2018/01/01
  • على من يطلق الرصاص؟
  • لي زميلة و صديقة مقربة في العمل ، تسكن في شقة في الدور الثالث من عمارة مكونة  من ستة ادوار. مجمع سكني مكون من حوالي 4 عمارات داخل نفس السور و جميعهن فوق نفس الأرض. لا يفصل بين العمارة و الاخرى الا مسافات صغيرة للغاية.

    حكت لي انها ليلا تخرج الى شرفة شقتها متخفية بالظلام ، و كلها ثقة انها لن ترى احد و لن يراها احد من تلاصق العمارات ببعضها البعض. اليمنيين لا يرتادون الشرفات. لماذا يبنونها؟ بل هي لا تكاد ترى الشارع العام الا من شق ضيق بين عمارتين. كثيرا ما تفتح النافذة في العمل و هي تلوح بيدها امام وجهها قائلة:- " اف، ُغمة، ُغمة، ُغمة! احتاج اكسجين!"  في الشرفة تستنشق الهواء. تسترخي في تأمل نجوم السماء. تستخدم الوتس آب. كل ليلة تدعو الله. احيانا تستمع الى اغاني او اذاعة ما. لكنها كذلك كثيرا ما تدمع. ليس حزنا فقد جمدنا حزن بارد انزلنا الى ما تحت الصفر حتى بتنا لا نحزن لكن حسرة على ماضي ما كان سعيد لكن: لا بأس ... ليته يرجع! حكت لي صديقتي صباح ذلك اليوم انها ليلة أمس لمحت ظل منعكس فوق العمارة المواجهة لعمارتها لكن في الدور السادس ، ظل لرجل يحمل بندقية و يصوب ماسورة بندقيته صوب السماء. تعجبت صديقتي لماذا يطلق أي شخص الرصاص نحو السماء ، و ليس في السماء شيء سوى بساتين ضياء. احيانا كانت تسمع صوت اطلاق رصاص. لم تكن تأبه. حيث صرنا نسمع الرصاص في زفة عريس او في زفة شهيد و عند أي مشاكل على الأرض. اثار فضولها الظل  الممسك ببندقيته مصوبا فوهة ماسورتها صوب السماء. حكت لي انها كانت ترى ظله يقف يعلق على سقف شرفته اشياء ، لا تدري ما هي. كل ليلة يعلق شيئا ما. ثم يمسك بندقيته و يصوبها نحو ما علق كأنما يستهدف السماء. سألتني صديقتي :- " من هذا المعتوه الذي يريد قنص نجمة في السماء؟ انا لا افهم ، هل تقولي بأنه مجنون؟"  لما تكرر سردها الصباحي عن هذا الظل المنعكس على العمارة المواجهة لعمارتها، لمست شغفها بمتابعته ، نصحتها بصدق:- " يا شيخة طنشي، يمكن مجنون. الحرب هذه ياما جننت ناس! احسننا حالا من مرض نفسيا. اما ان رأيتِ احد متوازن و سعيد، متفائل فثقي انه يحيا في الخيال و الحلم.البلاد تحتضر، يا تعيش يا تموت! و من غير الطبيعي ان يسعد الانسان ، يتسلى و يستمتع و هكذا الحال!"  قاطعتني صديقتي العزيزة قائلة :- " انا تقريبا النوع الثالث. احيا في الحلم او في الخيال كما قلتي او في الأحلام. كل مساء اضع اللاب توب على الطاولة المنخفضة امامي و اطبع كلمتي الناس في: ثم اطبع في اوروبا ، في امريكا، في الهند ، في استراليا ، في لاس فيجاس ، في بروكسل ، في باريس ، في برلين. اتفرج على الناس الذين يسميهم  الناس امثالي " الناس العايشة"!  اتخيل وجهي بين وجوههم. اراني اتبضع و احمل اكياس الثياب و العطور من متاجرهم. اراني اكل في مطاعمهم. اقطع الشوارع ذات اشارات المرورمعهم. اتخيل ابني يذهب مدارسهم. اذا مرضت ابحث في جوجل عن اطباءهم و ممرضاتهم و ارى نفسي في مستشفياتهم ، اتلقى علاجهم. اذا اردت ان اتسلى، اتفرج بحورهم ، ٌابحر في يخوتهم، اسبح معهم ، اتشمس معهم. العب برمالهم. هكذا انا اعيش في الحلم و الخيال مثلما قلتِ." انصت اليها بكل حواسي. صديقتي من ساكنات  الحلم. صعب يا عزيزتي صعب أن تعيشي في حلم. فجأة سألتني كمن تذكر شيئا ذو بال :- " ماذا تعتقدين جاري هذا يعلق فوق سقف شرفته؟" رفعت كتفي . اجبتها :-" الله وحده يعلم."

