مآلات الوضع الإنساني في اليمن .. تداعيات كارثية، وحقائق صادمة تكشف لأول مرة
قبل 3 سنة, 6 شهر
2015-05-16ظ… الساعة 12:29

التغيير - إتحاد (أمم)-منصور الصمدي:

تسارعت وتيرة الآثار والتداعيات السلبية الناجمة عن عمليات القصف الجوي, والمواجهات الدامية التي آلت اليها الأحداث والتحولات في الساحة اليمنية منذ قرابة الشهر .. والمتمثلة في عمليات القصف الذي يشنه طيران ما يسمى بتحالف (عاصفة الحزم), وكذا المواجهات الدامية (الحروب الداخلية) التي تشهدها عدد من المحافظات في الجنوب والشمال – وذلك بشكل مأساوي وخطير ينذر بحدوث كارثة انسانية وشيكة تشمل السواد الأعظم من اليمنيين .. وهو الأمر الذي قد يصعب احتواؤه ومواجهته حينها من قبل أي طرف كان داخلي او خارجي.

فإلى جانب الآثار المباشرة التي تخلفها عمليات قصف طيران (عاصفة الحزم) .. وتلك الناجمة عن المواجهات المسلحة التي تدور في عدد من المحافظات, والتي يروح ضحيتها الآلاف من الأبرياء بشكل يومي ما بين قتلى وجرحى ونازحين ومشردين .. ناهيك عن ما تحدثه من خراب ودمار هائل في المنازل والممتلكات الخاصة, والمؤسسات الحكومية والخدمية ومشاريع البنى التحتية المرتبطة أساسا وبشكل مباشر بحياة واستقرار العامة من الناس ولقمة عيشهم – فإن هذه الأحداث الدامية والخطيرة برمتها ورغم قصر المدة الزمنية منذ اندلاعها – إنعكست بشكل كارثي ومأساوي على كافة مفردات وتفاصيل الحياة الانسانية في اليمن عموماً.

فمنذ اليوم الأول من إعلان جماعة الحوثي وحلفائها عملية التعبئة العامة ومباشرتهم اجتياح بعض المحافظات الجنوبية, والتي تزامنت تقريباً مع بدء عمليات (عاصفة الحزم) – وحياة الناس في هذا البلد الفقير وأوضاعهم المعيشية التي يقاسون ويتجرعون أصلا خلالها ومنذ أمد بعيد مرارة العديد من الأزمات الخانفة ذات الصلة بمعيشتهم واستقرارهم وديمومة حياتهم بشكل عام – تتراجع وتتدهور وتتأزم وتتعقد يوماً بعد يوم وبشكل مريع ومرعب وغير مسبوق يوحي بحدوث خطر داهم ووشيك, وهو الأمر الذي ربما لا يزال الكثير من المعنيين والمهتمين بالجانب الإغاثي والإنساني يجهلون اسبابه وأبعاده الحقيقية نظراً لشحة معلوماتهم حول خصوصية حياة الانسان اليمني وطبيعة عيشه المرتبطة اساساً بالدخل اليومي الآني.

حرب ضروس, ومليشيات مواجهات محمومة, واسلحة فتاكة, ودوي انفجارات غير معهودة, وخراب ودمار, واجتياح وسطو, وقتل وتصفيات, واعمال إبادة, وظلام, وازمات خانقة - صحى اليمنيون على غفلة منهم ليجدوا انفسهم واسرهم واطفالهم في مواجهة مباشرة مع كل هذا الموت والرعب واللا حياة, محاصرين به على الارض ومن السماء .. في الوقت الذي لم يكونوا يضعوا لذلك أية حسابات, وكل همهم وتركيزهم منصب في سبيل توفير ما يقتاتون به ليومهم – الأمر الذي كان بالنسبة للغالبية منهم بمثابة الطامة الكبرى التي سدت في وجوههم كل الطرق والابواب, وقضت على كل الفرص الممكنة لبقائهم على قيد الحياة.

