بعكر... الإنسان من الداخل
قبل 10 سنة, 7 شهر
2008-01-21ظ… الساعة 17:27
التغييرـ حمزة الحضرمي، يوسف الجمري: سعدت بحمله داخل أحشائي واستبشرت به الخير والبركة, وسماه
والده قبل أن يولد "عبد الرحمن". كان محبوباً منذ طفولته, يرتاح له الصغير، ويأنس معه الكبير من فقهائه ومعلميه". بهذه الاستهلالية تتحدث والدته عنه، وتصفه –كما يصفه الآخرون– بالأديب الحصيف. أما بوصفه الطفل والابن، فتختلف رؤيتها له عن رؤية الآخرين.
عبد الرحمن بعكر عرفناه وعرفه الجميع بالأديب الجهبذ والعلامة النابغة في الأدب والنحو والشعر واللغة. والقليل جدا عرفوه كإنسان.
 نحاول هنا أن نسلط الضوء على عبد الرحمن بعكر، الأب والابن والصديق. ونحاول أن نعرف بعض الخبايا عن طفولته وشبابه وعاداته ونمط حياته الخاص. ومن البديهي أن يكون أفضل من يعطينا بصيص الضوء الذي يمكننا من خلاله رؤية بعكر من الداخل هم المقربون منه والمقربون جدا، وهم أمه وأبناؤه والمحيطون به في حياته العادية الخفية على الجميع.
 
 مات البدر يا مكية!
 لم نكن لنقفز على حاجز طفولة الراحل، لتذكرنا والدته، التي برغم كبر سنها وألم حزنها لفقدها خيرة أبنائها بحسب قولها، وتعطينا تفاصيل من طفولته العالقة في ذاكرة حبها لولدها الذي ملأ حياتها برًا ورفع رأسها شرفاً بعلمه وأدبه؛ وكيف لا وقد استبشرت به واستعجلت قدومه أثناء حملها إياه؟! تقول والدته: "أخبرتني عمته الصالحة، مكية بنت علي بعكر، قبيل ولادته بأيام قلائل، إنها رأت في منامها هلالاً في ساحة البيت، فتلمست هلال السماء فوجدته مكانه لم يتزحزح. فلما أصبحت أخبرتني لنرسل للشيخ الزاهد حسن الوحيدي آل أبو الحياء، رحمه الله، في جامعه الذي لا يبعد كثيرا عن البيت، والذي فسر الحلم بارتزاقنا ولدا مبروكا تسعد به أسرته".
 وتضيف أمه: "فسعدت بحمله بقية الأيام، واستبشرت به الخير والبركة, وسماه والده قبل أن يولد: عبد الرحمن".
 وتقول: "كان محبوباً منذ طفولته, يرتاح له الصغير، ويأنس معه الكبير من فقهائه ومعلميه". لزم معلمه أحمد قاسم دهمش الخولاني الذي أحبه كثيراً وعده ولده الذي لا يفارقه, بل إنه اصطحبه معه إلى زبيد، وهناك نهل العلم من علمائها ومشايخها. كما أحبه القاضي علي بن محمد نسر الآنسي، الذي كان قاضياً على مدينة حيس: مسقط رأس بعكر، وكان والده، الطيب بعكر، كاتباً وأمين سر المحكمة. وعندما انتقل القاضي الآنسي إلى صنعاء أقنع والده باصطحابه معه إلى صنعاء ليكمل دراسته في المدرسة العلمية بصنعاء وجامع الوشلي.
 وتذكر والدته موقفاً من مواقفه المضحكة, التي كان يقوم بها كرد فعل عندما يضربه معلمه قاسم دهمش؛ تقول: "كنت أعطيه أثناء ذهابه إلى معلمه للدراسة في الجامع القريب من البيت فطيرة من الدخن الذي أصنعه بيدي لأبيه وإخوانه، وللمعلم (متنانا) لتعليمه للولد, واعتاد المعلم دهمش ذلك في تهدئة جوعه حتى ينتهي من تعليم الأولاد ليعود إلى بيته ليتغدى, فكان بعكر يعطيه الفطيرة يوم سلوه وسلامته من معلمه, ويدفنها خلف سور الجامع عندما يضربه ويشد عليه, إلى أن كشف معلمه أمره من زملائه, فأقر بفعلته".
