2017/06/30
  • خلي التنحوىَ
  • ابتلى الله كل حارة من حارات العرب ببلوى. حتما هم يستحقون ما ابتلاهم الله به ، او لعل الله فقط يمتحنهم ليسمع منهم الاستغفار و النجوى. اذا كان الامتحان عسير رسبوا فيه فلا طالوا في اوطانهم لا كِسرة خبز و لا حلوى. اما اذا خاضوا امتحانهم بصمت و صبروا، تعايشوا انجبت لهم بلوتهم الرئيسية بلوى تلو بلوى، وها هي المولودة الأخيرة اسمها كوليرا! اما اذا ثاروا على الفاسد الظالم ، خلعوا عنهم معطف خوفهم، عاشوا بعدها احرارا و اصبح لحياتهم جدوى. ان حولنا حارات لكل منهن مخاض عسير. بلوى في كل حارة. ليست بسبب عدو لكن بسبب عميل واجير. اما نحن فكانت بلوتنا راقصة رقص شرقي للغاية، ُتصرف امورها وامورنابهز جسدها ! سأبدأ بسرد ما لدى الأخرين اولا ثم اروي لكمما لدينا نحن في الحارة. مثلا في الحارة المجاورة لنا"عصابات" تسيطر عليها. تقطع الطرقات ، تتهجم على الافراد و تنهب البيوت. اما الحارة المقابلة فكان يسيطر عليها "جبابرة". يقمعون، ينكلون ، يصعقون بالكهرباء اللسان ( في بلد لا يوجد فيه كهرباء) و يأخذون القلم عندهم أسير. يرعبهم حبرسائل داخل قلم و هم مسلحين!يجبرونك ان تردد ان الشمس ليل و الارهاب فنون! اما الحارة الخلفية فسيطر عليها مصاصي دماء. يقتلون الانسان - و هو خليفة الله- دونما سبب. يداوون امراضهم بالدماء.احجامهم ضخمة ، اشكالهم مخيفة و لدى كل منهم طقم اسنان ذهب! اما الحارة التي على الجانب اليمين فكانت تسيطر عليها " لعنة فراعنة "ّ ! كلما نهضوا اهلها لبنائها ،حطوا على الأرض. كلما عدوا كالجواد تعثروا ، كبوا. كلما طمحوا خنعوا. كلما تقوت عضلاتهم تعاركوا لكن-و يا لخزيهم - مع اهل بيتهم. ُيخال للقارئ ان معاناتنا هي الأسهل. تتحكم بحارتنا راقصة،كحيلة،حلوة، مولعةبالشهرة، مكتنزة، و ثرثارة! قد تكون حسنة النوايا ، لا يعلم النوايا الا الله ، لكن كيف نحترمها و مهنتها-يا خلق الله-الرقص و احيانا "دعارة" ؟ في الليل ترقص امام  الفقير و الثري من رجالات الحارة ، و في الصباح تتنقبوتنظم مسيرات راجلة في الشوارع لترتل القرآن ترتيلا . لا تستغربوا! مثلما تتعرى و ترقصجهارا ، كذلك تقرأ القرآن في العلن. هكذا هن الغانيات لهن الف وجه ، الف قناع ، الف زينة و الف كفن!كل رجالات الحارة يذوبون غراما في لحظ عينيها ، يهيمون بابتسامة ثغرها و بحاجبيها. يقولون الشعر في غمزتها و غمازتها. من شدة فتنتها قامت كل حارة من الحواري المحيطة بنا ببناء جدار عازل يحجبنا عنهم خشية وصول اغراء راقصة حارتنا وفتنتها. يخافون منها على شبابهم ، اما نحن فقدمنا للموت كل صبي حتى و ان لم يظهر له شنب. لنجد انفسنا دونما ذنب ُنقصف، ُنحاصر ، حصار ابن كلب! اما هي فذنبها لم يكن احد يعاقبها عليه. انها امرأة خطيرة. معسولة اللسان ، تؤلف خطب رنانة و كلمات مهيبة منونة. تتكلم عن الفردوس الأعلى ثم تجثُو على الأرض لتلمع بلعابها النعال! يتمايل قوامها الرشيق امامالبشر و ابليس و لا تستثني الجان.

