2018/06/01
  • الفيدرالية–الديمقراطية-بناء الدولة_ الاقتصاد_ والتنمية المستدامة..(10)..
  • أولا:- لدي ملاحظتين عابرتين على المقال السابق بشأن مسودة الدستور ؛الملاحظة العابرة الأولى : وأنا اتصفح بعض  الدساتير المقرة أو ما كتب عنها من بحوث رأيتهم جميعا  يعطون اهتمام جوهري  بمسألة الصياغات للمسائل الدستورية ، فكانت الصيغ من قبيل " رسم سياسات" أو  "تنظيم  ، تخطيط "  فعلى  سبيل المثال  لا الحصر : رسم السياسة للشئون الخارجية  والتمثيل الدبلوماسي، وضع سياسة للأمن القومي أو للمخابرات العامة، رسم السياسة المالية، تنظيم أمور الجنسية والتجنس وحق الإقامة وحق اللجوء السياسي، تخطيط السياسات المتعلقة  بالمياه ومصادرها وتوزيعها ..الخ.  ،لمعظم المسائل  التي وردت في قوائم مسودة الدستور الجديد لليمن والخالية من هذه الصيغ هذه المسودة  ،فإذا كان الأمر يجوز و عادي ،تظل ملاحظتي شكلية ؛ أما إن كان لذلك  معنى ، فينبغي تعديلها ..والملاحظة الثانية العابرة أيضا :  فعند الحديث عن توزيع السلطات وجدت أن السلطة القضائية للأقاليم غير موجودة  باعتبارها السلطة الثالثة  في باب السلطات ،حيث موجودة في الاتحادية ،بالرغم من أن هناك مواد تتكلم عن مجلس قضائي للإقليم وتوزيع المحاكم واختصاصاتها كالاتحادية ولكن على مستوى الإقليم غابت هذه السلطة واكتفى المشرع بالحديث عن سلطتين تشريعية وتنفيذية ..فإن كان هذا الكلام عادي فتظل ملاحظة شكلية ..أقول هذا لأنني لست متخصصا وبالتالي لا أستطيع الجزم أو النقد في مثل هكذا أمور.. وفي حلقتين متتاليتين بإذنه تعالى سنتحدث عن السلطة القضائية الدعامة الرئيسية للشرعية الدستورية..

     

    استقلال القضاء في الدولة الفيدرالية: إذ أن مبدأ الفصل بين السلطات يطبق الضوابط والموازين ,فان استقلال القضاء يمثل الأهمية القصوى فيه. فإذا كان الدستور هو روح الأمة فان السلطة القضائية هي القَــيِّـمة على هذه الروح يودعها المواطنون ثقتهم فيما يتعلق بحكم القانون. وبما أن حكم القانون هو جوهر نظام الحكم الدستوري , فلا يمكن لهذا النظام ان يقوم بدون سلطة قضائية تمارس وظيفتها باستقلالية. بكلام أخر , يشكل مبدأ السلطة القضائية المستقلة اللبنة الأولى في النشأة الدستورية وهذا يتعلق بشكل أساس بالحقوق الأساسية وحريات المواطنين. من هنا , حين تكون السلطة القضائية مستقلة ومعزولة عن ضغوطات المصالح القوية في المجتمع وتتمكن من إرساء العدل من دون خوف أو مراعاة أو محاباة لأحد , تصبح أفضل ضامن ليعيش الناس ويعملوا تحت مظلة الأمن والثقة في حكم القانون , إذ يعد حكم القانون والقيم عليه المتخذ شكل السلطة القضائية المستقلة أساس السلام والتطور.. تعد السلطة القضائية خير رقيب لتحقيق حالة عدم تسلط احدى السلطتين على الاخرى أو خروجها على القانون اذ ان السلطة القضائية سلطة مستقلة لا سلطان عليها سوى للقانون اذا ما ضمن لها الاستقلال الكامل. ومبدأ الفصل بين السلطات تتمتع بخصوصية استثنائية عند الحديث على الدول الفدرالية وهذا مرتبط بالدرجة الاساسية بوجود منظومتين لأجهزة الدولة. فبالإضافة الى المنظومة الهرمية لأجهزة السلطة الفيدرالية، هناك منظومة اخرى لسلطات الاطراف ربما هي تكرار لتلك الاجهزة ولكن على مستوى اقل من ناحية الضخامة والتركيبة الداخلية وحجم الاختصاصات. وفي جميع الاحوال فأننا نقف امام خطين متوازيين من اجهزة السلطة في بلد واحد، وهذه واحدة من الصفات المميزة للدول الفيدرالية.. إن تحليلا" بسيطا" لمبدأ الفصل بين السلطات في الظروف المعاصرة