2018/05/03
  • استبداد الإمامة... وتغلب عسكر القبيلة
  • قد تكون الكتابة نقداً قاسياً لأوضاع مؤلمة أحياناً تحمل مرارة الكاتب، وقراءته لواقع يتوخى إصلاحه وجبر كسره وتقويم اعوجاجه، ولا يروم الاصطفاف مع طرف أو الانحياز إلى فئة أو موالاة حزب، تلك توطئة لِطَرق موضوع الاستبداد في اليمن.

     والذي يُقصد به التفرد في الامر دون الآخرين، ويعني كذلك مصادرة الحكم والتغلب القاهر على السلطة من قِبل طرف على باقي الأطراف على أساس عرقي سلالي قبلي أو مناطقي، والسيطرة المستحكمة على مقاليد الدولة واغتصاب مؤسساتها دون مشورة الأمة وخارج رضاها ودون الرجوع إليها.

    هذا الذي ساد وتاه في اليمن قبل ثورة 26 من سبتمبر وبعدها حتى يناير 2011م امتداداً لمنهجية حكم الإمامة في الطغيان واستبداد عرق الهاشمية على باقي أقيال اليمن بكل مستوياتهم الاجتماعية وذلك الذي فتح ابواب الظلم وضروب الفساد والقهر والعدوان، وتلك هي سمات الاستبداد السياسي، الذي انسحب كليةً بعد الثورة من الاسرة الهاشمية كعرق الى القبيلة الزيدية كعصبة، برغم الاعتدال المحمود الذي أصاب الكثير من أبناء القبائل ومشايخها بفضل التعليم والحزبية وانخراطهم في صفوف العمل السياسي متعدد الفكر والايديولوجيا.

    كتب الشاعر عبدالله عبدالوهاب نعمان في صحيفته الفضول في 15 سبتمبر 1950م مقالاً مطولاً عن الاستبداد قال في بعضه " وهكذا مكر المستبدين مكرتهم في هذا الشعب، وتسلطوا ببعضه على كله وضربوه بسوط من جلده وأقاموا صَولتهم في الأمة على أساس مسخ مسمم خبيث من التفرقة والعذاب".

    وذلك لأنهم قسَّموا المجتمع إلى فئتين "القبائل" قطيع العسكر في شمال الشمال الذين أُفقروا عنوةً حتى يعيشون مجرد أكتاف لحمل السلاح يقاتلون في صفوف الإمامة بغرض الفيد وسد رمق الجوع من عطايا الإمامة، الذي أكل أحشاءهم في السلم وحصد أرواحهم في معاركهم البينية كأُسر حاكمة أو مع خصومهم في الانتفاضات الوطنية في باقي اليمن.

     ولم يخالف عبدالرحمن الكواكبي الصواب حينما قال في كتابه  طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد "طمس الطغاة والمستبدين عقول الناس حتى جعلوهم ينسوا لذة الاستقلال، وعزة الحرية بل جعلوهم لا يعقلون كيف تحكم أمة نفسها بنفسها دون سلطان قاهر، السيف سوطه، والقيد آلة قهره".

    فاستغلت ولاءهم باسمها بادئ ذي بدء، ثم مضت تصرعهم بمبدأ الولاء للآل الذي طغى على إدراكهم وجرد منهم التمُييز التاريخي وجعلهم بلداء ساهمين يخفضون جناح الهوان والصبر على كل مذلة... والذي لم يعش تلك المأساة حينها يرقُبُها من حوله اليوم في مناطق سيطرة الحوثي سيراها رأي العين ويعيش كل حقائقها وأبعادها.

     والفئة الأخرى فئة المزارعين وأصحاب الحرف التجارية والبحرية والذين أعتبرتهم الامامة مصادر دخل لخزائنها المالية وملء غلالها من القمح وأنواع الحبوب، ومحكومين ليس لهم حض في العسكرة والقضاء والمشاركة في الحكم.

    ذاقت الفئتان مرارة الاستبداد وأنواع الظلم والسُخرة حينها، قبل استبداد القبيلة عقب ثورة  26 من سبتمبر بالتعاون مع فلول الإمامة العائدة بعد الصلح لباقي اليمن،  وقتل وإقصاء كل أبطال الثورة  وحاملي نواة بناء اليمن الحديث.. وتعصبها على المناطق الانتاجية والأيادي العاملة الفئة الثانية في مثلث الانتاج محافظة الحديدة، إب وتعز وجزء من الضالع قبل رحيل الاستعمار.

    كتلة الألم التي عاشها مثلث السهول والسواحل في حقبة حكم وكلاء قريش وما تلاها من حكم القبيلة الزيدية التي اعتقدت أنها الوريث الشرعي لحكم السلالة بحكم المذهب والعسكرة، وموروث دعمها لقوائم ذلك الحكم طاحونة الألم  والفقر عليهم أولاً وعلى باقي اليمن السهلي والساحلي ثانياً.

    قبل إجهاض محافظة إب عن طريق استقطاع أراضيها من قبل حكام الإمامة للكثير من الأسر النافذة من شمال الشمال والحلول فيها وإلحاق جزء كبير من محافظة ذمار اليها في عهد صالح لتشويه نسيجها الاجتماعي المتفرد وتدمير بُناها الطبيعية وقَطْرها في حبائل شمال الشمال.

    قطعاً لا ينكر أحد دور أبناء مثلث السهل والساحل وبعض الجبال في صناعة كل الحركات التغيرية، سواءً في المجالات العلمية الصناعية الاقتصادية السياسية والاجتماعية أم الحركات الثورية الوطنية الشاملة، مع ما رافقه من ممارسات التحجيم والتغييب والاخفاء لتلك الأدوار الفاعلة في تاريخ اليمن المعاصر، من قِبل نظام ما بعد ثورة 26 سبتمبر، ودور القبيلة في إعاقة بناء الدولة ومساندتها لحركات الامامة للسطو على اليمن ومصادرة طموحات أبناؤه حتى اللحظة.

    وفي الوقت الذي كانت القبيلة في شمال الشمال أصواتاً بيد الجلادين تُلهبْ ظهور الشعب وتغرس في قلوبهم الخوف والإرهاب كان أبناء الساحل والسهل يحرثون الأرض ويتيهون في بلاد الغربة بحثاً عن الرزق الحلال، وفي الوقت الذي كانت الامامة تربي أبناءهم على ثقافة السطو والفيد والعسكرة، كان أولئك يُعلِمون أبناءهم مبادئ الخط والزراعة ويدفعوا بهم إلى بلاد الغربة زُمرا.

    وما إن انطلقت ثورتي 26 من سبتمبر 14 من أكتوبر حتى تموضعوا في الصفوف الأولى توزعت أسماء اليافعي الضالعي  الشرعبي والشرجبي والصبري والشبواني والأصبحي وغيرها من مناطق جنوب اليمن، في أوائل كشوفات التضحية  قتالاً ضد الامامة والاستعمار ودعماً لخيارات الشعب مادياً ومعنوياً من  الداخل والخارج كما أورد المناضل عبد الغني مطهر في كتابه "يوم ولد اليمن مجده".

     انحاز معظم أولئك في الأحداث الأخيرة إلى صفوف فلول الإمامة العائدة وتمازجوا معهم حتى غالبية السلطة والجيش في صنعاء حرصا على ديمومة الاستبداد، وديمومة الحكم بيد طرف أوحد وعدم الاعتراف لباقي الأطراف بالحقوق المشروعة المتساوية.

    إلا أن السحق والاهانة والتهميش الذي أصابهم لم يكن ليتصوره أحد من قبل فلول الامامة الجدد لدرجةٍ غير متوقعة تجاوزت كل طموحات العودة إلى زمن التسلط والسطو، حتى أصبح الكثير من منتسبي الحرس الجمهوري الذي اعتبر نفسه يوما ما قوة العز الضاربة في اليمن لا يجرؤ على مجاراتها أو النيل منها أحد!! يشكون بمرارة تخالطها والتنهد العميق جراء الإهانة والاذلال الذي أصابهم حد البكاء والعويل، ولعل في ذلك خيراً وعبرة لليمن حتى يقبل البعض منهم بالآخر ويعترف كل طرف بحقوق إخوته وأبناء عمومته في العدل والمساواة، في الحق والعيش الكريم.

    تم طباعة هذه المقالة من موقع التغيير نت www.al-tagheer.com - رابط المقالة: http://al-tagheer.com.com/art36686.html