     كان لها انصار. اضف الى كونها راقصة فهي  كذلك أمية. لا تقرأ ، لا تكتب. فقط تتمايل ،ترقص بغنج و دلال على اجمل اغانينا اليهودية . " يسعم" تؤمن بالأديان السماوية ، بتعدد الحضارات و بالفنون الفلكلورية! في ذات الوقت كانت متناقضةحين تحقد على بنات حارتنا المتعلمات، الشريفات المحترمات. تراقبهن بحسد و هن يحملن الكتب و الملازم. تقهقه من الاقلام و الدفاتر. بنات حارتنا الد اعداء بائعة الهوى لأنهن كن ُيشعرنها بالنقص. يُذكرنها بموضع الداء. هاجمتهن في كل مكان و كذا ناصبتهن العداء. كيف لا و هن مثقفات، مستنيرات، واعيات، و هي أمية تقتات من عري الجسد و اذا لزم الأمر من البغاء؟ كلما جاء رجل لمشاهدة رقصها، جلست القرفصاء و سامرته الليل بطوله عن فساد اخلاق بنات الحارة اللواتي يخرجن لطلب العلم من المدرسة و المعهد و الجامعة في الحارة.لا تستحي هذه الكوميدية البلهاء، ان تهتك اعراض العفيفات و هي...راقصة عرجاء! تقضي الليل و هي تنم وتتكلم، تحاول التحدث باللغة العربية الفصحى و النحو .لأنها غبية لمتكن تفهم. ان الرجال  لا يستمعون اليها. يدخل كلامها من اذن و يخرج من الثانية. كيف لا و راقصة شعبية و غانية؟

    مرت الأيام و هي تقوى سيطرتها على كل فرد في الحارة عبر مصالحهاالاخطبوطية. الا بنات حارتنا فقد كانت تمقتهن حتى النخاع.

    حدثت مرة حادثة في سوق الخضار في منطقة القاع. ذهبت الراقصة لشراء خضروات وصادف وجود فتاة شابة تقرأ من ورقة احتياجات بيتها من الخضروات والفواكه . تتفحص ، تنتقي البرتقال. انها فتاة كاشفة الوجه مغطاة الشعر. اقتربت الراقصة من الفتاة تتحرش بها لافتعال مشاجرة تبرد بها نار حسدها. تكلمت مع الفتاة باللغة العربية الفصحى ،فنونت الكلام وُشكلته بشكل هزلي كونها لا تفقه في النحو حتى جملة اسميه. قالت الراقصة للفتاة:- " عيبن عليكن تخرجين سافرات الوجوهن و تذهبين للجامعاتن ، المدارسن و المعاهدن. عيبن جدن عليكن! عيبن عليكن تستعرضين بالقراءة من الورقتن. الا تستحينينون؟ انكن تشوهين سمعة بنات حارتنا. لما هذا الاستعراضن؟".لم تجبها الفتاة. خافت من اياديها الاخطبوطية وُتدرك جيدا ماذا تستطيع ان تفعل. بقت صامتة فالصمت اسهل. ربك يمهل ولا يهمل فلا تقنط. كبحت الفتاة غضبها لتعود الى بيتها و تسلم. ظلت تنتقي الخضار بصمتٍ مطبق. شجع ذلك الراقصة  على مزيدا من الاستفزاز، فقالت لها:- " احترمين شرف عائلاتكن ، ابقين في بيوتكن، لماذا الدراسة و القراءة والهدار و الداوية؟ لماذا؟ كاشفات وجوهكن، عاريات الفم و الأنف و الذقنن. تحملين الدفاتر و القلمن. على غيري هذه الحركاتن!" لم تستطع الفتاة ان تلزم صمتها. ردت على الراقصةدون ان تنظر اليها ، كلمت بصلة انتقتها،وجها لوجه:- " اسمعيني يا بصلة! ما حرام الا الحرام ، مثل تعرية الأبدان. ها يا بصلة؟ الله  اذن لي اكشف وجهي و يداي. فهمتي يا بصلة؟. " تضاحك بائعو الخضار من حنكة البنات المتعلمات في الرد. صرخت فيها الراقصة :- " انا بصلة؟!" اجابتها :-" انا ما قلت هذا قط! انا اكلم هذه البصلة السيئة ، ستفسد كل البصل ، الأن ارميها." و رمت البصلة الى اعالي السماء و دعت :- " خذها يا ربي ، يكفينا ما فينا. كفى!" ضحك حتى من كانوا يحيطون بالفتاة من المشتريين حين رأوا البصلة تطير الى عنان السماء ثم تحط على الارض مسحوقة. غضبت الراقصة ، مدت يدها فأخذت حبة طماطم طرية ، رمتها في وجه الفتاة. خافت الفتاة، هربت الى بيتها تاركه ما اشترته ، ما وزنته ، ما انتقته و تلك الورقة. قال احد البائعين للراقصة:- " لماذا تحرجتِ؟ أأنتِ بصلة؟" سألها بسخرية.

