الروائي محمد مثنى : العمل الروائي مُقِل ,والأدباء أتعس البؤساء
قبل 10 سنة, 7 شهر
2008-04-19ظ… الساعة 21:31
التغيير- سبأ نت: حوار - أحمد الأغبري :
محمد مثنى: صوت روائي،تفرد بخصوصية في تناول الواقع،وتميز بأسلوب في معمارية النص،وامتلك بصمة تخصه في مساقات السرد اليمني الحديث!..ومنذ وقت مبكر يعد رائدًا من رواد القصة اليمنية المعاصرة، وهو اليوم من أهم الروائيين، في بلد تجاوز فيه عمر الرواية ( 75 ) عاماً ، فيما (البعض) لايزال غير مُقرِّ ببلوغها(سن النضج)!..
يكتب"محمد مثنى" القصة منذ أزيد من ثلاثين عاماً، وبالإضافة إلى ذيوع صيته روائياً،فهو كاتب مسرحي،صدرت له مسرحيتان،بالإضافة إلى ثلاث روايات وخمس مجاميع قصصية..كماحاز "جائزة الوطن العربي" في القصة القصيرة،من مركز الوطن العربي للدراسات في الإسكندرية 1990م،و"جائزة السعيد" في المسرح من مؤسسة السعيد للعلوم والثقافة باليمن عام 2001.
من القصة إلى الرواية و المسرح..تنقل ممتلكا خصوصيته في تعامله مع كل فن من هذه الفنون وهو يعتبر هذا التنوع:"طبيعي جداً؛ليس لكاتب السرد فحسب وإنما بإمكان الشاعر أن يكتب القصة والرواية وحتى المسرح،مثلما بإمكان القاص أو الروائي أن يكتب الشعر،فقط إذا امتلك أي منهما الرغبة والاستعداد والأدوات،التي تمكنه من خوض غمار الكتابة في جنس أدبي آخر..فالقاص- مثلاً- متى ما امتلك الرغبة والاستعداد فضلاً عن أدوات العمل الروائي المتمثلة في النفس الطويل،والصبر على الكتابة،وامتلاك ذاكرة جيدة،كما أكد على ذلك(هيمنجواي)كي لا تضطرب لديه الأحداث ، فلا مانع من أن يكتب الرواية .اقصده ان الكاتب متى ما
امتلك أدوات هذا التنويع فلا غضاضة في أن يتنوع نصه ".
*سقوط الحدود
وهو بذلك يؤكد أن " الحدود الصارمة،بمعناها التقليدي،بين الأجناس لم تعد موجودة اليوم،فقد أصبح هناك تشابك بين الأجناس الأدبية،بحيث أصبح اليوم هناك مايعرف بالنص الأدبي،و (النص الأدبي) قد يكون شعراً أو قصة أو رواية أو مسرح..لكن لا يعني هذا سقوط تلك الحدود تماماً، بل هي باقية،لكن بالقدر الذي يحافظ على شي من القواعد،التي تدلنا،أو نستدل من خلالها، بأن هذا النص قصة أو رواية أو عمل مسرحي أو قصيدة..هي بعض هذه الحدود،التي ينبغي المحافظة عليها، لبقاء شيوع التعدد والتنوع في أجناس النص الأدبي.
* تشكلات البداية
انطلاقاً من التجربة الذاتية .. يقرأ لنا "محمد مثنى " أولى الخطوات في تجربته الإبداعية :"منذ عام 1973م،تقريباً،قد أكون بدأت في محاولاتي الأولى في كتابة القصة القصيرة،فكتبت العديد من القصص،وتسرعت - للآسف - في نشرها . لكني أعدت النظر في الكتابة ومسالة النشر،بعد أن وجدت أنها لم تكن قد استوفت قواعد بناء القصة القصيرة الحديثة.. فكتبت ومزقت كثير من تلك القصص التي كتبها على عجل،ومن ثم عاودت القراءة بشكل أفضل..قراءة النقد الأدبي للقصة القصيرة والرواية،حتى أحسست أنه قد صار عندي شيء من الأدوات،لا أقول الأدوات كاملة، ولكن التي تمكني من كتابة القصة.بعدها عاودت الكتابة.
وكان صدور مجموعتي القصصية الأولى "في جوف الليل"عام 1976 تلتها عام 1978م مجموعة "الجبل يبتسم أيضا" ومن ثم توالت بقية المجاميع بشكل صرت المس تطورا يتصاعد باضطراد!.".