 
 ما عاش وحيدا من عاش للناس جميعا
 يرى بعكر أن الخيرة والأفضلية هي لمن ينفع الناس ويحرص على مصالحهم وشؤونهم. ومن خلال عمله سكرتيراً للمديرية في صباه انطلق بعكر يصلح بين الناس ويقرب بعضهم من بعض, يترافع للفقير ويتحامى  للقاصر والأرملة والمطلقة، يقارب ما استطاع مقاربته. ورزقه الله جاها، ووهبه علماً وحكمة.
 تقول عنه أمه إنه كان حتى بعد إصابته بالعمى ولزومه البيت محبوباً يقبل عليه الناس إلى البيت ليحكم بينهم, حتى أن العامل (مدير المديرية حالياً)، الذي كان بعكر بمثابة سكرتير له، يغار من شعبيته وإقبال الناس عليه والقبول بصلحه وفصله في قضياهم. وتضيف: "كان الناس إن لم يجدوه في إدارة المديرية (التعاونية حينها) يأتوا إليه في البيت ليحكم بينهم".
 لم يتغير، بل بقي على ذلك؛ عبادة وتقرباً لله عز وجل، بل وزكاة عن جاهه وعلمه. يذكرنا أحد أبنائه (النعمان) بقصة حاول فيها الراحل أن يصلح بين رجل في المنطقة وابنه الذي أتى إليه رحمه الله يشكو رفض أبيه مساعدته في الزواج, رغم استطاعته وقدرته على ذلك. وعندما استدعى ذلك الأب، أبدى الرجل بعض الحماقة والاندفاع في اتهام بعكر بتقوية ابنه وتحريضه عليه، دون أن يفهم ما المطلوب منه والسماع إليه. فتعامل معه بحكمة وامتص غضبه مستهديا بالله, وطالباً من الابن الركوع بين قدمي والده ليرضى عنه، لينصرفا، الأب والابن، صديقين لبعكر يعودانه ويزورانه, بل اعتبراه كبير أسرتهم، يستشيرانه في قضاياها, وشؤونها العامة والخاصة, ويعملان بمشورته, وينتصحون بنصيحته.
  كان بعكر لا يتواني عن قضاء حاجة من احتاجه، إن استطاع, ولا يدخر جهداً في ذلك رحمه الله, بل كان يحب كل من يتصدر لقضاء حوائج الناس وشؤونهم, فيشيد بهذا, ويشد على يدي هذا. ولم يقف عند ذلك، بل اشتغل بتدوين وتوثيق المصلحين ممن أخذوا الصدارة في البر والإصلاح بين الناس, فكان كتابه "مصلح اليمن علي محسن", و"آخر رجل أحبه الهرم والحرم" الذي خص به الراحل  الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر الذي اشتغل بالحكم والإصلاح بين معظم القبائل اليمنية ونزاعاتهم التي أعيت الحكومة وأثقلت كاهلها، وما تزال. وغيرها من الكتابات التي تخللت مؤلفات الراحل بعكر والتي تناولت مناقب الأفذاذ من المصلحين والاجتماعيين.
 وبعد أن ابتلي رحمه الله بالعمى، وكان حينها في التاسعة والعشرين من العمر، لزم بيته, متفرغاً للقراءة, والجلوس مع الكتب، مرحباً بمن يقرأ عليه ويحكي له أخبار الصحف ونوادر الأجداد وتحف وبداهة الأحفاد, يقرب ويدنو إلى من يجيد اللغة العربية ويعطيها حقها في اللفظ، ويبغض من يلحن ويكسر اللفظ ويتعالى على العلم ويرفض التعلم.
 لم تثنه عن منافع وخير الأمة أي إعاقة، فجعل من الكتب التي جمعها في طفولته وأثناء تلقيه العلم على أيدي الفقهاء والعلماء من زبيد والتربة وصنعاء، نبراسا له, ليخلف الله عليه بدلا من بصره بصيرة القلب وفتح عليه من علوم الدين والشريعة واللغة، فهو كما وصفه الدكتور عبد الولي الشميري في كلمته التي قدم بها أول ديوان شعري للراحل: "لقد ألان الله لآل بعكر اللغة كما ألان لداود الحديد".