لن نذهب بعيدا في سرد تفاصيل هذه الحالة الإنسانية المأساوية .. لكننا نضع بين ايديكم فيما يلي جملة من الحقائق والوقائع الدقيقة والموضوعية التي تصور بعضاً من تلك الآثار الكارثية التي باتت تحول بين الانسان اليمني وبقائه على قيد الحياة:

 

الضحايا:

لا شك أن ضحايا (قتلى وجرحى) عمليات القصف الجوي الذي شنه طيران تحالف (عاصفة الحزم) طيلة الفترة الماضية – كٌثر وأن الغالبية منهم كانوا من الابرياء "أطفال ونساء", خصوصا ان القصف استهدف معسكرات ومؤسسات ومبان تابعة لمؤسسة الجيش في مختلف المحافظات وجميعها تقع في المدن السكنية وتحيط بها منازل المواطنين من مختلف الجهات – الأمر الذي ادى الى تدمير العديد من المنازل والمباني والمنشآت الخاصة على ساكنيها والعاملين فيها – وذلك اما نتيجة لأخطاء القصف, أو لقوة وشدة الانفجارات والارتجاجات الناجمة عنه .. وإما بسبب كثافة الأعيرة النارية التي تطلقها الدفاعات الجوية والتي تصيب عند ارتدادها المئات من الابرياء.

وكذلك الحال بالنسبة لضحايا المواجهات الداخلية المسلحة التي تشهدها العديد من المحافظات, والتي تركز معظمها في المدن كـ(عدن, وتعز, والضالع, ولحج, والبيضاء ومأرب) وغيرها .. حيث أدى اقتحام (جماعة الحوثي) لتلك المدن الى نشوب ما يسمى بحرب الشوارع في مناطق تكتظ بآلآف الاسر من الابرياء الآمنين, والذين سقط منهم المئات من القتلى وآلاف الجرحى أثناء وجودهم داخل منازلهم .. وليس هذا وحسب بل إن المسلحين من أطراف الصراع كانوا يعمدون إلى اقتحام بعض المنازل والمنشآت الخاصة والعامة ومن ثم التمركز فيها الامر الذي يؤدي الى تحويل تلك الأحياء بمن فيها من السكان الى اهداف مباشرة لنيران الطرف الآخر .. وبذلك سقط الآلاف من الضحايا الأبرياء – هذا الى جانب ما ارتكبته تلك الجماعات المسلحة من جرائم بشعة وتصفيات بحق المئات من الابرياء ممن كانوا يتواجدون في الاحياء التي تدور فيها المواجهات والذين كان كل طرف يعدهم من اتباع الطرف الآخر وبالتالي يقوم بقنصهم – وهذا ما اثبتته وأكدته العديد من التقارير المحلية والدولية وكذا المشاهد المصورة التي توثق بعض تلك المواجهات.

اختلاف وتباين:

تباينت الارقام والاحصائيات الصادرة عن المنظمات والجهات المحلية والدولية التي اكدت تقاريرها انها قامت بعمليات رصد وتوثيق لأعداد الضحايا من القتلى والجرحى الذين لقوا حتفهم في تلك الاحداث .. حيث اوردت كل جهة ارقاما مغايرة تماما للأرقام الصادرة عن الجهات والمنظمات الأخرى، وقد بدا الفرق بين تلك الارقام كبيرا .. كما ان البعض منها حصر تقريره على ضحايا عمليات قصف طيران (عاصفة الحزم) فقط دون التعرض لضحايا المواجهات الداخلية التي تشهدها العديد من المحافظات, وكذلك العكس بالنسبة للبعض الآخر من تلك المنظمات – وهو الأمر الذي يثير العديد من علامات الاستفهام حول حقيقة وموضوعية وصحة تلك الأرقام.

والحقيقة أن عملية التباين والتفاوت الكبير في تلك الاحصائيات ترجع في الاساس الى تحيز البعض من تلك الجهات والمنظمات المحلية لأطراف الصراع أولاً .. وثانيا الى تعدد الجهات التي تقدم رصدا وعدم وجود جهة رسمية واحدة محايدة معنية بعملية الرصد والتوثيق وفقاً لمعايير المهنية والموضوعية والأمانة وذلك في عموم المحافظات, هذا الى جانب تعدد جبهات الصراع وبعد المسافة بين المحافظات وارتفاع مخاطر عملية النزول الميداني التي يواجهها ممثلو تلك الجهات والمنظمات – وهو الأمر الذي دفع ببعض تلك الجهات الى تقديم ارقام واحصائيات تقديرية وغير دقيقة بإستثناء المنظمات الدولية.