* أولى الروايات
توالى صدور المجاميع القصصية للكاتب بشكل لافت،إلى أن صدرت أولى روايته،ومن حينها خفت صوته كقاص.. فهل كان غيابك كقاص على حساب حضورك كروائي ؟ ..يجيب:"نعم؛فغيابي كقاص تزامن مع بداية حضوري كروائي،وكان الحضور الجديد الذي تحقق لي كروائي هو السبب في الخفوت الذي حصل في تجربتي القصصية،وماحدث - في رأيي - كان نتيجة طبيعية؛فالرواية تحتاج من الوقت والجهد الكثير،ولأنها كذلك فقد استنفدت مساحة من وقتي وجهدي،ماانعكس سلباً على مساحة اهتمامي بالقصة،ولم تكن الرواية فقط،وإنما المسرح أيضاً ..لكني خلال ذلك لم انقطع عن القراءة القصصية، بل أنني عاودت الكتابة القصصية في فترة لاحقة، لكن بعد فترة انقطاع طويلة كنت قد حضرت فيها كروائي".
*"ربيع الجبال "
صدرت روايته "ربيع الجبال " عام 1983م، وكانت أولى خطواتي في عالم الرواية.... لكن خطواته الروائية التالية كانت خطوات وئيدة، فخلال (23 )سنة بعد صدور الرواية الأولى، لم تصدر له سوى روايتين..بمعنى أن ثمة انقطاع زمني طويل بعد كل إصدار روائي من إصداراتك الثلاثة..:"اتفق معك بأنها فترة انقطاع طويلة بلا شك،والسبب في هذا الأمر يعود إلى مشاغلي الوظيفية وبالذات الصحفية في بداية الأمر،فانا كنت صحفياً في مؤسسة الثورة للصحافة بصنعاء.والعمل في التحقيقات الصحفية،كان يأخذ حيز من وقتي وجهدي، وكنت في معظم أيام الأسبوع أناوب فترتين..فالعمل الصحفي،كما تعرف،لا تتوقف همومه،ولأنه كذلك ولان الرواية تحتاج من الوقت والجهد الكثير ، فقد كان ذلك الانقطاع الزمني بين كل إصدار وآخر من إصداراتي الروائية.
-  تركت الصحافة ؟
- نعم وانشغلت بعملي المسرحي في وزارة الثقافة،حيث عُينت مديراً للمسرح الوطني بعد خروجي من المعتقل.وحتى بعدما تركت عملي في المسرح الوطني التحقت بمركز الدراسات والبحوث اليمني ، وهذا الأخير اعمل فيه باحثاً .. فالوظيفة والعمل لدى الحكومة أو غيرها لا تتيح للكاتب أن يقدم ما لديه؛فالكاتب ليقدم ما لديه من الإبداع ، وبالذات كاتب الرواية لابد من أن يحظى بالرعاية والاهتمام ويوفر له الطمأنينة و بالذات في الجانب المعيشي،وعندئذ يترك ليقدم ما لديه، وعندما يقدم ما لديه نتلقف عمله ونطبعه و نعطيه ما يجب أن يأخذه؛فهذا مهم.. فالكاتب في الغرب حتى و إن كان كاتباً مبتدئا تجده يستطيع من الدخل الذي يجنيه من أول إصداراته أن يعيش سعيداً،ويستغني عن وظيفة الحكومة .. أما نحن في البلدان العربية فكما أنت تشاهد فالأدباء أتعس البؤساء.
*الخروج من المعتقل
عُيِّن "محمد مثنى" بعد خروجه من المعتقل السياسي مديراً للمسرح الوطني بصنعاء بعد .. الأمر الذي يعتبره البعض مفارقة وهو في هذا يتفق مع طرح البعض:" نعم؛ففي سنة 1978م بعد خروجي من المعتقل السياسي،فوجئت بقرار وزير الثقافة حينها " يحيى العرشي " بتعييني مديراً للمسرح الوطني .. وهذا الوزير كان محب للعمل الثقافي و المسرحي بشكل خاص، وهو رجل صاحب قرار و اختيار لا يماريه فيه احد ،ولا يقبل أن يملي عليه احد شيئاً في عمله أو قراره أو اختياره ..ولأنه صاحب قرار فقد عينني مديراً للمسرح بعد خروجي من المعتقل مباشرة،لأنه يثق أنه
بإمكاني أن أقدم في إدارة المسرح شيئا .