  يومه يبدأ بالقرآن وينتهي بلندن
 لقد كان للراحل بعكر برنامج يومي ألزم به نفسه لا يحول عنه قيد أنملة. كيف لا وهو الإداري الذي قاد مؤسسة بيته الكبير، وصنع من أسرته جواً ثقافياً بأقصى ما يمكننا أن نتصور، ليكون منه مكتبة ثقافية وموسوعة أدبية حوت التاريخ والأدب أصيله وحديثه, وفاح من أوراقه وسطوره عبق فكره وكتاباته الرائعة!
 تقول ابنته وقارئته الدائمة "إيمان": "عندما أتكلم عن حياة والدي ومعلمي وقدوتي، أسكنه الله فسيح جناته، فإني لا أستطيع أن أعبر عن كل ما يختلج بداخلي، إذ أنني أتوه في متشعب أمواجه الكثيرة والمتلاطمة بالمعرفة والفكر والأبوة والحنو. لقد كان رحمه الله يقضي يومه بكامل نشاطه، حيث يبدأ يومه بصلاة الفجر وقراءة ما تيسر من القرآن الكريم. ثم يناديني لأصطحبه إلى المكان المعد للقراءة والكتابة، وهو المكان المحبب له. وهناك أقوم بقراءة بعض المواضيع عليه من مجلة "العربي" الكويتية التي يتابعها باستمرار، أو بعض الصحف المحلية التي تصل إليه من ابنه وسفيره في صنعاء، محمد. وفي السابعة صباحاً أحضر له المذياع ليستمع إلى أخبار إذاعة لندن والتي يتابعها هي الأخرى باستمرار. وأنصرف لإعداد وجبة الفطور التي كان رحمه الله يفضلها على وجبات الغداء والعشاء. ثم يأخذ قسطا قليلاً من الراحة بتناول الشاي. بعدها يطلب مني إحضار بعض الكتب الأدبية، وأقوم باستئناف القراءة حتى التاسعة والنصف صباحاً. ثم يغفو بعض الوقت: حتى الساعة الحادية عشرة قبل الظهر؛ ذلك لأنه لا ينام في المساء، لكثرة الأفكار أو لكثرة المشاغل التي تدور في خاطره، كتأليف كتاب أو مقال أو قصيدة، ليقوم في الصباح بإملائها عليّ لكتابتها. وعندما ينهض من غفوته يناديني لأحضر له بعض الخضروات الموجودة في البيت، كالخيار أو بعض الفواكه كالخوخ, ويتهيأ بعدها لصلاة الظهر، وأكون قد أحضرت له المذياع مجدداً لسماع أخبار الواحدة من إذاعة لندن. وحينها يكون النعمان قد عاد من السوق وأحضر له القات؛ وعادة ما تدور بينهما المناظرات في إقناعه بنوعية القات، كون الوالد رحمه الله بصيراً، ولكنه يعرف جودة القات من تحسسه له بأصابعه و"قرحة" عوده وليونته. وتكون أخواتي قد أعددن الغداء، بينما تتولى إحداهن غسل القات وعصره، لأنه رحمه الله كان قد فقد معظم أسنانه. بعد الغداء أقوم باصطحابه إلى المكان المخصص للمقيل، ويسمع بعض الأغاني لفنانين يمنيين, والتي يعيش مع كلماتها المغناة، كأغاني الآنسي, وأبو بكر، وأيوب،  والكبسي, والبدجي. لقد استمع رحمه الله إلى أغنية "أهلا بسيدي وسيد الناس" وأعجب بها بشدة فأعد قصيدة لفؤاد الكبسي وأرسلها إليه.
 ويواصل رحمه الله مقيله بعيداً عن ضجيج الأطفال, في ديوانه الذي يستقبل فيه الناس والزوار الذين لا تنقطع زياراتهم له لتناول الأخبار والأحاديث والمستجدات، وكذا الحديث عن الأدب وأخباره والتي يسعد عند إثرائه وتناوله كما يسعد بزيارة هواته ومحبيه من أكاديميين أو مثقفين أو أناس عاديين. حينها أكون في الغرفة القريبة منه منشغلة وبعض أخواتي بتبييض مقالاته ومؤلفاته التي لا تنقطع وتكاليفه التي يلزمنا بالبحث عنها في مكتبته التي تزيد عن الألف عنوان.