ولأن الاختلاف والتباين بدا كبيراً قررنا صرف النظر عن كل تلك التقارير خصوصاً الصادرة منها عن الجهات والمنظمات المحلية، بإستثناء تقرير غرفة العمليات الخاصة بوزارة الصحة العامة والسكان .. واستندنا الى بعض التقارير والاحصائيات الخاصة بالمنظمات الدولية الموثوقة، حيث اوردنا لكم منها بعض الارقام التي اتخذنا منها نماذج للتدليل على ما ذكرناه فقط، وليس بإعتبارها الحقيقة الكاملة .. إذ أننا نؤمن أنه وحتى تلك المنظمات الدولية لم تشمل بعملية مسحها كافة مناطق الاحداث بشكل دقيق وذلك نظراً لتعددها وتباعدها وصعوبة تضاريسها وتزايد مخاطر الحياة فيها، وإنما شملت اجزاء من تلك المناطق فقط التي تمكنت من الوصول اليها .. كما نؤمن ايضاً ان ما توصلت اليه ليس سوى جزء من الحقيقة ومثال بسيط معبر عن واقع الحياة في البلد بشكله الكلي .. وهي على النحو الآتي:

تقارير وأرقام:

يشير التقرير الصادر عن غرفة العمليات المركزيه التابعة لوزارة الصحة العامة والسكان ان عدد الضحايا الذين وصلوا الى مرافق الخدمات الصحية في الجمهورية خلال الفترة من(26 مارس وحتى 27 ابريل 2015م) بلغ (3507) منهم (749) قتيلا و(2713) جريحا .. وبلغ عدد وفيات الاطفال منهم (111) طفلا، وعدد الجرحى (347) طفلا .. في حين بلغ عدد الوفيات من النساء (76) امرأة، وعدد المصابات (178) امرأة.

وبحسب التقرير الصادر عن منظمة الصحة العالمية خلال الفترة من (19 مارس وحتى 12 ابريل 2015م) فان اجمالي عدد الضحايا الذين سقطوا خلال تلك الفترة بلغ (3455) شخصاً .. منهم (736) حالة وفاة، و(2719) اصابة .. وبلغ عدد وفيات الاطفال منهم (34) طفلا، وعدد المصابين(89) طفلا، فيما بلغ عدد القتلى النساء منهم (23) امرأة، وعدد المصابات (33) إمرأة.

أما التقرير الصادر عن مكتب الامم المتحدة لتنسيق الشئون الانسانية بتاريخ (29 ابريل 2015م) فيؤكد ان ما لا يقل عن (1244) شخصا قتل في الاحداث الدامية التي تشهدها الساحة اليمنية بينهم (28) إمرأة، و(56) طفلاً .. في حين بلغ عدد الجرحى اكثر من (5044)شخصا منهم (85) إمرأة، و(159) طفلاً.

وأخيراً يشير التقرير الصادر عن منظمة الصحة العالمية بتاريخ (6 ابريل 2015م) الى ان اكثر من (15.9) مليون شخص تأثروا بالأحداث الدامية التي تشهدها الساحة اليمنية، ويؤكد التقرير أن عدد الذين نزحوا من منازلهم بلغ (334.093) شخصا، في حين بلغ عدد اللاجئين نحو (254.413) شخصا.

الأضرار المادية:

بالنظر الى كثافة عمليات قصف طيران (عاصفة الحزم) وشدتها والتي شملت العديد من المحافظات والمدن اليمنية – الا ان المساكن التي طالتها صواريخ الطيران بشكل مباشر تظل قليلة – في حين تركزت الضربات على المنشآت والمباني الحكومية التي اغلبها يتبع مؤسسة الجيش, الى جانب بعض المنشآت العامة والخاصة – لكن الاضرار الكبيرة والكارثية التي طالت العامة من المواطنين ومنازلهم ومنشآتهم كانت ناتجة عن الاصوات والارتجاجات الشديدة والمرعبة الناجمة عن الصواريخ التي يطلقها الطيران والتي بسببها هدمت المئات من المنازل والعمارات السكنية والاسواق والمحلات التجارية والمركبات, بالإضافة الى منشآت الخدمات العامة كأعمدة الكهرباء وغيرها – حيث طال الدمار أحياء بكاملها وذلك في مختلف المحافظات والمدن والمناطق التي شملتها عمليات القصف – وهو ما يعد كارثة انسانية بكل المقاييس.