    وصلت الفتاة لاهثة باكية الى بيتها و اطلعتهم على ما جرى. قالوا لها :- "حسنا هيا بنا نخرج كلنا ، كفانا صمت ، كفى!" توجهوا الى السوق ليجدوها هناك. قال الأخ للراقصة :- " من اعطاكِ الحق ان تنالي بناتنابسوء ؟ يقرأن و يكتبن و يتوظفن و انتِ أمية. مشكلتك و ليست مشكلتنا. ما الذي يؤذيكِ في كون اختي قارئة؟ في ماذا يؤرق نومك كون اختي مثقفة؟ الا كونك مع سبق الاصرار و الترصد " أمية"؟! تغتابين بناتنا يا باغية. تسعين لإغلاقمدارسناالتي تقدم لأجيالنا مستقبل افضل ، فماذا قدمتِ لهم انتِ؟ تلعنين الجامعات التي تمدهمبالشهادات وتجعلهم كفؤ للمناصب، بأي مستقبل توعدينهم انتِ؟ تشوهين سيرة معاهد اللغة و الكمبيوتر و الحرف و هي من توفر لهم الرزق فأي شيء وفرتيِ لهم انتِ؟ المدرسة تعلم الفقير ، اليتيم. الجامعة تؤهل الوحيد،لا اسم له ،لا ظهر و لا واسطة ، تساوي بين الجميع. المعاهد ترتقي بمهارات الأصم ، القعيد و الكفيف فمتى ذكرتيهم انتِ؟"انصتت اليه الراقصة بتوتر. تُغلب حين تناظر المثقفين.  رفعت حاجب وانزلت حاجب. كيف تستطيع فعل هذا؟ لكن من دمرت الحارة ، بددت أمن الآمنين ، نشرت الفتنة ، قلبت موازين الدين هل يستعصي عليها تلعيب حاجب؟

    اجابته الراقصة :- " كيف تتكلم هكذا عني ؟ انا من تدافع عن سكان الحارة و تفتدي بروحها حياتهم. تقتنص      "بجسدها" اعدائهم. انا من اسايف ثقافة الغرب و اطعن المياعة." تضاحك الجميع .تجاهلتهم الراقصة و استرسلت في كذبها :-" البنات هن سبب دمارنا. الدارساتن المثقفاتن حضراتهن. اما عملي انا فانظروا الى بيوتكم آمنة.نصيرة المساكين و المستضعفين انا. ملكة الحارتن لكن لم يكن لي يوما عرشن و لا حارسين. لم تفلح أي حارة محيطة بنا في النيل منا. فكروا في ميزتي ! انا من اسايسالجميعنحتى الطغاتن. ادوس الدودة تزحف على الأرض و اقارع التنينن. كيف تنكرون فضلي؟ انا احافظ على كرامة حارتنا ، هذه طريقتي و لكل امرؤ طريقتن! لكني اليوم ادركت انني كنت واهمة حين اعد اعدائي. كنت احسب العصابات عدوي الأول.  الجبابرة عدوي الثاني. مصاصي الدماء عدوي الثالث . لعنة الفراعنة عدوي الرابع. لكنياليوم  ادركت ان اهل حارتيالد اعدائي ، سأسميكم عدوي الخامس." اجابها الشاب و اخته الى جانبه :- " هذه الخطب الرنانة لا فائدة من ورائها.كل الحواري من حولنا كانت كافية بخيرها شرها. لم يكن لنا جيران اعداء. بعد ظهورك  بات العالم بأسره عدو. ما مطلبك ، تكلمي. تتمنين لوبناتنا  يتركنالدراسة؟ لا ، لن يحدث هذا ، ولن يحترفن مثلك البغاء. هيا انظري في وجهي لنتكاشف. ماذا تريدين منا؟ كفى! لقد ثريتي ، سيطرتي و ملكتي ما راق لك و ما حلا ، كفى!... الا يكفيكِ كل هذا العقار والبناء؟ كفى! كفانا خطب رنانة نحوية، من فم امية! خلي عنك البلاغة، النحو، أجبِ،سين: ما هي الاستعارة المكنية ؟ خلي التنحوىِ... يكفينا يا راقصة. كفي!"

    .....

    لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

    https://telegram.me/altagheernet

    تم طباعة هذه المقالة من موقع التغيير نت www.al-tagheer.com - رابط المقالة: http://al-tagheer.com.com/art35623.html