 وبعد أن يصلي المغرب يستأذن الناس وينصرف نحوي لأستأنف له القراءة حتى السابعة قبيل العشاء يطلب مني أن أتركه مع أفكاره وإلهاماته. وبعد صلاة العشاء يجلس في مكانه يقرأ القرآن ويسبح حتى التاسعة مساءً. عندها
آتيه بوجبة العشاء, وحينها ينادي بقية أولاده للجلوس معهم, ومناقشة أوضاعهم المدرسية ومتابعة واجباتهم التي يسألهم عنها أولاً بأول, كما يتبادل معهم بعض الحديث عن قضاء يومهم، ويحكي لهم بعض الحكايات المسلية والمضحكة التي يتفجر لها الإخوان ضحكاً. أتركه في الساعة العاشرة وهو يدعو لي بتمام الصحة والعافية, قائلاً: خذي راحتك، لقد أتعبتك اليوم كثيراً. فأنصرف أنا إلى النوم, وبيده المذياع  يتنقل بين الإذاعات الإخبارية, وأكثر ما يقف على تقارير إذاعته المفضلة إذاعة لندن".
 وتواصل "إيمان" حديثها: "في إحدى الليالي وبينما هو يقلب الإذاعات إذا به يسمع دخول القيادة الجماعية، في يوم مشهود، العاصمة الأفغانية كابول، ظافرة ومنتصرة على الاحتلال السوفييتي. فكان رحمه الله في فرحة شديدة. وما إن انتهى الخبر وقف وبيده طفله الرضيع (حمزة) منادياً أخي الأكبر (أنور) ليحضر وبيده ورقة وقلم, ليملي عليه بعض الأبيات الشعرية التي ولدتها نصرة الأفغان وظفرهم، ومنها ما يلي:
وساجلت عند الصباح    غناءً فناغى وغنى وأطرب
صباحك يا حمزة أنت صباحي    ففتح شبابيك قلبي المعذب
صباحك والفجر في قندهار   وكابول حيا وبيا ورحب.
وكان رحمه الله متابعاً للأخبار السياسية والثقافية والأدبية. كان إذا سمع خبراً أهمه، سياسياً أو ثقافياً، يناديني لأدونه في دفتر خاص بذلك، إلى أن يحين وقته فيطلب مني أن أحضره له واقرأه عليه مرة أخرى".
 
 بعكر.. يحب كل جميل
وعندما سألنا ابنته وسكرتيرته الملازمة له (إيمان) عما كان يحبه بعكر وعما يزعجه، أجابتنا في اختصار شديد وإيجاز بليغ لا تخلو منه أنفاس الراحل الأديب رحمه الله: "أحب القراءة إليه بعد صلاة الفجر, وكان يحب كل شيء حسن مثل صوت الرعد والبرق والمطر, وكذا الأخبار السارة من الأسرة وأخبار الزراعة.
 وكان يحب  سماع صوت أصغر أبنائه "العز"، 7 سنوات، والذي يحظى ببديهية وطرافة عجيبة قفز فيها على حاجز طفولته, وتصرفاته كالكبار، وهو ما أسر قلب والده حباً وعطفاً رحمه الله".
 تواصل إيمان: "ذات مرة والعز جالس إلى جانب أبي بصمت, ظن أبي أنه قد انصرف من المجلس، فناداه: يا عز! يا عز!... ربما لغرض كان يريده منه. وكان العز متأملاً عيني أبي بصمت, ليقول له مباشرة وعن قرب منه وحب صادق وبريء: لو تتبدل العيون شاهب لك عيوني يا اباه!. أي لو تتبدل العيون لأعطيك عينيّ ترى بها وتبصر. فكان موقفا مؤثراً على الوالد رحمه الله ليتعامل مع العز بمعاملة خاصة، يأنس بجلوسه معه ومرافقته معظم الوقت.
 وكان مما يغضبه تصرف أولاده الأطفال وعدم محافظتهم على الصلوات، والتقصير في مذاكرة دروسهم وحل واجباتهم المدرسية, وجلوسهم لوقت طويل أمام التلفزيون. وأفضل الأيام المحببة له هي أيام العطل المدرسية ووجود أولاده لديه, وإلزامهم بالمهام المكلفين بها".