وكذلك الحال بالنسبة للمحافظات والمدن التي تشهد مواجهات مسلحة – حيث أحدثت تلك المواجهات التي استخدمت فيها مختلف انواع الاسلحة (الخفيفة, والمتوسطة, والثقيلة) دمارا كبيراً وهائلا بالمساكن والمباني الحكومية والاسواق والمحلات التجارية والمصانع والشركات والمركبات وحتى الطائرات المدنية.

وبفعل عمليات قصف الطيران والمواجهات المسلحة تلك تحولت أحياء بكاملها الى خراب, وهٌجر سكانها ودمرت محلاتهم لتتقطع بهم السبل ويصبحوا مشردين لا يجدون ما يقتاتونه واطفالهم وما يؤويهم خصوصا في ظل غياب ابسط سبل ووسائل الاغاثة الانسانية.

النزوح:

يبدي الكثير من المراقبين والكتاب ووسائل الاعلام العربية والدولية – استغرابهم من عدم حدوث عمليات نزوح للسكان من المحافظات والمدن اليمنية رغم كثافة وشدة عمليات القصف والمواجهات المسلحة التي تشهدها – والحقيقة أن الملايين من سكان تلك المدن والمناطق نزحوا فعلا وبشكل جماعي ولكن بصورة غير معلنة.. اذ أن نزوحهم لم يتم الى المناطق المحيطة بتلك المدن التي يقطنونها ليقيموا فيها مخيماتهم كما هو متعارف عليه في العديد من بلدان العالم, وانما تم الى القرى والارياف اليمنية وهذا طبعا يرجع الى خصوصية الحالة اليمنية حيث تعود اصول سكان تلك المدن الى القرى والمناطق الريفية, ويحرص كل واحد منهم على الحفاظ على جذوره وارتباطه بها دائما – ولذلك حدثت عملية النزوح دون علم من احد, في حين لجأ البعض الآخر من سكان تلك المدن الاصليين والذين لا ينحدرون من الارياف الى النزوح داخل المدن نفسها حيث تركوا منازلهم المعرضة لأخطار القصف ولجأوا الى منازل أخرى في احياء أخرى أكثر اماناً.

وبشكل عام فإن عملية النزوح هذه تشكل كارثة خطيرة كون الحياة في المناطق التي لجأ اليها اولئك النازحون بدائية لا تتوفر فيها ابسط مقومات العيش, كما ان أهاليها من الفقراء والمعوزين وبالتالي فإن الجميع يظلون معرضين لخطر المجاعة وسوء التغذية والاصابة بالعديد من الامراض وغير ذلك من الاخطار.

أزمات معيشية جديدة:

كانت الآثار السلبية التي خلفتها عمليات (عاصفة الحزم) وكذلك المواجهات المسلحة في المحافظات كبيرة وسريعة وخطيرة فمنذ الوهلة الاولى لبدء تلك الاحداث الدامية وجد الانسان اليمني نفسه محاطاً بسلسلة من الأزمات المعقدة والشائكة والخطيرة ذات الصلة بمعيشته واستقراره وحياته اليومية – نذكر منها ما يلي:

توقف خدمات الحياة العامة:

كما هو الحال في أي بلد تشهد حالة حرب فإن خدمات الحياة العامة سرعان ما تتأثر وتتوقف، وهو ما حدث في اليمن .. ولأن لكل بلد خصوصيته وظروفه فإن الأمر بدا للإنسان اليمني أكثر تعقيداً نظراً للوضع والظروف المعيشية الصعبة والبائسة التي يعانيها على الدوام ..

وفيما يلي نستعرض ابرز الصعوبات التي عقدت حياته اليومية:

- توقف أغلب الأعمال والوظائف الحكومية ومكاتب الخدمات العامة التي يتردد عليها الناس بشكل مستمر.

- توقف العمل في الشركات والمؤسسات الخاصة والأهلية التي تعد المصدر الرئيسي للعيش الذي يعتمد عليه الملايين من السكان.

