك ان تحمد الله و تتأدب!" فيبلع الولد اللقطات الحية بالصوت و الصورة و الرائحة دفعة واحدة! دراجات ، اصدقاءه، ضحك ، غبار، جعالة... يبتلع كل هذا  حتى يكاد يختنق من حجم المضغة. في الليل يسهر الوالد لمتابعة الأخبار. يخرج الولد و يقترب من والده ، يطوق عنقه موشوشا اياه :-" بابا؟ ما ينفعش نرجع و لو حرب؟" يجيب الوالد المستاء من سوء الأخبار:- " يا ابني ، الله يرضى عليك. قد القصف بيطال المدرسة و البيت و قاعات الأعراس. تشتي يقصفوك و انت فوق السيكل؟" عض شفته السفلى من بشاعة  الاحتمالية.  اردف:- " محد مات، لا احمد و لا علي و لا عبدالرحمن و لا محمد و لا...." قاطعه والده :- "الحمد لله،  الله يحفظهم، لكن ما الدراسة صدقني ، صعب يدرسوا هذا العام." صمت الابن و عاد ادراجه الى غرفة نومه. انتهت الأخبار وذهب الى فراشه و في الطريق مر بغرفة ابنه. كان قد نام لكنه بلل الوسادة من طيلة البكاء فيما يبدو. تحول الألم الى يد اعتصرت قلب والده حتى جعلته يقطر دما ، ماذا بيدي يا صغيري؟ ليت الأمر بيدي. لأوقفت الحرب قبل ان تبدأ. الحرب حدث "جسيم" ، لا يملك حتى الرجل القوي الآمر الناهي في منزله أي قرار فيه. الحرب مركبة آلية تدك عظام البشر و الرجال كذلك. الرجال في الحرب ليسوا رجالا، انهم مساكين  كالأغنام تساق الى حيث يريد راعي الحرب. اما المفارقة فهي ان صناع الحرب رجال ايضا. الحرب لقطات هوليودية في فيلم اكشن ابطاله من ابالسة اليمنيين ، جن العرب و عفاريت غربية. كان الوالد شديد الحرص على دراسة ابنه. زار مدارس عدة قد يصل عددها للخمسة و العشرون مدرسة. جميع المدارس ابلغته انه جاء متأخرا و ان التسجيل قد انتهى للعام الدراسي 2015-2016 و انه لا يوجد مكان شاغر في صف خامس لطالب اضافي. شرح لهم انه آتى للتو من صنعاء هاربا من الحرب. فيرى على وجوه موظفات الاستقبال في المدارس التي زارها:-" ياه؟ هو في حرب في اليمن؟" فأجاب باستغراب:-" ياه؟ هو انتوا ما سمعتوش؟" اجابت احداهن بغمزة و خفة ظل :-"انا بسمع بس اغنية يا منعنع  لمصطفى حجاج." ما شاء الله عليه الشعب المصري، منشغل بأمور حياته و يبحث عن تحسين وضعه و يتسلى في وقت فراغه، اما عندنا في اليمن فحتى عامل النظافة ، يتجاهل مأكله و ملبسه راميا المجحفة خلف ظهره، ليناقشك في السياسة ، يحطمك بثقته - المستفزة لقواك العقلية - في صحة تحليله للوضع و ان الحوثي مدعوم بجن يجعلون الناس يناصرونه! شرح يومها للموظفات البشوشات ، المبتسمات،  ان السعودية تحارب الحوثيين صحيح، لكنها تقصف كذا الموانئ شهوةَ و ليس غلطة ، و تقصف صنعاء القديمة حسداً و ليس غلطة. سوري يعني ، بس حاء سين دال الف منونة، و تقتل الأطفال كفراً و ليس غلطة. كانت رسوم المدارس في مصر تفوق قليلا رسوم مدارسنا الخاصة في اليمن مع فارق عظيم في المباني المبنية منذ البدء لتكون مدارس، مساحات شاسعة للملاعب، الباصات الكبيرة، الاهتمام، المقاعد الممتازة و الديكورات التي تضفي على الأجواء اريحية و ارتياح. الى جانب رسوم اشتراك الباص، سعر الكتب و قيمة الزي. كان اجمالي المبلغ باهضا بالنسبة لرب بيت ما عاد لديه دخل شهري، بل ينفق من ما كان يدخره خلال عمله في الشركة في اليمن لسنوات طويلة. بعد زيارة عدة مدارس عرف ان هناك لغة ثانية اجبارية الى جانب الانجليزية و هي إما الفرنسية او الألمانية. انها مادة يدرسها الطالب المصري منذ الصف الأول. استفسر الوالد عن امكانية حذف هذه المادة بالنسبة لابنه، بأخذ اعفاء من وزارة التربية و التعليم المصرية مثلا فأبلغته مديرة احدى المدارس ان ذلك مستحيل لأن في نهاية العام تقوم الوزارة بمحاسبة المدارس التي لا تحترم اللوائح و القوانين. سألها الوالد:- " طيب كيف نعمل؟ ابني لا يعرف صباح الخير بالفرنسي، و زملاءه يدرسون فرنسي منذ اربع سنوات ، لا أريد ان يتعقد ابني، خاصة انه في اليمن الأول على صفه." اجابت المديرة :-" جيب له مدرس خصوصي." سألها:-" وكيف سيدرسه استاذ في بضعه حصص ما درسه زملاءه خلال اربعة اعوام؟" ضاقت المديرة فأضافت:-" ماعرفش والله، بس اللغة الثانية إجباري." تلك المدرسة كانت الوحيدة التي ابلغته انه يوجد مكان شاغر في صف خامس. طلبت منه ان يحضر ابنه يوم غد لكي يأخذ امتحان القبول فإن اجتازه سُيقبل الطالب في المدرسة. ذهب صباح اليوم التالي معه. ادخلوا ابنه مكتبة و دخلت معه معلمة بدينة و وضعت امامه ورق الامتحان. كان منظر ابنه مثير للشفقة. مثل يتيم ُاجبر على حضور حفل عيد الأم. اغلقت المعلمة الباب. ماهي الا نصف ساعة حتى فُتح الباب و بدا ابنه منه مستغيثا:-" بابا، سؤال في الانجليزي عن اسم فندق في شرم الشيخ وانا لا سرت شرم الشيخ و لا اعرف الفندق." دخل الوالد مربتا على كتف ابنه و شرح للمعلمة:-" الولد لم ينتقل من مدرسة أخرى، بل جاء من بلد أخر. مناهجنا تختلف. اسئلة مادة الانجليزي يجب الا تتضمن الا قواعد اللغة و الازمنة المختلفة اما اسم فندق فمعلومة في درس هو لم يدرسه." اخبرته ان هذا الامتحان للجميع. لم تتفهم وجهة نظره برغم بداهتها. طلبت منه الخروج لأن اولياء الأمور ممنوع تواجدهم مع أولادهم ، فتراجع خطوات الى الخلف و هو يكرر في الشرح:- "من أين سيعرف الولد اسم الفندق في شرم؟" اجابت و هي تغلق الباب دونها هي و ابنه،:-" حضرتك روح راجع الادارة، انا برائب بس ."خرج الوالد كسير و رآه ابنه انكساره. انتظر في الخارج. خرج الولد بعد ساعة. امسك  يد والده و اتجها للدرج بينما لحقت بهما الأستاذة لتنبؤهم ان النتيجة بعد يومين. سمع صوت ابنه:-" بابا؟" أجاب :-" هاه؟"  قال الولد :-" المس غششتني كل شي يا بابا. حتى الفرنسي الذي ماعرفاش غششتني هو، و ملتني الأحاديث النبوية." صمتا وبصمت هبطا الدرج. كان الولد يتفرس في وجه ابيه ،منتظرا ردة فعل لم يخيب الوالد ظن ابنه بها و اجاب:-" بلاش منها مدرسة الغشاشة هذه. سنجد مدرسة اخرى الله كريم." بعد قليل رن هاتف الوالد ، كانت الأستاذة تبشره:-" مبروك يا فندم، الطالب اكسبتد معانا، ممكن تيجي بكرة تسدد المصاريف و الكتب لسة كمان شهر. عايزة الحلاوة بئة." هي هذه النعنعة الزائدة عن الحد . حلاوة على غش؟! يخ و الطعم الي عيكن فيها! ابلغها انه صرف نظر عن المدرسة و انهى المكالمة بينما سمع  صوتها تسأله:-" لية بس يا فندم؟" استحى ان يقول لها بسببك يا أستاذة يا فاضلة! اشتدت قبضة ابنه  على يده .خشي الأب ان لا يجد مدرسة أخرى تقبل الولد سوى هذه المدرسة لكن المسألة كانت مسألة "اكون اب قدوة في نظر ابني او لا أكون." بدأ رحلة البحث عن مدرسة من جديد . قيل له ان هناك مدارس تابعة للأزهر الشريف ، لم ينجح في تسجيل ابنه كونهم يشترطون حفظ الطالب كحد أدنى ثلاثة اجزاء من القرآن، و الولد من هول القصف قد نسي اسم السورة التي درسوها عشية قيام الحرب. بعد أيام قليلة اتصل به صديق ليذكر له اسم مدرسة قبلت طلاب يمنيين و وعدت بتنسيق حل جماعي لمادة اللغة الثانية. هرع اليها. كان امتحان القبول فيها ب50$ غير انه دفعها عن طيب خاطر لكي يدرس ابنه. خرج الولد من غرفة الاختبار فسأله والده:-" احد غششك؟" هز رأسه نافيا و احس الوالد انه يكذب ليعيش.  