الكشف عن تفاصيل جديدة لمسيرة الحياة ومجزرة دار سلم ..
تعز بين مسيرتي الحياة والموت!!
قبل 2 سنة, 10 شهر
2015-12-23ظ… الساعة 12:41

التغيير - توفيق السامعي:

في مثل هذه الأيام وتحديدا في العشرين من ديسمبر عام 2011 كانت تعز على موعد جديد من بث روح جديدة للثورة تدفع الثوار إلى مواصلة الثورة ومزيد من الاتقاد والتحديث وإعطاء الروح المعنوية لها حتى لا تخمد جذوتها بفعل الحروب المختلفة التي شنها نظام صالح على الثورة والثوار في مختلف ميادين الثورة ومحافظات الجمهورية. وبتفاصيل جديدة لم تنشر من قبل يروي هذا التقرير حقائق مستترة عن الكثير في مسيرة الحياة ومجزرة دار سلم التي نعيش ذكراهما اليوم وسط جروح بالغة لمدينة تعز التي سيرت المسيرة.

ففي مسيرة راجلة سيرت تعز الثورة من مدينة تعز إلى العاصمة صنعاء لتجدد الروح الثورية لثورة الشباب ثورة الحادي عشر من فبراير، وتطلق عليها "مسيرة الحياة" في الوقت الذي كانت القلوب ترتجف بين الأضلاع خوفاً على هذه المسيرة من الغدر العفاشي صاحب كل غدر.

وككرة ثلج تتدحرج وتكبر شيئاً فشيئاً إنطلقت المسيرة من ساحة الحرية بتعز وصولاً إلى ساحة الحرية في محافظة إب وليلحق ثوار إب بإخوانهم ثوار تعز لتكون المسيرة بعدها كالجاذبية التي تجذب إلى صفوفها كل من سمع بها أو مرت به ولم تكد تصل إلى العاصمة صنعاء إلا وكانت مسيرة مليونية عظيمة لم يحدث في التاريخ مثيلاً لها.

ونحن اليوم في الذكرى الرابعة لهذه المسيرة العظيمة نستذكر ونستلهم أحداثها والدروس منها وكيف جوبهت هذه المسيرة بالوحشية العفاشية لتكللها عصابات عفاش بمجزرة دار سلم الغادرة باستدراج وتنسيق حوثي عفاشي.

الحرب على تعز بتنسيق حوثي عفاشي مبكر:

ما تمر به مدينة تعز اليوم من العدوان الحوثي العفاشي والحصار والقتل والتشريد ليس وليد اللحظة، كما يتصور الكثير من المراقبين، بل هو نتيجة تخطيط وتنسيق حوثي عفاشي بدأ التهييء له بعد جمعة الكرامة في الثامن عشر من مارس 2011، ومن ثم بدأ صالح الحرب الأولى على تعز في الثالث والعشرين من مايو 2011، انتقاماً من هذه المحافظة الحرة. وحيث لم تكن تصريحات أو تسريبات مهدي المشاط في مشاورات جنيف2 عن تعز وتمنيه إبادتها لم تكن عفوية كما يظنها البعض بل ذاك هو تطلعهم وحقدهم التاريخي على هذه المحافظة وهو بذلك يجاري تصريحات وأمنيات إسحاق رابين الذي قال ذات يوم: "أتمنى أن أصبح وقد ابتلع البحر غزة"، فها هو بعض أصدقاء رابين يكرر المقولة عن مدينة تعز: "أما نحن فنتمنى أن نبيد تعز عن بكرة أبيها".

كشهود عيان ومشاركين في المسيرة العظيمة يروي الكثير من الشهود كيف سارت المسيرة وكيف عمل الحوثيون للحاق بالمسيرة واستثمارها منذ وصولها إلى مدينة ذمار والتحرك صوب صنعاء، يروي الجريح المشارك الزميل محمد الصلوي بالقول: "إنطلقت مسيرة الحياة في اليوم الثالث بعد المبيت في ساحة ذمار لحق الحوثيون بالمسيرة وكانوا قد هيأوا سيارة بمكبرات صوت لقيادة المسيرة حينما علموا أن المسيرة لم تقودها أي من الأحزاب وحاولوا قيادتها وتوجيهها بحسب رغباتهم، وكنا قليل من الشباب من يدرك مرامي الحوثيين من تلك التصرفات وحاولنا توضيح هذا الأمر لكثير من شخصيات المسيرة وكانت المسيرة تمضي ولا متحكم بها في حقيقة الأمر حتى وصلنا لخدار من بلاد الروس والمبيت هناك".

ويضيف الصلوي: "كانت التوجسات تكبر لدينا شيئا فشيئا حتى بدأنا بالتحرك من خدار صوب العاصمة صنعاء لاحظت مسلحين متخفين على جوانب الطرقات وبعضهم انضم للمسيرة بالقرب من قرى حزيز وكانت المفاجأة أن المسلحين كانوا حوثيين وشعار الصرخة ملصقة على عسوابهم وعلى أسلحتهم، وكثرت لدينا المخاوف ليس من أولئك المسلحين بل من استغلال تواجدهم من قبل نظام عفاش والقول أن المسيرة كانت مسلحة وتبرير مهاجمتها".

وفعلاً في تلك اللحظات كان السفير الأمريكي جيرالد فيرستاين يشير إلى هذا التوجس ويصرح ضد مسيرة الحياة بالقول: "المسيرة كانت غير سلمية واستفزازية للنظام لتدفعه لردة فعل عنيفة وهو ما حصل"، فكان ضوءاً أخضر من أمريكا لنظام صالح بقمع المسيرة وركون موقف صالح عليه فكانت المجزرة.

كانت السفارة الأمريكية تلعب دوراً مشبوهاً مع نظام صالح منذ أول أيام الثورة والولايات المتحدة هي من دعمت نظامه وأبقت عليه كل هذه المدة.

إستدراج حوثي لمسيرة الحياة:

كان مشهد الحوثيين لافتاً، وهم يحرضون الشباب وعلى "المشترك" وحكومة الوفاق الوطني وهم يرددون شعاراتهم: "يا حكومة الوفاق..أظهرتم وجه النفاق"، و"ياحكومة نص النص..واحد قاتل واحد لص"، كما قاموا بتعبئة المسيرة ضد هذه الحكومة وتعبئة الشباب بعدم الاستماع لأية توجيهات تحثهم على الوصول إلى ساحة التغيير بل المسير إلى ميدان السبعين والاعتصام فيه.

ومن جانبه يروي صادق الصوفي جانباً من تلك المشاهد فيقول: "مجرد أن وصلنا حزيز كان المسلحون الحوثيون المندسون في المسيرة من بعد خدار يعتلون أسطح بعض المنازل المجاورة وكانوا واضحين في ذلك، بينما كانت سياراتهم ذوات مكبرات الصوت تهتف بالمسيرة التوجه من دار سلم إلى ميدان السبعين، وكنا نحذر من تلك التوجيهات لكن أصواتنا بحت وكنا أشبه بغريق بين عاتيات الأمواج المتلاطمة وسط المحيط ونحن نصرخ بملء أفواهنا هو استدراج حوثي هو فخ حوثي لا تصدقوهم، بينما كانت كثير من الأصوات التي هي محسوبة على الثورة الحقيقية متأرجحة بين الاستجابة للحوثيين وبين حماس المسيرة ولكن القدر كان أقرب من كل شيء".

وبينما كانت المسيرة محاصرة من كل اتجاه ولم يترك لهم مندوحة من الشوارع المحيطة للهرب من الرصاص كان المسلحون الحوثيون في الشوارع الفرعية يحاصرون الشباب من الهرب ومن ثم إعادتهم إلى المربع الأول جوار جولة دار سلم ليتعرضوا لما تعرضوا له من القتل والإصابات والاختطاف، بما في ذلك اختطاف بعض النساء المشاركات في المسيرة.

مجزرة دار سلم والدور المشبوه للحوثيين:

بدأت قوات صالح من الأمن المركزي تطلق قنابلها الغازية فجأة في جولة دار سلم ووسط هذه الأجواء كان الشابان عبدالرحمن عقلان وصادق الصوفي وغيرهم كثير يصرخون وسط تلك الأمواج والقنابل وهم لا يُسمعون والحوثيون يجرجرون المسيرة بإصرار كبير للتخييم في ميدان السبعين دون جدوى وكأن تلك التوجيهات كانت شفرة متبادلة بين قوات صالح والحوثيين لاستدراج المسيرة ومحاصرتها من كل زاوية.

ودون سابق إنذار كانت القنابل الغازية قد ملأت المكان وتساقط الشباب المرهقين بالمسير وبدون غداء حتى تلك اللحظة الثالثة والنصف عصراً، وبدأ الرصاص ينهمر على الشباب من كل اتجاه.

إرتقى الشهداء وسقط الجرحى وجلهم من أبناء تعز ومن لحق بهم المسير في تلك المسيرة لتظهر أعظم أنواع التضحيات وأبشع صور الاستقبال العفاشي والغدر الحوثي.