    " وجع" حالنا اصبح وجع. في اقوى ، اصدق حالاته " ألم". هيا فلنواجه الحقيقة. لماذا نزين الواقع المحيط بمكياج ثقيل ، لكي نعيش؟  كم سألت نفسي :-" هل تستطيعين يا سلوى الكتابة عن هذا الألم؟" فيجيبني قلمي  " و هل هذا الم يستطيع ان يعبر عن هوله قلم؟ انه ألم وطن ضاع. نحن في وطن يحيط بنا داخله في الجهات الأربع صور لمن رحلوا. معظمهم اطفال. اليس هذا الم؟ شوارع خاوية ، دكاكين موصده، حياة مؤجلة ، شفاه و ان ابتسمت متحدية تجدها ليلا تبكي بحسرة و ندم.  نحن بكل حرفية دمرنا اليمن. ضجينا بالهتاف وقت كان يجب ان نصمت ،ابتلعنا السنتنا حين كان لابد ان نتكلم. ها هي اليمن اشلاء ، وحيدة في طريق مظلم ، من يجمع تضاريسها , من هنا، و هناك...من يلملم . ماذا يحمل لنا الغد؟ نحن فعلا لانعلم. نحيا في اليمن صحيح، نأكل و نشرب، ننام و نصحو و نتخاصم ، و نسلم. لكن لا نعلم الى اين نحن ذاهبون؟  و انتِ يا صديقتي مشغولة حائرة من ظل؟ الى الجحيم من يأبه و من عساه يهتم؟ الفتنة تمكنت من جسد اليمن.  من رش شعلات الفتنة فوق ارض اليمن؟ كثيرون هم من باعوا اليمن ، كثيرون من خانوها، كثيرون من في الظهر طعنوها. على من عسانا نطلق الرصاص ، على من و الا من و الا من؟ لكن هيا نطمئن انفسنا و نخلد الى الله ، فهو لا سواه بحالنا اعلم و ارحم.

    في صباح أحد الأيام دخلت صديقتي الى المكتب لاهثة. نظرت اليها متسائلة:-" لماذا تلهثين؟ كنتِ تجرين؟" اجابت و قد قربت فمها من اذني :-" اص! لم اكن اركض. لكن رأيت صباح اليوم و عرفت كل شيء. عرفت ماذا يعلق جاري الظل فوق سقف الشرفة و عرفت على من يطلق الرصاص؟" اثارت فضولي فسألتها :- " صدق؟ من طيب؟ احكي لي."  سردت علي :- " أمس رأيته يجذب ما كان يعلقه كل ليلة فوق سقف الشرفة ، كان ظله يجذب و يجذب ثم القى بهن في الهواء. ثم رمى بندقيته من الشرفة. كان غاضب و رأيت حركته عصبية جدا. طبعا لم استطع النزول لاستطلاع الأمر لأنني امرأة و اليمن ما عادت أمان. صباح اليوم بكرت لأذهب الى عملي لأرى ما رماه. لن تصدقي ! كان يعلق صور قادة و حكام ممن ضيعوا اليمن ، ثم رأيت مكنسة بعصا و عصاها ملفوف بملاية. فيما يبدو كان ظلها هو البندقية. " استغربت جدا ما سمعت و تشككت في قوى صديقتي العقلية. سألتها :- طيب اذا كنت البندقية مكنسة ، من اين صوت الرصاص؟" اجابت :- " بالفم ، كان يصرخ طاخ طيخ ببوب بوم .بالفم!"

    شردت افكر.... هذا مجنون عنده نظرية. كل ليلة يغتال  منضيعونا و دمروا البلاد بمكنسة لا بندقية. نظرية برضة نظرية. فلما وجدهم لا يموتون برغم كونه يغتالهم ليليا. ما كان منه الا ان قطع الخيوط التي شنق صورهم بها... نظرية والله العظيم نظرية. لعله خاف ان ينفجر. فعاش في حلم انه يغتالهم ليليا. لما وجدهم احياء و هو و انا و انتم نموت ، رماهم من شرفته هم ومكنسته البندقية. طير كل الصور. وشوشتني صديقتي :- " لم يراه احدا سواي، و هو يُطَيركل تلك الصور. ها ذكرت ، كان حاضرا ، مصدوما مشدوها " القمر". الان عرفت على من يطلق جاري الرصاص؟ انه يطلقه على صور! 

    ......

    لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

    https://telegram.me/altagheernet

    تم طباعة هذه المقالة من موقع التغيير نت www.al-tagheer.com - رابط المقالة: http://al-tagheer.com.com/art36312.html