- توقف الاسواق واغلب المحلات التجارية الخاصة، وكذا اعمال الباعة المتجولين وهذه الاعمال يعتمد عليها ايضا الملايين من السكان.

- توقف المطارات ومنع السفر خارج الوطن، بما في ذلك سفر المرضى الذين اوصى الاطباء بعلاجهم في الخارج.

- توقف المدارس والمعاهد والجامعات في اغلب المحافظات اليمنية.

- توقف البنوك والمصارف ومراكز البريد، ومنع التحويلات المالية الخارجية، وكذلك اغلاق العديد من المستشفيات والعيادات الخاصة، والفنادق وبعض المصانع الخاصة بالصناعات الصغيرة وغيرها.

 

- توقف خدمات النظافة العامة، وتكدس النفايات والمخلفات في الشوارع والاحياء السكنية وتحولها الى مستنقعات للعديد من الاوبئة والأمراض.

ازمة المشتقات النفطية:

تسببت ازمة انعدام المشتقات النفطية في تعقيد الحياة العامة بشكل غير مسبوق .. حيث ادت الى توقف غالبية وسائل النقل والمركبات الخاصة داخل المدن وخارجها، وعلى إثر ذلك ارتفعت تكاليف النقل بشكل خيالي، الامر الذي حال دون تمكن العديد من الاسر من النزوح، ونتيجة لذلك تضاعفت اسعار المواد والسلع الغذائية والاستهلاكية بشكل عام ليصل سعر كيس القمح في بعض المناطق الى ما يزيد عن (50) دولارا امريكيا، كما توقفت العديد من محطات تنقية المياة، وتضاعفت اسعار المياه بشكل كبير، وبصورة عامة يمكن القول بأن هذه الازمة القت بظلالها على كافة تفاصيل ومفردات الحياة العامة.

أزمة انقطاع الكهرباء:

ان تزامن انقطاع التيار الكهربائي مع انعدام المشتقات النفطية زاد الأمر تعقيداً وحول حياة الناس خصوصا سكان المدن الى جحيم، فبسببها توقفت الحياة العامة بشكل شبه تام .. وصارت المدن اليمنية خصوصا في اوقات الليل أشبه بمدن أشباح .. وانعدمت المواد الغذائية التي تتطلب تبريدا, وأصبح الناس في عزلة شبه تامة عما يدور حولهم نتيجة عدم تمكنهم من تصفح الانترنت ومتابعة القنوات الفضائية, الى جانب ضعف عملية الاتصالات الهاتفية, ووصل الحال حد عدم تمكن الناس من شحن جوالاتهم, وحتى تلك الاسر التي كانت تمتلك مولدات كهربائية لم تتمكن من استخدامها نتيجة انعدام المشتقات النفطية .. هذا بالإضافة الى المعاناة التي طالت المستشفيات والمرضى والمخازن الخاصة بالأدوية وغير ذلك من التعقيدات التي يصعب حصرها هنا.

تدهور الوضع الصحي:

كغيره من المجالات كان للقطاع الصحي نصيبه من تداعيات حالة الحرب التي تشهدها البلاد – فقد توقفت العديد من المستشفيات الخاصة والمراكز الصحية والعيادات والصيدليات عن العمل وأقفلت أبوابها، في حين شهدت بقية المستشفيات وفي مقدمتها الحكومية ضغطا كبيرا تمثل في ارتفاع اعداد الحالات المرضية (الجرحى) التي تصل اليها لتفوق طاقتها الاستيعابية بكثير.. هذا الى جانب قلة الكوادر الطبية فالعديد من الاطباء والممرضين نزحوا من بيوتهم وتركوا اعمالهم .. بالإضافة الى نفاذ كميات الدم من البنوك وعدم وجود متبرعين, وانعدمت اسطوانات الاكسجين .. وشحت الادوية والعقاقير الطبية خصوصا تلك الخاصة بالجراحة .. كما واجهت تلك المستشفيات صعوبة في توفير مادة (البنزين والديزل) الخاصة بتشغيل المولدات, ونتيجة لانقطاع الكهرباء تعرضت العديد من الادوية المخزنة والتي تتطلب تبريدا للتلف .. وغير ذلك من الأزمات التي بسببها أزهقت أرواح الكثيرين.. وفوق هذا كله فإن بعض المستشفيات الحكومية استهدفت بشكل مباشر من قبل الاطراف المتحاربة منها مستشفى الثورة في مدينة تعز, والمستشفى الجمهوري في مدينة عدن وكلاهما تعرضا لأضرار كبيرة جدا.