في اليوم التالي اتصلت سكرتيرة المدير وعرفت بنفسها ثم قالت:-" الطالب اكسبتد معانا. مبروك. بس لازم حضرتك تقابل المدير عشان تتعهد بمساعدته في مادة الراياضيات." قال:-" اكيد ، ابني الأول على صفه و سيجتهد و سيكون الأول عندكم." ضحكت ضحكة مجلجلة:-" الأول عندكو في اليمن ، اما هنا في مصر لازم يشد حيله جدا عشان المدير حيدي له فرصة شهر بس. لو ما اجتهدش حيتم الاعتذار لحضرتك." تمتم الأب بحزن :-" تمام." حددت له موعد صباح الغد لمقابلة المدير. ذهب فقالوا له ان المدير كابتن طيار و لديه رحلة جوية الأن و انه فهم غلط عندما حضر الأن. فعاد الى المنزل داعيا الله ان توب علينا و جملنا بالصبر يا ارحم الراحمين. بعد اسبوع اتصلوا به لمقابلة المدير فهرع الى المدرسة. هناك اعتذرت له موظفة الاستقبال ان المدير اتصل للتو طالبا تأجيل الموعد الى الغد لأن الكوبري زحمة جدا و لن يصل المدرسة إلا عصرا. غضب الأب و صاح:-" المفروض تتصلوا بي قبل وصولي المدرسة. أنا مش لعبة." اجابت الموظفة:-" بجد احنا آسفين. حضرة المدير لسة معتذر قبل خمس دقايق. معلش. هدي نفسك يا فندم و ما تضايقش روحك." خرج من المبنى و فورا استلم مكالمة من موظفة الاستقبال في المدرسة:-" للأسف يا فندم. الطالب مش اكسبتد معانا. عصبية حضرتك مش مقبولة عندنا.  بنبلغك اعتذار المدرسة عن قبول الولد." غضب الأب و انفعل انفعال شديد لدرجة انه كان ينطق الكلمات غلط، قال:-" هذا كلام ما ينفعس. اسمعولي ، اسمحوا لي زودتوها قوي. ساعة اكسبتد و ساعة مش اكسبتد. مش احنا على مزاج سمو مديركم. بعدا ليش فاعلين له هذه الهيبة و بتبجلوه مثل تبجيل قريش للأصنام. مدراءنا في اليمن بشر. ايش في؟ مالكم، يلعن ابو اشلالكم؟" خافت الموظفة من غضبه، فأنهت المكالمة. عاد ادراجه الى داخل المدرسة و جبينه يتعرق و دقات قلبه تتسارع:-" خلاص ، رجعوا لي الخمسين الدولار." اجابت :-" لا يا فندم، دي لملف ابن حضرتك." قال لها بحدة:-" ملف ابني الذي اترفض؟" اعتذرت منه و ابلغته ان المبلغ لا يتم استرجاعه. دقائق كان صوته قد ارتفع في صالة الاستقبال و سرعان ما  اتصلت بالحراسة ان يخرجوه. مطرود عند باب المدرسة. تجمعت في احداقه اسماك... انها تسبح، في محيط ، مالحة هي الدموع التي تعوم الذكريات فيها عوم الأسماك . من لا وطن لديه، لا شيء لديه. لا تصدقوا ان المال وطن، و لا الأولاد وطن، و لا النفوذ وطن. الوطن مكان و تراب. سنصبر يا يمن حتى تعود الينا من بين انياب الذئاب. سنستحضرك بالأرواح في الصور. سنستنسخك بالبشر. سننحت تمثالك بأيدي الذاكرة و سنخلقك بشوق العاشق سنتلمس بشرتك برغم الغياب. فوق اليمني في غربته غمامة، لا تهطل على اليمنيين العملاء للسعودية و لا بمن تكاثروا من صلب الإمامة ، انها غمامة لا تمطر الا فوق المحب الصادق لوطنه ، بلا سياسة بلا نجاسة... شعب اليمن هو الأعزل الذي حطموا وطنه أمامه. اوقف تاكسي و ما ان جلس و سأله السائق عن وجهته. فوجئ بالدموع تخرسه حين سالت على خديه. فتح باب السيارة و نزل حانقا من دموعه. لحق به السائق فالمصريين اطيب شعوب الدنيا، فيما عدا شريحة المدارس قال له:- " فيه ايه بس؟ صلي على النبي و اوعى المدام تشوفك كدا. انت يمني و الا سوري. تعالى بس يا عم، حوصلك ببلاش." بالرغم انه كان سيدفع 1000$ رسوم مدرسة ابنه ، الا انه استسلم لهذا الرجل الطيب يوصله مجانا. ليش عنزنط؟ اصبحنا نازحين و مسألة وقت ونموت جوعا. في التاكسي قال له هذا الطيب المنعنع:-" انتوا ابدا ما تخافوش طول ما الجيش المصري معاكم." قال له بيأس:-" حاضر مش حنخاف." اتصل به صديق ليبلغه ان مجموعة من السوريين استأجروا مبنى مدرسة و سيفتحونها مساءَ خاصة بالسوريين، العراقيين، الليبيين و اليمنيين. اخبره ان رسومها نصف رسوم مدارس مصر. طلب من سواق التاكسي ان يأخذه اليها و هو يدعو الله أن يدرس ابنه هذا العام. حرصه هذا كله على تعليم ابنه كي لا يجيء يوم يسمي ابنه مجموعة الطائرات " طواير."

    تم طباعة هذه المقالة من موقع التغيير نت www.al-tagheer.com - رابط المقالة: http://al-tagheer.com.com/art33043.html