 وتضيف: "كان يخص أخي الأكبر أنور بتبييض أعماله من مقالات ومؤلفات، لحسن خطه وتمكنه في اللغة. ويكلف بعض بناته البحث في الكتب, ومنهن من تكتب ما يملي عليها الوالد, ومنهن تقوم بتلخيص بعض الكتب،  بينما يختصني للقراءة عليه, وهكذا دواليك... وكان رحمه الله يفضل الحديث عن الزراعة والحديث عن أيام شبابه وجلوسه في صنعاء وتعز وزبيد وإب أثناء تلقيه العلم. وكانت أكثر المأكولات التي يحبها ويفضلها هي الكبان والكدر، والحقين والنسنس والسمك المشوي بالتنور، والجبن والحلبة وعنب الفلفل". 
 
 
 صاحبة الجلالة.. الحبيبة الخالدة
   ولعل الصورة التي يقدمها ابنه النعمان توضح أكثر اهتمام عبد الرحمن الإنسان بقضايا من حوله والمشاكل العامة التي يسعى لحلها بما حباه الله من جاه لدى الجميع وعلى رأسهم أهل الحل والربط وأصحاب السلطة التي لم يسع يوما لاستغلالها لصالحه الشخصي بقدر ما كان يسخرها لمنفعة الآخرين، ويرى نفسه فردا من مجتمع لا يكتمل كلا منها دون الآخر.
 يقول النعمان: "كان والدي صريحاً واضحاً، يكره المحاباة والمداهنة والكذب. وأذكر هنا واقعة حصلت في المنطقة (حيس) قبل فترة، فقد انقطعت المياه عن المديرية لخلافات بين المتنفذين والقائمين على مشروع المياه.
وبطبيعة المنطقة الحارة واشتدادها أكثر في الصيف ارتفعت الحرارة وارتفعت معها أصوات الأهالي دون جدوى. فبادر الوالد رحمه الله بالكتابة إلى مدير المديرية, ومن ثم كتب إلى عضو مجلس النواب عن المنطقة وأصحاب الشأن الذين تجاهلوا رسالته برغم صداقتهم له, إلا أن مصلحتهم غلبت على مصالح الناس وإغاثتهم  بالماء, مما اضطر الوالد للاتصال بمحافظ المحافظة, وشكا إليه حال المديرية, ووضع الأهالي المزري من انقطاع المياه, والذي وجه حينها بإصلاح المشروع على الفور وإغاثة الناس بالماء. حينها استاء المجلس المحلي من اتصال بعكر بالمحافظ, وإبلاغه بالمشكلة التي تكتموا عليها لأسباب ومصالح ذاتية, ليأخذوا منه موقفاً معارضاً, ولكن الوالد لم يعبأ بهم".
 ويضيف النعمان: "برغم معرفة الوالد وشهرته من خلال أدبه وكتاباته، وحتى من خلال زيارة كثير من الصحفيين والإعلاميين وكتابة كثير من الكتاب عن فكره، لم يتطرق الوالد رحمه الله إلى بعض حقوقه التي لم يحصل ولو على جزء يسير مقارنة بما تقدمه الحكومة وبالذات وزارة الثقافة لفنان أو فنانة، لا تسمن ولا تغني من جوع. ومع الآسف لم يقم أي إعلامي بتسليط الضوء على حياته ووضعه في أقصى البلاد". ويقول النعمان: "أكثر من زائر تلفزيوني وإعلامي صدموا بواقع وحال عبد الرحمن بعكر، الذي يعرفونه من خلال كتبه ومؤلفاته وقصائده. وأتذكر أن أحد زائريه لم يخف مشاعره فصارحني بعد فراغه من مجلس الوالد رحمه الله ليقول: كنت لوقت طويل أتابع قراءات الأستاذ بعكر في كثير من الصحف اليمنية والدولية، وأسمع عن جوائزه العالمية التي نالها في الأدب والشعر، وكنت حينها أعتقد أنه شخصية غير يمنية، وعندما سألت عنه وأتيت لأقابله صدمت مرة أخرى بمعرفتي لوضعه المعيشي البسيط".
 ويضيف النعمان: "رغم كل ذلك كان الوالد رحمه الله يحثنا على الاهتمام باللغة العربية, وبالأخص ملحة الإعراب للحريري, والذي ألزمني بحفظه, وبعدها خصني بدرس يومي منه لشرح الملحة والإعراب".
