2017/02/10
  • قنفذ من اليمن
  • انا اعيش في الأدغال منذ عامين. لا يهممن انا . يوجد هنا باندا ، شمبانزي ،أسد ، عصفور كناري، فراشة و ربما طرزان. المهم انني اليوم احدى ساكنات الأدغال .لست " انا " و لا انا التي يناديها من حولها يا " سلوى" و لا أنا مصنفة كـ " إنسان ". الكل هنا في الأدغال يطير ، يزحف ، يشرد مثل الغزال، يسبح في البحيرة مثل ذاك التمساح. هناك افواج من الجواميس تعدو بسرعة هربا من نمر ، لبوة او سبع من السباع. في الوقت ذاته هناك بجعة تنام على سطح بحيرة في أمان.  تتكاثر الحمير الوحشية ، تتكاثر الكركدن، و الزرافات. تتكاثر كما تعرفون كل الكائنات الحية . خلق الله التكاثر – لا سفك الدماء – من اجل البقاء.  صحيح... اننا في هذه الأدغال يأكل احدنا الأخر. لا ننكر ذلك. لكننا نفترس من اجل ايضا شريعة الله و هي البقاء و ليس من اجل "كرسي." أنتم بشر لن اصفكم بالحيوانات لأنني وجدتها اذكى واروع ولكن سأقول انني لذت بالفرار منكم لأنكم بشر همج اغبياء! كل الفصائل لا تنقرض برغم الافتراس اليومي المتكرر في اليوم الواحد مرارا وتكرارا. نحن نأكل و ُنؤكل ، نحن بخير ، انه انتم ايها البشر المهددون بالانتهاء ! اما نحن فلا ضير ان نأكل و نؤكل. لا يهز ذلك عرشنا ، لا يهددنا بالانقراض، و لا حتى يدمع لنا عين.

    نحن و انا ايضا حيوانات في الأدغال. شعور رائع على فكرة ، رجاء لا تحسد. لا لنا مبادئ تؤرقنا لأننا تجاهلناها ، لا لنا قيم نشقى لبلوغها ، و لا مثل عليا نموت ونحن لم نجدها في دنيانا. لا عقول لنا ُترهق و لا قلوب تحزن. لا دين لنا فقط نحب الله. احرار نحن احرار رجاء لا تحسد! لا دين لنا يلعب به المشعوذين ، لا هوية يسلبها من كياننا الغاصبين ، لا قومية على آخر العمر ُتضحكنا و لا عروبة نحنطها على الرف بجانب التحف والآثار. اي ارض هي وطننا و أي سماء هي سمائنا ، لم نذق للغربة و التشرد طعم. رجاء لا تحسد. لانحن اغتصبنا من اصحاب ارض ارضهم و لا نحن انتهكنا لأي سماء عرض! نظيفين انقياء فرجاء ثمرجاء لا حسد! ها هي الغزالة أراها تعدو ، تسابق الريح و خلفها الأسد يحاول ايقافها لكي يأكل. اذا ماتت عاش و اذا عاشت فتش عن غيرها ليعيش. اما البشر فيقتلون بعضهم البعض من اجل كرسي لم يدم لأحد، و لم يبق احد، لكنهم اغبياء. الأسد ها هو " ملك الغابة ، لا عرش له يقتلنا من اجله كلنا. انه فعلا " انسان". تركنا نعيش. لا يحاصر السناجب اعلى الشجر، لا يخنق الضفادع تحت الماء ، لا يأسر الأفاعي داخل الجحور.ترك الكل يتنفس و يعيش. لست اكذب اذا قلت اننا نحيا حياة كلها سلام وسرور.

    قد لا يقتنع القارئ بما اكتبه ، قد لا يتخيل حياة الأدغال اروع و اكثر سلاما من حياة الدنيا التي يعترك فيها البشر . لا يتوقع ان الحيوانات الضارية اشفق بكثير من بنو البشر.  لكن لا يفوتك يا قارئي اننا هنا في الأدغال اذا افترسنا فالاسم اننا " حيوانات".  اذا غدرنا بظهر بقرة صغيرة. اذا انقضينا على جمال ورشاقة زرافة ، اذا غرزنا انيابنا في عنق غزال . الاسم اننا " حيوان". اما انتم بنو البشر فماذا يبرر وحشيتكم؟ سؤال اتحدى ان توجدوا له جواب! عن نفسي لست انتظر رد ، لأنني مقتنعة انني ما لجأت الى الأدغال الا لأنني لم ارى لا اغدر منكم و لا ادهى و لا احقر!

    انا لست في هذه الأدغال منزمان. تخرجت من عالم البشر منذ سنتين. انا من خريجي دفعة 2014. تعظيم سلام لبروفسوراتنا الكبار الذين لقنونا منهج الحرب من الغلاف للغلاف. حتى باتت قلوبنا تسكت ، اصبحنا داخل بيوتنا المؤصدة نخاف! تبا لبائعي الأوطان القساة ، الوحوش ، الأجلاف.

    حاولت بعد ذاك العام المخيف ان اتأقلم و اتكيف. حاولت استئناس صوت صاروخ يذرع السماء. حاولت الا اتكرمش عند دوي انفجار. خفت بعد مضي شهور ان اموت تحت الأنقاض في حرب لم اجد لها لا رجل و لا رأس. خفت و انا اتأمل الناس من حولي تجرفهم فيضانات من الدموع. كل ذاك الفقد و الفقر ، التشرد و الشتات. اوطان منتهكة ، اعداء متنكرة. كانت الحياة في بلدي متعبة للحياة بأسرها. انتزاع امان وطن هو انتزاع الروح من الجسد. لا يتم الا باحتضار. اما انا فكنت امرأة سمكة لا احيا الا تحت ماء اليمن. كلمة سر بينكم ، لكن لا تنشروا الخبر. انا كنت اسكن بينكم. لا تخبروا احد. اخاف ان تشتم الوحوش رائحة لحم عنقي فتحاول افتراسي. انا هنا لم اعد انسان بل اخترت ان اكون قنفذ. القنفذ يناسبني لأنه مثلي حجمه صغير جدا.  لكنه يعجبني لأنه اذا خاف اينعت اشواكه فتحول الى كرة من شوك او ابر. برغم صغره يدافع عن نفسه. لم يفلح في الفتك بالقنفذ الذي هو انا لا نمر و لا ضبع فتاك.