وبشكل عام التدهور في الجانب الصحي يتفاقم يوما بعد يوم والمشكلات والأزمات التي يواجهها  تتزايد وتتعاظم في ظل غياب شبه تام للعمليات الإغاثية والمعالجات والحلول الممكنة لذلك.

تفاقم الحالة الأمنية:

على الرغم من كل المآسي التي خلفتها تلك الاحداث الدامية في العديد من المدن اليمنية, والى جانب حالة الرعب التي سادت في اوساط الناس بسبب ذلك – إلا ان حالة من الانفلات الأمني رافقت كل ذلك وبشكل غير مسبوق – حيث تؤكد العديد من المصادر الموثوقة - ظهور عصابات تتولى عملية السطو والنهب للمعسكرات والمؤسسات التابعة للجيش والتي يتم استهدافها من قبل طيران (عاصفة الحزم), وأخرى تتولى عملية السطو على المنازل التي نزح منها اهلها .. كما ظهرت ايضاً عصابات للتقطعات والنهب والسلب في الخطوط الطويلة (الطرق), وأخرى تتولى مداهمة المنازل المأهولة بالسكان وترويع سكانها وابتزازهم واعتقال البعض منهم وكذا الاعتداء على البعض الآخر تحت مبرر الانتماء السياسي – هذا الى جانب رواج عملية المتاجرة بالأسلحة والذخائر في الشوارع والاسواق العامة وبشكل علني – وكل ذلك في ظل غياب تام للأجهزة الأمنية بمختلف تخصصاتها .. وهو الأمر الذي ضاعف من حالة الخوف والرعب التي يعيشها السكان.

ازمات نفسية:

نتيجة لكل ما سبق سرده من تفاصيل عن ما يكابده اليمنيون من خوف ورعب وترويع, وكذا الازمات والتعقيدات المعيشية وغيرها – فإن الحالة النفسية للناس انهارت بشكل كبير وصارت مأساوية بكل المقاييس خصوصا الأطفال منهم – وانكفأ غالبية السكان خصوصا في المدن على انفسهم وأغلقوا المنازل وسلموا بالأمر الواقع متحملين مرارة الجوع والحرمان والخوف والرعب دون أن يعير أحد الآخرين أي اهتمام .. كما تضاعفت معدلات الانتحار في العديد من المدن اليمنية التي تأتي العاصمة صنعاء في مقدمتها .. ويشير تقرير مركز الاعلام الأمني التابع لوزارة الداخلية أن ظاهرة الانتحار سجلت في الفترة الاخيرة ارتفاعا كبيرا الأمر الذي يؤكد ان ذلك بسبب تدهور الحالة المعيشية.

ختامـــــاً نؤكد أن ما تم التطرق اليه في هذا التقرير ليس سوى مقتطفات بسيطة من وضع عام لا يمكن وصفه سوى بالكارثي .. وعلية وقبل أن نصب اهتمامنا وتركيزنا على اعداد الضحايا والمصابين وحجم الدمار والخراب الذي خلفته ولاتزال تخلفه هذه الأحداث الدامية – نحن مطالبون بمراعاة الحالة الانسانية والمعيشية الراهنة المتردية التي يتجرع مرارتها جل اليمنيين بمختلف شرائحهم, والتي صارت بمجملها تشكل كارثة انسانية خطيرة وغير مسبوقة .. وبلا شك فإنه وفي حال استمرت عملية تجاهلها وإغفال اسبابها فإن تداعياتها وآثارها ستكون كارثية بكل المقاييس وحينها سيستعصي علينا مواجهتها ومعالجتها – لذلك ندعو كل المنظمات الانسانية والدول المانحة وكل الخيرين في العالم أجمع – الى النظر بعين الاعتبار والمسؤولية والإنسانية المتجردة للوقوف الى جانب الحقوق الطبيعية للإنسان اليمني والعمل سويا لما من شأنه الحؤول دون حصول ما لا يحمد عقباه.

الأكثر زيارة