ترشدنا الى مداخل نظرية وعملية جديدة لهذا المبدأ من بينها، على سبيل المثال، فكرة توازن السلطات من خلال منظومة الكبح والموازنة أي عن طريق ايجاد اليات تمكن السلطة التشريعية من مراقبة نشاطات السلطة التنفيذية فيما تمنـح الاخيرة ممثلة برئيسها استخدام حق النقض ضد قرارات السلطة التشريعية في حين تقف السلطة القضائية كحكم بين الطرفين.. لذلك من الضروري تامين وحدة السلطة في الدولة الفدرالية من خلال الفصل الافقي للسلطات  (تشريعية، تنفيذية، قضائية) ومن جهة اخرى الفصل العامودي وذلك بتوزيعها الى سلطات مركزية وأخرى للأطراف مع تأمين تنفيذ قرارات السلطة المركزية من قبل الأطراف في ظل قوانين تضمن مبدأ المساواة بين المركز والأطراف.. أن الحكومة يجب أن تكون قوية إلى الحد الذي يمكنها من حماية الناس لا قمعهم؛ فالقوة يجب ان يوجهها ويقيدها الحق.. لذلك يجب أن تخضع الدولة للقانون لتحقيق مصالح الافراد وحماية حقوقهم ضد تعسف السلطة واستبدادها. فدولة القانون هي الدولة التي تخضع وتتقيد في جميع مظاهر نشاطها بأحكام القانون أي أن جميع سلطات الدولة لا يمكنها أن تتصرف الا في حدود احكام القانون.. وتؤكد ديباجة ميثاق الامم المتحدة تصميم شعوب العالم على ان تبين الاحوال التي يمكن في ظلها تحقيق العدالة ((و تؤكد من جديد ايمانها بالحقوق الاساسية للإنسان , فهي جزء لا يتجزأ من مفهوم العدل الذي يتخلل الميثاق, فالحق في الحياة والحرية, والحق في محاكمة عادلة, والحق في نظام قضائي نزيه ومستقل, هي جميعها شروط اساسية لتحقيق العدل واحترام حقوق الانسان.))  وينص النظام الاساسي لمحكمة العدل الدولية  على (( ان هيئة المحكمة تتكون من قضاة مستقلين))؛  وكذلك نجد ما يؤكد النّص على مبدأ استقلال القضاء؛ حيث ورد في عدد من مواثيق المنظمات الدولية و النظم الاساسية الاخرى, فهناك مادة في  الاتفاقية الاوروبية لحقوق الانسان تنص على أنه ((لكل فرد لدى الفصل في حقوقه والتزاماته المدنية حق في محاكمة عادلة من قبل محكمة مستقلة , ومحايدة تقرر حقوق الفرد وواجباته وتفصل في اية تهمة توجه اليه))  كما نص على هذا المبدأ الاتفاقية الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية في المادة 2/3 وقد توالت دساتير العالم في النص على مبدأ استقلال القضاء واحاطته بمظاهر الاحترام والتقدير. كذلك فإن الدساتير العربية نصت ايضا على مبدأ استقلال القضاء, وذهبت غالبيتها الى اعتبار القضاء سلطة وابتعدت كثيرا عند التطبيق فإشكالية التدخل من السلطتين التشريعية والتنفيذية واضحة وفي أكثر من قطر عربي ..؛ونصت المادة (11) من مشروع ميثاق حقوق الانسان والشعب في الوطن العربي الصادر 1987((على ان الناس متساوون امام القضاء وتكفل الدولة استقلال القضاء وحياده كما تكفل استقلال مهنة المحاماة)). كما أكدت المؤتمرات الدولية على مبدأ ترسيخ استقلال القضاء والمحاماة في كثير من توصياتها نذكر منها على سبيل المثال مؤتمر العدالة الجنائية في العالم الغربي الذي عقد في مدينة سيراكوزا بجمهورية ايطاليا عام 1985 وتوصيات المؤتمر الأول للجمعية الدولية لقانون العقوبات (الشعبة المصرية) الذي عقد في القاهرة في مارس 1987. وأخيرا ننتقل لبحث استقلال القضاء من السلطتين التشريعية والتنفيذية. استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية.  - استقلال السلطة القضائية عن التشريعية: تقوم السلطة التشريعية بسن القوانين, وتطبق السلطة القضائية هذه القوانين واستقلال الثانية عن الأولى يقتضي عدم تدخلها في عملها. ونظرا لخطورة  التدخل في السلطة القضائية, فإنه  يؤدي إلى الفوضى والظلم..