- هل كان هذا العمل هو الحافز وراء انطلاقتك صوب الكتابة المسرحية؟
- نعم ؛ ففي هذا العمل اختلطت بالعمل المسرحي وبالمسرحيين، ارتبطت كثيراً بالقراءة المسرحية..كل ذلك دفعني لخوض هذه المغامرة .
- وكيف وجدت نتيجة هذه المغامرة ؟
- وجدت أنني أستطيع أن اكتب للمسرح.ونجاحي في كتابة المسرح، لم يكن لكوني كاتب قصة أو رواية؛فالخبرة والتجربة المتمثلة في معايشة العمل المسرحي والاختلاط بالمسرحيين والاحتكاك بالدراما..كل ذلك لعب دوراً مؤثراً في امتلاكي لأدوات الكتابة المسرحية .
*الرضا و الرفض
اليوم و بعد أكثر من (30) سنة من الكتابة؛يقف "محمد مثنى" باحثا عن إجابة للسؤال عن معيار الرضا عن كل ما كتبه و لو عدت إلى قراءة كل ما نشرته؛ ما الذي ستقبله،وما الذي سترفضه ؟...يقول:"أنا اعتبر كل أعمالي تنتمي إليّ ِ وتمثلني،ولا أتضرر من شيءٍ منها،ولا انفي أي شيء منها أيضاً؛فهي سواءً في ضعفها،أو في قوتها تمثل "محمد مثنى" وتجربته في كتابة القصة القصيرة والرواية والمسرح ".
*الارتباط بالواقع
المتتبع للنتاج السردي لهذا الكاتب الجميل يلحظ مدى ارتباطه بالواقع .. ما يجعلنا نبحث عن تفسيره لمحلية و واقعية موضوعاته وهل بالضرورة ارتباط الكاتب بواقعه إلى هذا الحد ؟ ...:" كل شخص هو نتاج واقعه. صحيح ان الرواية قد تخضع للصنعة وللخيال وللاحتمالات،لكن تبقى الحقيقة أن كل إنسان لا يستطيع أن يخرج عن واقعه؛ويكون نشازا..فالواقع والقضايا والأحداث التي عاشها الإنسان،والتي مر
بها،لابد أن تفرض نفسها بشكل أو بآخر على النص،بالرغم من الصنعة والخيال والإبداع،لأنك لا تنقل واقع كما هو،وإنما تستشرف قضايا محتملة ومستقبلية،لكن مع هذا فان الواقع لابد أن يفرض نفسه بشكل أو بآخر على النص ".
*مسحة سحرية
-  الواقعية التي تجلت بوضوح في كتاباتك القصصية امتزجت بمسحة سحرية في رواياتك.. ما مرجعية الحدث السحري هنا؟
- نعم؛في الروايتين "مدينة المياه المعلقة "و" وسام الشرف" تتجلى مسحة سحرية على الحدث ،ومثل هذه المسحة سادت الرواية في أمريكا اللاتينية عند (ماركيز) و(امادو) وغيرهما كثير ممن قرأت لهم ، وهذه الرواية السحرية يقول فيها كتاب أمريكا اللاتينية انه كان لـ"ألف ليلة وليلة " اثر كبير عليهم ، بمعنى أن سحرية " ألف ليلة وليلة " أثرت في أعمالهم،أي أن الرواية السحرية لهؤلاء هي اثر من "ألف ليلة وليلة " ..
وأنا - مثلاً- وغيري نكتب الرواية السحرية ، متأثرين بالرواية العالمية،على الرغم من أن سحرية الرواية العالمية،هي ذات جذور عربية في "ألف ليلة وليلة".
-  إلى أي حد يمكن القول بتأثير قراءاتك في خصوصية تجربتك ؟ - أنا قرأت لعدد كبير من الكتاب ولا أقول أني تأثرت بشخصية منهم . قرأت لـ(هيمنجواي ) وقرأت لـ(قوقول) وقرأت لـ(تشيخوف) وقرأت لـ(ماركيز) تقريباً معظم أعماله وقرأت لـ(جورج امادو) ، وقرأت لنجيب محفوظ ، ومحمد عبد الحليم عبدالله ، ويوسف السباعي،وكثير من الروايات العربية، لكن أحس أن لي نهجي ولي طرقي في التعبير وفي الأسلوب َ.. فكنت ومازلت أمتاح في مختلف التجارب الإبداعية في الوطن العربي والعالم،لكني لم أتعلق بتجربة معينة،فمن القضايا والأحداث التي أعايشها تجلت تجربتي الخاصة.
