اقلام واراء

هل الجنبية موروث يمني؟!

موسى النمراني
وقت القراءة: 1 دقائق

أحزنني مقطع فيديو تداوله ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي يظهر اعتقال الشرطة البريطانية لشابين يمنيين كانا يتجولان في مكان عام وهما يرتديان الزي اليمني التقليدي، بما في ذلك "الجنبية".

باعتقادي أن الجنبية اليمنية لا تنفصل في أصلها الوظيفي عن تقليد إنساني أوسع ارتبط بالحاجة إلى الحماية الشخصية قبل تشكل الدولة الحديثة، ففي القرون الوسطى وما قبلها، لم يكن حمل السلاح الأبيض، سواء كان خنجراً أو سيفاً، ممارسة مقتصرة على منطقة جغرافية معينة، بل كان ضرورة عالمية للبقاء والدفاع عن النفس في معظم المجتمعات.

وفي ظل غياب مؤسسات الدولة الحديثة التي تحتكر حق استخدام القوة وتوفر الأمن لمواطنيها، كان كل فرد مسؤولاً شخصياً عن حماية نفسه وممتلكاته وعائلته، وبالتالي كانت الأسلحة البيضاء -سيوفا وخناجر أياً كانت التسمية والشكل- جزءاً من الزي اليومي في كل أصقاع العالم، حتى أن بعض الثقافات والأديان فرضت على أتباعها أنواعا معينة من الأسلحة.

مع تطور مفهوم الدولة الحديثة وتأسيس أجهزة الشرطة والقضاء التي تولت مسؤولية الأمن وإنفاذ القانون، تخلت معظم المجتمعات تدريجياً عن عادة حمل السلاح الشخصي في الأماكن العامة، وتحول السلاح من أداة نفعية إلى قطعة تاريخية أو رمزية، أو أداة تُستخدم في سياقات محددة مثل الرياضة أو الاحتفالات التراثية.

إلا أن اليمن، ولظروف تاريخية واجتماعية معقدة، لم يشهد هذا التحول المؤسسي بالقدر نفسه من الفاعلية والاستمرارية؛ فبسبب ضعف الدولة أو فسادها في فترات طويلة، ظل الأمن موضوعاً شخصياً إلى حد كبير، حيث شعر الأفراد بمسؤوليتهم عن حماية أنفسهم ومن يعولون، وهذا الواقع أدى إلى استمرار عادات حمل السلاح والتباهي به، ليس فقط كأداة للدفاع، بل كرمز للمكانة الاجتماعية والرجولة والشرف.

 

وهكذا، فإن الجنبية اليمنية، التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين لم تتطور لتصبح مجرد قطعة مُتحفية أو رمزاً احتفالياً بالكامل، كما هو الحال بدرجات متفاوتة في سلطنة عمان أو في بعض مناطق جنوب السعودية، حيث غلب الطابع الاحتفالي والرمزي على الاستخدام اليومي، بل ظلت تحمل دلالات الحماية الشخصية والاستعداد، حتى وإن كان استخدامها الفعلي كسلاح في المشاكل يخضع لمعايير اجتماعية وأحكام قبلية صارمة، وبرغم تحسن الأوضاع الأمنية نسبياً في بعض الفترات، إلا أن الجنبية بقيت عادة متأصلة، مما جعلها تبدو وكأنها خصوصية يمنية أزلية، بينما هي في جوهرها بقايا لواقع أمني واجتماعي كان عالمياً في يوم من الأيام.

واجهت الجنبية تحولاً عميقاً في دلالاتها الاجتماعية؛ إذ تختلف النسخة المعاصرة التي نراها اليوم جذرياً عن تلك التي عرفها المجتمع اليمني تاريخياً في دلالاتها الاجتماعية، حيث طورت القبائل والمجتمعات المحلية عبر الزمن منظومة رمزية معقدة ترتبط بشكل الجنبية، وغمدها، وحزامها، وطريقة تزيينها، وخامة مقبضها، وزاوية حملها، وحملت هذه التفاصيل معاني مفهومة داخل المجتمع، تتيح الاستدلال على الانتماء القبلي لحاملها، ومكانته الاجتماعية، والمنطقة التي ينتمي إليها أحياناً، فشكلت لغة اجتماعية غير مكتوبة، يقرأها الناس كما يقرؤون الأزياء العسكرية أو الشارات المهنية، وتجاوزت المسألة مجرد امتلاك خنجر، لتمثل مجموعة من الرموز والإشارات التي تراكمت عبر أجيال طويلة من الأعراف والتقاليد.

ومع التحولات الاقتصادية والاجتماعية الحديثة، دخلت الجنبية دائرة السوق، وأصبحت سلعة تُصنع وفق أذواق الزبائن ورغباتهم الفردية، وخضعت للتطوير والتعديل والتزيين التجاري، فتراجعت كثير من الدلالات التقليدية التي ارتبطت بأشكالها وأنواعها، ومع الوقت، ضعفت قدرة المجتمع على قراءة تلك الرموز القديمة، وانتقلت الجنبية من نظام اجتماعي غني بالمعاني، لتستقر كرمز ثقافي عام يعبر عن الهوية اليمنية في صورتها الواسعة.

ولهذا، تحمل الجنبية المعاصرة مفارقة لافتة؛ إذ تنتشر اليوم كرمز وطني جامع يفوق حضورها في الماضي، وتفتقر في الوقت ذاته إلى ثراء المعاني الاجتماعية الدقيقة التي حملتها داخل المجتمعات القبلية والمحلية، فبقي الرمز الجامع حاضراً، بينما تلاشت أو ضعفت شفرات اجتماعية كثيرة كانت تمنحه طبقات إضافية من المعنى.

واقعة اعتقال الشابين اليمنيين في بريطانيا تُبرز الصدام بين نظامين اجتماعيين وقانونيين مختلفين جذرياً، فمن جهة، هناك القانون البريطاني الذي يعكس تطور دولة حديثة تحتكر العنف وتضمن الأمن لمواطنيها، وبالتالي تُجرم حمل أي سلاح أو التلويح به في الأماكن العامة لحماية النظام العام، ومن جهة أخرى، هناك الموروث الثقافي اليمني الذي نشأ في سياق تاريخي مختلف، حيث كانت الحماية الشخصية ضرورة، وتحولت الجنبية مع الزمن إلى رمز للهوية والرجولة، متجاوزة وظيفتها الأصلية كسلاح.

تلجأ المجتمعات عادة إلى إضفاء طابع الرومانسية على ضروراتها القاسية، وتغلف أدوات البقاء بإطار تاريخي وجمالي يمنحها حصانة تعيق مراجعتها بمرور الوقت، وتمثل الجنبية اليوم تجليا واضحا لهذه العملية، حيث نسي المجتمع سياقها التاريخي المرتبط بغياب الأمن، واحتفظ بها كرمز للكرامة والانتماء، وتجاهل أنها تمثل دليلا ماديا على تعثر مسار بناء الدولة اليمنية الحديثة، وبقاء المجتمع اليمني في مرحلة ما قبل العقد الاجتماعي المكتمل.

وإذا ما تجاوزنا هذا السياق، وتعاملنا مع الواقع بمعزل عن خلفياته التاريخية وأسبابه وسلمنا بأن الجنبية تعد اليوم موروثا ثقافيا في ذهن كثير من اليمنيين، فإن هذه الحادثة باعتقادي تفرض ضرورة إعادة التفكير في أدوات التعبير عن الهوية في دول الاغتراب بشكل يوازن بين الحرية الشخصية والنظام العام، حيث يحتاج جيل الشباب من اليمنيين، سواء كانوا مهاجرين جدد، أو أبناء مهاجرين قدامى، إلى فهم عميق للفلسفة التشريعية للبلدان المضيفة، وإدراك أن الحفاظ على "الموروث" يستلزم تكييفه وتأطيره ليتوافق مع متطلبات السلامة العامة، وبالطبع يمكن للمجتمعات المهاجرة الحفاظ على رموزها وتمريرها للأجيال عبر مساحات آمنة كالفعاليات المغلقة والمهرجانات المرخصة، ويسهم هذا التوجه في تقديم الثقافة الأصلية بطريقة تحفظ كرامة الأفراد، وتجنبهم التورط في نزاعات قانونية قاسية بسبب سوء تقدير لتباين السياقات .