؛ فالواقع ان السلطة التشريعية لها أساليب عدة تستطيع بواسطتها أن تنفذ بها إلى قدس القضاء, ومن أخطر هذه الأساليب وأكثرها شيوعا في البلاد العربية, تدخل السلطة التشريعية في تنظيم القضاء أو اعادة تنظيمه, وذلك عن طريق اصدار قرارات بقوانين أو قوانين تنظيم السلطة القضائية, ومثل هذه القوانين تتيح للسلطة التنفيذية أن تقوم بتنظيم السلطة القضائية واقصاء العناصر التي لا ترضى عنها  .. ؛ فالدستور عندما يقرر مبدأ استقلال القضاء كسلطة من سلطات الدولة فهو يمنع أي سلطة أخرى من التدخل في تنظيم القضاء أو اعادة تنظيمه مهما كانت الأداة التي يتم بها هذا التدخل حتى لو كانت هذه الأداة هي القانون. والواقع انه لا معنى لاستقلال القضاء إذا لم تكن سلطة القضاء تمتد لتشمل كافة المنازعات ترتيبا على ذلك, لا يجوز للسلطة التشريعية أن تتدخل في طريقة أداء القضاء لوظيفته, فلا تملك أن تلغي أي حكم أصدرته المحاكم مهما كان ظاهر الخطأ, سواء أكان الحكم مدنيا أو جنائيا, قطعيا أم غير قطعي, أو ان توقف تنفيذ أي حكم قضائي ولا تعديله ولا نقضه, كما لا يجوز لها أن تناقش أي قاض في حكم أصدره, ولا أن تبحث في موضوع أي دعوى معروضة أمام القضاء, لان مثل ذلك يُعد اخلالا بمبدأ الفصل بين السلطات, واعتداء ظاهر على استقلال القضاء. كما ان التشريع الذي يصادر حق التقاضي أو يقيد هذا الحق يعتبر غير دستوري, ويُشكل اعتداء على السلطة القضائية. كما انه يهدد مبدأ المساواة بين المواطنين الذي يُعد من أهم دعامات الدساتير الحديثة. ومن هنا يبدو لنا ان استقلال القضاء يستلزم أن تترك ادارة شؤون رجال القضاء والبت في سائر القضايا المتعلقة بهم الى هيئة قضائية صرفة, لأن القضاة أدرى الناس بواقعهم وظروفهم. وإذا كان من الضروري وجود مجلس قضائي يتولى شؤون القضاة ويفصل في القضايا المتعلقة بشؤونه, حتى يكون بمنأى عن السلطة التنفيذية, فإن هذا يعني في رأي الكثيرين  انه لا يجوز أن تترتب مسؤولية الحكومة على أعمال القضاة, لأن الحكومة تسأل عن أعمال موظفيها لما لها عليهم من سلطة التوجيه والرقابة, وهو ما لا تملكه بالنسبة للقضاة الذين لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون, فالعلاقة بين الحكومة من جهة والقضاء من جهة أخرى ليست علاقة تبعية, والا يجوز لأية سلطة ان تحصن اي قانون أو قرار من رقابة القضاء, أو ان تتدخل في القضايا او في شؤون العدالة بأي وجه من الوجوه. أردنا بهذا العرض لإعطاء صورة واضحة عن القضاء واستقلاله ؛ وبالتالي  بضرورة إيجاد قضاء دستوري يؤدي د=ور الرقابة القضائية على دستورية القوانين  عن طريق المحكمة الدستورية  الذي ينبغي أن لها دور فعال وايجابي في بناء دولة القانون في اليمن الجديد الفيدرالي بعد انعدام الرقابة القضائية ردحا من الزمن في اليمن ،فبدونها لا يمكن أن  يتمكّن الشعب اليمني من المطالبة بحقوقه قضائياً إذا ما انتهكت  بقوانين غير دستورية.. وسنستكمل ذلك في حلقة أخرى لأن القضاء يحتاج القارئ الكريم التعرف على  تفاصيله ويعتبر ذلك بمثابة توعية قانونية ،فلا ضير في الاسهاب قليلا في هذا الشأن..

    اللهم وصلنا لما نحلم فيه من الفصل الحقيقي بين السلطات واستقلال كل  سلطة عن الأخرى وارنا يمنا جديدا خاليا من التدخلات ومن الفساد يا كريم ..ورمضانكم جميعا مبارك وكريم..

    تم طباعة هذه المقالة من موقع التغيير نت www.al-tagheer.com - رابط المقالة: http://al-tagheer.com.com/art36760.html