ويختتم النعمان: "كان الوالد بسيطا في حياته ولا يأبه للمال، ولكنه كان شديدا ومتعمقا ومعطاء في العلم والأدب والفكر، ولم نشعر أن هناك من ينافسنا على حبه سوى معشوقته الأبدية: اللغة العربية، التي خصها دوننا جمعيا بكتاب لم يزل مخطوطا باليد أسماه: صاحبة الجلالة".
 
سيرة ذاتية
عبد الرحمن بن طيب بن علي بن بعكر بن محمد بن محمد بن عبد الفتاح الحضرمي؛ نسبة إلى بلاد حضرموت. قدم منها جده الرابع (محمد بن عبد الفتاح) إلى مدينة "حيس".
 ولد، في عام 1945، في مدينة "حيس"، وتوفي ودفن فيها يوم 18/1/2007.
 شاعر، ناقد، مؤرخ. درس بداية على يد أبيه، وحفظ عنه مجموعة من المتون. كما درس على جماعة من علماء مدينة "حيس"، منهم أحمد بن قاسم دهمش الخولاني. ثم انتقل إلى مدينة زبيد، فدرس فيها على الشاعر عبد الله بن محمد عطية. ثم انتقل إلى مدينة صنعاء، والتحق فيها بالمدرسة الثانوية، ودرس في الجامع الكبير على عدد من العلماء. ثم عاد إلى "حيس"، وعمل سكرتيرًا لمركز الناحية، ثم قائمًا بأعمال المديرية، وذلك سنة 1386هـ/ 1966م. وظل في عمله هذا حتى أصيب بفقد البصر.
 حج بيت الله، وعاد إلى بلده، مكبًّا على تلاوة القرآن الكريم وحفظه، وقراءة العلوم الشرعية، وكتب الأدب والتاريخ.
 تزوج من أكثر من امرأة، وله من الأولاد خمسة عشر، بين ذكور وإناث. وله تلامذة كثير.
من مؤلفاته: "كواكب يمنية في سماء الإسلام"، "الترجمان المجدد أحمد بن علوان" (من أعلام القرن السابع)، "مصلح اليمن محمد بن إسماعيل الأمير" (من أعلام القرن الثاني عشر)، "شيخ الإسلام الشوكاني" (من أعلام القرن الثالث عشر)، "المجاهد الشهيد محمد محمود الزبيري" (طبعتان)، "الأستاذ أحمد محمد نعمان"، "بطل الجمهورية عبد الله بن حسين الأحمر" (ط1، 2)، "مالك بن نبي"، "النسر السبئي، الرئيس علي عبد الله صالح"، "مصلح بين الناس، علي محسن صالح الأحمر"، "نظرات في التاريخ اليمني العام"، "تحقيق ديوان الأنموذج الفائق، لعبد الرحمن الآنسي، المتوفى سنة 1250هـ"، "تحقيق ديوان أبي بكر الحكاك المتوفى سنة 800هـ، وتجلية سيرته"، "تحقيق ديوان الفقيه أبي بكر المهير، المتوفى سنة 1059هـ"، "تحقيق ديوان الولي الشيخ حاتم بن أحمد الأهدل، المتوفى سنة 1013هـ"، "نعمة البيان، العربية أنموذجًا"، "صاحبة الجلالة، اللغة العربية" (مؤسسة الإبداع)، "كيف غنت تهامة"، "أجراس" (ديوان شعر)، "سجادة الخضر" (ديوان شعر صدر عن مؤسسة الإبداع للثقافة والآداب والفنون بصنعاء)، "بنفسجيات" (ديوان شعر)، "وفاء" (ديوان شعر)، "ديوان: مع (صلاح الدين) (سبكتكين)"، "ملامح اليمن والضمادات المطلوبة"، "عناقيد في الأدب والفن" (طبعتان عن مؤسسة الإبداع للثقافة والآداب والفنون بصنعاء)، "جمرات نثرية"، "حسم الموهبة" (سيرة ونقد عن عبد الله البردوني)، "أشذاء من الأدب اليمني"، و"شاعر التوحيد والعدل والجمال: عبدالرحمن الآنسي".
السياسية
الأكثر زيارة
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص