2016/02/21
  • رثالة و بث
  • كل شيء على الشباب "بسيط.يستطيع الشاب ان يقفز من قمة جبل و يركب اجنحة و يطير. اما العجوزة فلا تستطيع ان تضع قدمها داخل حذائها الا اذا امسكت بالجدار او عاونها شخص كبير اوصغير. هيا تخيلوا معي حين تقوم حرب في بلاد هذه العجوزة و يقرر ابناءها او بناتها او الجميع ان يفروا من القصف و الانفجارات و الصواريخ كم يكون الهروب من الحرب شاقا عليها؟ جدتي حبوبة ، طيبة ، مسكينة ، ظريفة و كوميدية منذ وصلنا الى هذا البلد – لن اسمي البلد لأن كل بلاد النزوح جروح – و حول عينيها نظارة جلدية عبارة عن هالة سوداء لا تفارق عينيها. تجاعيد جبينها ، و ذقنها و اسفل عينيها كأنها امواج تعالت و ارتفعت ثم وقفت و لم تنزل. ارحمها و احبها لكن لو كانت بقت في اليمن لكان ذلك اسهل. كنا في محطات و مطارات وحدود و وقفات العبور نأخذها كما نأخذ الأمتعة.

     احيانا يستوجب الموقف السرعة فنجرجرها كما لو كانت من الأمتعة ، و نتركها مع الأمتعة ريثما نعود من وقوف في طابور. كان أبي يمسك يدها و يمشي معها لكن عندما ينهكها الاعياء فتفرط في التباطؤ كان يومئ لي ان أسرع لاستلام يدها و يسارع هو بالوقوف في طابور. كنت اضيق انا الأخرى. اما هي فكانت تمشي متلفتة يمينا و شمالا ، فاغرة الفاه.تقول منذ قامت الحرب في اليمن " اقتلب" اليمنيين "جن". وصلنا بعد سفر باصات و طائرات و انتظار و ارهاق و جلوس على أرض القاعات . وصلنا الى هذا البلد. قالت جدتي " ما اوحشه" . عن نفسي ،كنت اتسلى و العب. ادمنت كهرباء و نت و العاب اون لاين  ، مطاعم فاست فود ، ُدش ساخن حتى يخرج بخار الماء من اسفل باب الحمام. ماذا اريد اكثر؟ قال بابا سوف يسجلني و ادرس هنا. ماما ايضا تخرج مع صديقاتها كوفي شوبات و  يلتقين احيانا في بيت احداهن. تطلب ماما ممن يأتي من اليمن الينا ان يحضر لنا معه هريش و حلبة و قشر. اما بابا فأربعة و عشرين ساعة على النت او التلفاز. لا يضحك منذ وصلنا الى هذا البلد حد القهقهة الا عندما يتحدث هاتفيا مع احد اصدقائه متمتما من فرط الضحك " جني لك جني بزك، ضحكتني." لكن جدتي المسكينة هي الوحيدة التي كانت في حالة حرب و نزوح فعلي. عند جدتي الحرب حرب بمعنى الكلمة و عندنا كانت الحرب فترة للاستجمام، الاستعراض،الاسترحام و البكبكة و الدلع. عن نفسي لم ابك الا عندما خرجت من بطن أمي. بابا لا يتركني اتكدر لبرهة. بابا ثري، ماما معها ذهب ملان الدنيا. اذا تنهدت ماما هرع بابا اليها يقبل كتفها و يحلف لها اننا عائدون. اما أبي فإذا لاحظت أمي انه يفرط في التدخين ، يشرب البن بكثرة و يتابع الأخبار مقطب الجبين تروح اليه ، ارى اصابعها تتسلل خلف عنقه ، ثم تضع امامه مبخرة فيشتم أبي رائحة اليمن في البخور فيبتسم برغم تضاريس قهر الرجال المتجسدة في وجهه. فقط جدتي وحيدة كغابات الغربة، لا يلتفت اليها أحد إلا للضرورة ، نناديها فقط اذا حان وقت الغداء او كنا سنخرج و نأخذها معنا. أنا أحبها كثيرا ، كلنا نحبها ، كثيرا ما انام على حجرها. اقبل ركبتها اثناء ما يكون رأسي مرتاح على حجرها. في مرة اذكر انني احسست بقطرة مطر على خدي. فتحت عيني ففوجئت ببكائها. جلست القرفصاء متسائلة:- " يوووو...مالكم يا جدة؟بتبكوا؟" اجابت تمتمة :-" كيفه مالي؟ اشتي زوتي يا بنتي." قفزت من امامها و ركضت انادي ماما. كان بكاء جدتي شيء " كبير". تجيء أمي لتحضنها و تطمئنها اننا عائدون. كل واحد يكذب على الثاني. ادخل بين جسد أمي و جدتي لأناول جدتي منديل . تقول لها أمي :-" عنرجع يا عمة ، و الله ان احنا عنرجع." فتسألها بإلحاح:-" ليشخرجتوني اصلا؟" تجيبها أمي :-" نسيتوا يا عمة القوارح و الغدرا و الخوف و الصواريخ و الطايرات؟" تنهدت جدتي لأن كلنا نذكر و كذبت قائلة :- " مانا و لا كنت اسمع شي. اشتي يا بنتي زوتي." تركتهما و ذهبت اشاهد العصفور في القفص في شرفة شقتنا. نذرت أمي ان تطلق سراحه حين نتوجه للمطار عائدين الى اليمن. سكتت جدتي وذهبت أمي إلى المطبخ. عدت لأجلس بجانب جدتي لأنني اشفق عليها. كانت عيناها عقب البكاء شبة مغمضتين فتطمئنت انها على وشك النوم ، حيث تنام احيانا جالسة. اخذت الأي باد و بدأت العب. يبدو انها اشتمت انني بجانبها بحاسة الشم الرهيبة لديها. فقامت كعادتها كلما رأتني، انهالت على بطلبات لا تنتهي . قالت بغضب :-" اسمعي! قالت أمش مرة السفير عزمتنا عندها تفرطة. قالت أمش عتسيرو تشلني معاها ، ابسر يمنيات و اجابرهن مجابرة من حق اليمن. قد جت لي فكرة ...شكتب رسالة و أديها لمرة السفير تديها لزوجها السفير يديها لعلي عبدالله صالح و عبدربه منصور هادي و عبدالملك الحوثي. سيري ادي ورقة و قلم و اكتبي الذي عدامليش." رفعت عيني عن الآي باد قائلة باستسخاف:- 