    وقت الهدوء و السلام ، ارفع رأسي للشمس المتسللة من فروع الشجر المتداخلة. اخذ نفس عميق. اتمتع بأصوات الزقزقة. ادندن. قد اتمرغ فوق الشجر اليابس. جلبت معي من عالم البشر قلمي حبيبي بين ضلوعي و كلما دغدغت قلبي كلمات جذبت ورقة شجر و كتبتها. الرجاء ثم الرجاء بلا حسد. اما اذا داهمت القنفذ ذكرى اليمن ، فأنه يقف اعزل. يجعل الدموع تقطر من الأشواك ، تسري دموعه سواقي في شقوق الأدغال و تسري في الأدغال " قشعريرة" اسمها اليمن. انا قنفذ اتذكر اليمن وقت الصفاء و وقت المطر. انا في أمان طالما انا قنفذ في الأدغال من اليمن. لا اسد اذناي عند سماع صاروخ. لا اشيح بوجهي عن هيكل بيت تدمر فوق رؤوس ساكنيه. لا اكتم بيدي صرخة لرؤية يد بلا ذراع على الأرض ملقاة. انا هنا قنفذ سعيد. لا احد يحدثني هنا و الرجاء عدم الحسد. لا احد ينقل لي اخبار رياض الشهداء. قتلوا اكثر من نصف شباب اليمن ثم امتهنوا مهنة تزجيج صورهم و وضعهم داخل اطر! تلك صناعتهم شهداء و من الشهداء يسترزقون اصحاب الزجاج و نجاري الخشب صانعي الأطر. بئس الحرفة و بئس البشر. انا لم اترك اليمن لأهون سبب. لم اعطي ظهري لليمن الا بعد ان انتشرت الوحشية كالوباء في الأجواء. موت و فقر و دماء. طلى الحرمان كل الجدران. حتى في محيط عملي الذي احبه خيم الاحباط على كل الأحاديث. كان متوقعا ان اهرب حافية من كل هذا الى الأدغال. انا الان قنفذ في الأدغال من اليمن فلا تحسدونني. كنت قبل الهروب الى الأدغال قد حقدت على فئات عديدة من البشر المحيطين بي . كنت اشعر اننا نسكن صندوق. فحقدت على النجار الذي صنعه و على من باع له الخشب. حقدت على من ادخلنا الصندوق و اوصده ثم رجنا حتى استفرغنا ، و اختلط القيء ، بالدم و الدموع. حقدت على من كان يحاول نثر بذور الأمل. الأمل الكاذب ليس أمل! ضوء الشمس ليس شموع. كنت قد حقدت على ناس كثيرين و انا كنت قبل الحرب قد تجاوزت عن من خانني ، سامحت من خدعني ، تجاهلت من سرقني و غفرت لمن اغتابني. لكن من دمر اليمن ؟! لا، لا، لا، كله الا اليمن. لكن اليوم اجد نفسي حتى و انا قنفذ في الأدغال تلاحقني اليمن ، فأين اهرب من تلك التربة المسماة اليمن؟

    فجأة.... لفت انتباهي الوان تبرق تحت سطح ماء البحيرة. كان سمك قريب من السطح. الوانه برتقالية ، ذهبية و زرقاء. اقتربت و انا اسبح على ابداع خلق الله. اقتربت و انا قنفذ من اليمن في الأدغال لكي اتأمل السمك عن قرب. بديعة الجمال. لأنها ليست بشر. فرجاء بلا حسد. سبحان الله ، ما اجملها. ثم ذكرت من يحكموا اليوم اليمن فاستعذت بالله منهم . اقتربت اكثر اتأمل و كنت قنفذ مبتسم. لما اقتربت رأيت على سطح الماء صورتي تنعكس. يا لهول ما رأيت يا للبؤس، يا للنكد ! رأيتني انا " سلوى" و فوق جبيني شبهت ببيت له تضاريس دار الحجر! يا الله يا الله .... اذا انا لم اتقنفذ كما كنت اعتقد. تفكرت في حيرة، خوف و قلق. مال الضباع تاركة لي شأني، فلم يقترب مني ليلا و لا حتى حيوان واحد مفترس؟

    دق قلبي بقوة الخوف. اختبأت خلف احدى الشجر. قد تنهش لحمي السباع ما دمت لا زلت بشر. لكنني سمعت ضحكا عاليا ، تلفت يمين و شمال فلم ار احد. ثم لمحت نملة على الأرض تضحك حتى تتمرغ في الطين و البلل ، قالت لي :-" لا تخافي يا سلوى! انتِ هنا في مأمن. انتِ في الأدغال و لستِ في اليمن. الوحوش هنا لا تأكل الميتة و انتِ لجأتِ الينا "" ميتة "" من اليمن."

    حملقت فيها بذهول ... فأضافت : -" و اذا سألتني نصحا ، لنصحت من هو مثلك مصاب بهذا اليمن المزمن ، أن يرجع و لو كان ميتة الى اليمن."

    لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

    https://telegram.me/altagheernet

    تم طباعة هذه المقالة من موقع التغيير نت www.al-tagheer.com - رابط المقالة: http://al-tagheer.com.com/art35146.html