وكان عدد الضحايا لهذه المجزرة هم 9 شهداء وواحد وستون مصاباً بالرصاص الحي إصابات مختلفة، وثلاثمائة وسبعة  وثمانين مصاباً بالغازات السامة.

وتم اختطاف عدد من شباب المسيرة بينهم فتاتان أطلق بعضهم ومعهم الفتاتان في اليوم الثالث من اختطافهم.

فقد كان العقيد ركن فائز العصامي قائد وحدة السيطرة ومكافحة الشغب في الأمن المركزي يقوم بارتكاب مجزرة دار سلم لمسيرة الحياة هو والعقيد مطهر السراجي ويحرض الجنود على قتل المشاركين في المسيرة، قال الجندي في الأمن المركزي وأحد الجنود الحاضرين في المجزرة ماجد عبدالله.

وروى الجندي ماجد عبدالله لكاتب السطور أنهم تفاجؤوا بأوامر إطلاق النار على المسيرة، بينما كانت عندهم أوامر تقضي بمرافقة المسيرة ولا يتحرشون بها، مما فاجأهم وأدى بالبعض منهم أن يتخفى خلف صفوف المتظاهرين دون إطلاق النار، وحين تردد بعض الجنود في إطلاق النار كان يصرخ بهم بالسب والشتم يحرضهم على إطلاق النار. 

لم ينته الدور المشبوه للحوثيين عند تلك النقطة فاستبقوا المجزرة بانسحابهم إلى ساحة التغيير وهروباً من المواجهة، وقاموا بتحريض الشباب الغاضب المجروح وخاصة شباب "مسيرة الحياة" ومستقبليهم ضد اللجنة التنظيمية ومنصة ساحة التغيير وقام الجميع باقتحامها؛ الشباب غاضب مجروح لم يكن يعلم نوايا الحوثيين.

وكما هي عادتهم في كل مرة ينسحبون بعد استدراجهم المسيرات للأفخاخ ولذلك نستطيع معرفة أسباب عدم سقوط منهم قتلى ولا جرحى ولا حتى يتم اعتقالهم في كل المحطات الثورية التي مرت بها ثورة 11 فبراير.

 تعز تهب الحياة فيهبونها الموت:

في كل حدث صغير أو كبير في أي من محافظات اليمن، ومنها صعدة على وجه الخصوص، كانت تعز تنتفض في احتجاجات مختلفة ضد نظام صالح فيما مضى لشنه الحروب المختلفة على الحوثيين في صعدة أو قمع مسيرات الحراك الجنوبي حتى أن مسيرات تعز أيضاً تتعرض لقمع وهي تتضامن مع بقية اليمنيين في كل المحافظات.

تعز تستنكفها الأحداث والدم اليمني الذي يراق ولذلك لا ترضى أن تقف متفرجة بينما الدم اليمني يسال دون وجه حق.

وبحرص ومسؤولية الأخ الأكبر والعاقل تتحرك تعز عن بكرة أبيها تغلي وتتقد فهي رفضت حروب صالح الستة ضد الحوثيين رغم اتضاحهم أنهم بغاة، وهم يكافؤونها اليوم قتلاً وحصاراً ودماراً وتشريداً.

لم تكن تعز تعلم أن حياة الحوثيين هو تسمين لهم ليقتلوها لاحقاً، أو الوقوف ضد قمع الحراكيين ليعودوا يعاملون أبناءها بعنصرية مقيتة فتحتجزهم في كل الطرقات والأرصفة.

تبدو تعز وكأنها الشجرة التي تغذي كل من حولها بالأوكسجين حتى لا يموتون اختناقاً حتى إذا نجوا عادوا ليخنقوها ويستخدموا ضدها كل أنواع أدوات القتل والموت.

يرى مراقبون كثر أنهم لم يشهدوا محافظة من المحافظات اليمنية وخاصة التي لا توجد فيها قوة كابتة لها أن تنتفض ضد ما يحصل لتعز أو مدها بقليل من الحياة والأوكسجين الذي كانت تمد بها، لم نر عدن ولا حضرموت ولا أبين ولا لحج ولا الضالع ولا المهرة ولا شبوة ولا غيرها هبت للدفاع عن تعز ولو بقيادة احتجاج بسيط، وهي تتعرض كل ما تتعرض له اليوم من القتل والدمار والحصار والتشريد إلا لأنها اعترضت قوات الحوثة وهي تتجه جنوباً لقتل إخواننا الجنوبيين فقالت لا فدماؤنا دون دمائهم وأرواحنا دون أرواحهم، فهل من جزاء حسن لهذه المحافظة الأبية لإنقاذ ما تبقى فيها من روح؟!!

الأكثر زيارة