    "what???"هيا ماهو يا جدة؟!

    ابرزت حاجبيها حتى اخافتني. احسست امواج التجاعيد فوق جبينها ترتفع و ستجرفني معها إن بقيت في مكاني. صاحت :-" قومي !" فورا قفزت برعب و عدت بقلم و دفتر. ما أن رأتني حتى سبقتني بالأوامر وهي تشير بسبابتها الى المكان الخالي بجانبها :-" هيا ارتزعي هانا." فعلا ارتزعت و لم اتركها تعيد الأمر.  قالت وهي تتفرس في القلم و الورقة :-" اكتبي الى الزعيم عفاش." قاطعتها قائلة :- " يا جدة ، عفاش سبة." رفعت حاجبيها فتكشف لي ان لعينيها رموش. ابتسمت وهي تضيف :- "طيب خلاث ، اكتبي الى الزعيم علي عبدالله صالح. و الدنبوع." قاطعتها :- " يا جدة و الدنبوع والكل شتيمة." تفكرت و هي تضع يدها المتكرمشة على ذقنها : -"  هيا مالهم اليمنيين ماعادبيتريئسوا فوقنا الا الشتايم؟!" اضفت انا لأزيد من تعجبها :- " عاد الحوثي يا جدة ، كان اسم أسرة و الأن قدو سبة ابو اسد."ضحكت ،ما احلى ضحكتها. قالت لي :- " خلاث ثمي انتي الأثماء و الرثالة انا شامليش و بث." فكتبت و انا اقرأ لكي تسمع ماذا اكتب

     ( إلى فخامة الرئيس السابق ، زعيم اليمن في الماضي و الحاضر و المستقبل، علي عبدالله صالح، فخامة الرئيس الحالي و الشرعي و المعترف به دوليا عبدربه منصور هادي و قائد المسيرة القرآنية اكبر انصار الله ابا جبرئيل الأخ عبدالملك الحوثي." لمحتها تنصت بامتنان ثم مسحت على كتفي قائلة :- " العلم نور ، هيا ماذلحينخلينيامليش و انتي تكتبي و لا تغيري حرف." هززت رأسي علامة الموافقة .وضعت قلمي على السطر و انتظرت فلم تنطق. حركت قلمي يمين و شمال و لم تمليني كلمة. استغربت فألتفت إليها لأجدها تبكي بصمت. اعطيتها منديل و عاتبتها :- هيا لكن يا جدة، و هذه كيف يكتبوها؟" اجابت :-" هذه يكتبوها اشتي زوتي ، رويتونا الويل من 2011 لليوم. اكتبي ، اكتبي يا بنت ابني. ( هذه رثالة من عذوزة تشتي ترجع زوتها. رثالة و بث.) اشفقت عليها فعلا هذه المسنة لا تريد الا زاويتها تلك. تلفازها ، مصحفها و مسبحتها و سجادتها. مقرمتها ابو خط أحمر التي لطمت خدها حين وصلت و افرغت حقيبتها لتكتشف انها نستها ، كذلك مائها، قاتها ،صلاة جمعتها و سورة الكهف في دفء اليمن و سحر عبق نسيم صنعاء العليل. هذا فقط هو ما تقصده حين تطالب " بزوتها". تأهبت انا للتملئة، قالت  :-" انتوا ، ماع انتم رؤساء و قادة و زعماء. و انا عدوزة من شافها قال رجل في الدنيا و رجل في القبر. و هو صدق قدنا عجوز. لكن قمتوافعلتوا لنا هذه الحرب و خرجتونا من اليمن هربة و انا كنت اشتي اختم عمري في اليمن ، و اقتبر حين اموت في تراب اليمن. ممكن توقفوا الحرب عسب نقدر نرجع اليمن؟ ممكن ؟ ممكن؟ جني لكم جني بزكم." ثم لوحت بيدها حتى اسقطت القلم قائلة :-" اوبهي تكتبي جني لكم جني بزكم. ما يسبرش نحبب ارجلهم بعدا ندعوي عليهم." قلت لها بعطف :- " يا جدة ، والله ماهمعيستميعوا كلامكم و لا هم قاريين." قالت بثقة المتيقن :- " إلا يا بنتي ، هم من جيل عادهم يحترموا الكبير." نظرت اليها مستنكرة :- " أين كبير يا جدة؟ عاد شي به في الدنيا أكبر من اليمن؟"  أمرتني بصرامة :- " اكتبي و لا تدخليش. بعد ممكن أكتبي يا علي عبدالله صالح انقلبوا عليك في 2011 و فجروك في الجامع. و انت كنت ابونا و ابننا. غثينا عليك لكن هكذا يا ولدي تنتقم منهم فينا؟ ناصرت الذي خرجوا في 2011 يقولوا ارحل و انتقمت والله انك انتقمت انا اشهد و ثأرك اخذته مني و من زوتي و من اليمن. هيا ايش كان دخل الشعب في الثأر و هذه المحن؟" يا عبدربه ، حاصروا انصار الله بيتك و هربت لكن ليش تسير تدي الغريب يقصفنا و يعمينا؟ عيب ما يفعلوش الرجال هكذا. يا انصار الله هتفتوا في 2011 ارحل ارحل بعدا حاربتوا الذي كانوا بيهتفوامعاكم. ماهو يا جهالي هذا العصيد؟ عاد شي به حكمة عاد شي به من يصلح هذا الجغيص و المهيد؟" قاطعتها :-" يا جدة اعتقد جغيص و مهيد مش مناسبة." نهرتنيجدتي :- " و لا تغيري حرف. و زيدي اكتبي: حكموا عقولكم ، حكموا الحكمة ، حكموا حبكم لليمن ، قد تحطمت في الحرب قالوا مصانع، مدارس ، جسور، حمام جراف و مصافي... قد ماتوا ناس خيرات و قد غرقت اليمن في دماء ابناءها.تنازلوا الله يرضى عليكم. الكل يتنازل شوية شوية و الدنيا عتسبر.التنازل مشو ذل. التنازل حكمة. التنازل ذكاء. التنازل حفظ ما بقي و من بقي في اليمن. صدقوني يا عيالي كل من يتنازل و الحرب عتنتهي. التنازل بطولة. اما المكابرة و الطيش فهي تصرفات الخونة و الكلاب.و الفتنة يا رجال اطفوها.  قسموا الغنائم كيف ما اشتيتوا و اسلموا الناس و اليمن. طول عمركم يا عيالي سرق و نهابين اموال الدولة و باسطين على اراضي ، لكن كونوا خلوا لنا حالنا. جبركم بزلطكم .جبركم بمن تحبوا. جبركم بعافيتكم.  خلوا لنا اليمن ، احنا نحبها.خلاص لهانا و يكفي. بث خلااااااث، قد عنوفي الثنة! المصيبة لاتزيدوا تسدوا انتواو يطلعوا لنا هولا بيت الدعيش! ماهم عادهم الا قطع رقاب!جعلكم جني يبزكم." قاطعتها :-" يا جدة ما يسبرش تدعوا عليهم و انتوابتترجوهم." اجابتني بحدة :- " الا يسبر و نص! كان ما هو الذي يسبر؟ طحن اليمن و هذا الدم بكله ؟! اكتبي بث يا بنتي. عيقرح قلبي و اموت هانا. يا وحشتي من قبر في غير تراب اليمن."طلبت مني ان اعطيها القلم فوقعت عبارة عن شخبطة، طلبت مني وضع رسالتها في ظرف ففعلت و سلمتها اياها. قامت ببطيء قائلة :- " اخبيها في الشنطة و اديها لمرة السفير يوم التفرطة." فأبتسمت لها قائلة :- " تمام يا جدة."  

    تم طباعة هذه المقالة من موقع التغيير نت www.al-tagheer.com - رابط المقالة: http://al-tagheer.com.com/art33798.html