- نلمح في رواياتك أيضاً ميولاً نحو السخرية في تعاملك مع الشخصيات..إلى ماذا ترجع هذه السخرية ؟
- هذه السخرية هي السخرية المحبة التي لا تنتقص من الآخرين ولا تحتقرهم،السخرية التي تستهدف إضحاك الناس على أنفسهم وأفعالهم،كي يتقبلوا أو يتغيروا إلى ما هو أفضل وأجمل،وتكاد تكون السخرية هي شكل الرواية أو جوهرها في هذا العصر بالذات..مع تشابك الأحداث وبخاصة السياسية،وتزايد تعقيداتها،وما نلحظه معها من التفنن في حبك الأخبار،التي تزيدنا ظلالاً وتغيباً،وتزيد تلك الأحداث تعقيداً، لذا فالسخرية في هذه الأعمال هي ما يعادل هذا الظلال والتعقيد الذي نعيشه
في الواقع.
-  بعد أكثر من ثلاثين عاماً من الكتابة السردية .. أين يضع محمد مثنى تجربته في النتاج السردي اليمني المعاصر ؟
- لا استطيع أن أقول عنها شيئا أكثر من أني كتبت محاولاً أن أقدم عملاً حديثاً مقبولاً ومرضيا لدى الآخرين ، وينال حسن ظنهم ، ولا أضيف أكثر من هذا .
- بعد أربعة وسبعين عام على صدور أول رواية يمنية أعلن مؤخراً عن تجاوز عدد الإصدارات الروائية اليمنية الرقم مئة.. كيف تقرأ إحداثيات الرواية اليمنية و ملامحها ؟
- أنا اعتقد إن هذا الرقم مبالغ فيه،حيث أرجح نصفه أو أكثر من النصف بقليل لكن مئة لا ..العمل الروائي عندنا مُقِل؛لأنه لم يكن عندنا مطابع تستوعب الأعمال الروائية ،وتشجع كتاب الرواية على الاستمرار..وهذا كان عائق أمام الرواية ، فيما القصة أنت تكتبها وتنشرها في أي جريدة ،لكن الرواية تحتاج إلى طباعة ، والطباعة لم تكن متوفرة، فضلاً عن الاهتمام الذي لم يكن متوفراً من قبل أيضا.
و يبدو لي أن هذا الاهتمام بدء بوجود الناشر نبيل عبادي في مركز عبادي للدراسات والنشر ،والذي بدأ بأسلوب جيد ومتقدم ، حيث يطبع الرواية بمشاركة مع الكاتب، وهو ما مكن عدد من الأدباء من طباعة أعمالهم ، وشجعهم على استمرار التواصل مع العمل الروائي..وبعدها تواصلت الجهود عبر وزارة الثقافة وهيئة الكتاب وهذا كله شجع على التواصل مع الرواية ، لان كتابة الرواية ليس عملا سهلاً،فالكاتب يحتاج لكتابتها وطباعتها مساحة زمنية ، و قدراً من الرعاية والتشجيع،وهذا كان غير متوفر لدينا ،ولهذا كان العمل الروائي مُقِّل .
وحتى الآن نقول أن أي متتبع أو أي ناقد أو أي دارس يريد دراسة الرواية اليمنية ، فهو لا يستطيع ذلك من خلال كم الإصدارات الروائية الموجود ،أن يخلص إلى النوع بحيث يقول:هذه هي الرواية اليمنية ترتكز على كذا وكذا ولها توجهات معينة كذا وكذا ؛ لأنه لايزال الكم حتى الآن لا يعطي نوعية للدراسة .
- نفهم من كلامك أن الفن الروائي في اليمن غير مكتمل ؟ - الآن توجد أعمال تكاد تواكب الرواية العربية بل والعالمية ، لكن الكم قليل و نحن نأمل ونتوقع إذا ما تواصل التشجيع والدفع من المطابع ، انه سيكون هناك بالفعل أعمال روائية كاملة .
 
- أين مؤشرات النضج في هذه الرواية ؟ هل هي في رواية التسعينيات؟
- لا .. ابتدءاً من محمد عبد الولي في "يموتون غرباء" و"صنعاء مدينة مفتوحة" وزيد مطيع دماج في "الرهينة" ومحمد مثنى في "ربيع الجبال" وآخرين مثل: "مشاهد من الحكاية الطويلة" ليحي بن علي الإرياني .. فيها كثير من النواحي الفنية ومن النضج،وهي لا تقل فيناً عن الرواية العربية.. ربما الإقلال كان المشكلة التي عانت منها الرواية اليمنية..لكنها الآن لم تعد مشكلة .
الأكثر زيارة
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص