تناولنا في العدد السابق الشطر الأول من الهدف الداخلي( المحلي) الأول، لاستغلال الحوثيين عملية طوفان الأقصى في غزّة، المتمثّل في قمع احتجاجات المعلّمين خاصة، ونكمل في هذا العدد الشطر الآخر من هذا الهدف، وهو تحشيد مقاتلين، من بينهم أطفال، لصالح الحوثيين، قبل أن نختتم في العدد القادم -بعون الله- بالهدف الآخر، وهو السعي نحو تقديم الحوثيين أنفسهم خارجياً، بديلاً عن الدولة الشرعية الحالية، ونكمل هنا الشطر الثاني من الهدف الأول على النحو التالي:
2-تحشيد مقاتلين من بينهم أطفال
الشطر الآخر من ذلك الهدف المحلّي (الداخلي)؛ يتمثّل في إفادة الحوثيين من تلك التحركات والتهييج للشارع باسم غزّة وفلسطين لتحشيد المقاتلين والأطفال منهم خاصة، وتخطّف بعضهم من المدارس، إلى جبهات الحوثيين القتالية، التي تعاني من تناقص مستمر في أعدادها البشرية، بسبب كميّة الدماء التي تسيل، بين قتلى وجرحى. وبذريعة الجهاد ضدّ الصهاينة في فلسطين يحشدون المواطنين للتطوع في قتالهم، ثم لا يجد هؤلاء أنفسهم إلا في جبهات الحوثيين، بدعوى التدريب والتهيئة، غير ان التهيئة والتدريب ينتهيان بهم إلى جبهات الحوثي وحده! ومع أن كل المعطيات تؤكّد لكل ذي بصيرة أن الحوثيين ليسوا بوارد الدفع بهؤلاء المتطوعين للقتال في غزّة أو فلسطين، ولم يثبت يوماً أنهم أرسلوا مقاتلاً واحداً إلى غزّة بأيّة طريقة، مع أن سنتين كاملتين مرّتا في المواجهات مع الصهاينة، وها هي ذي السنة الثالثة تجاوزت نصفها الثالث، والعدوان الصهيوني مستمر على غزّة كذلك، رغم كل ما قيل عن توقّف الحرب، ليتأكّد لكل من جادل حين ذاك، بتوفر أدنى مصداقية لدى الحوثيين في نصرة غزّة، أنه كان واهماً وعاطفياً –بل ثبت اليوم خاصة، أنها كانت مزايدة مكشوفة، كان لتعزيز جبهات الحوثي القتالية وحدها؛ ولو افترضنا أن أحد أولئك المغرّر بهم جرأ فسأل الحوثيين، أين غزّة، وها هي ذي السنة بعد الأخرى تترى، ونحن لم نغادر جبهات القتال معكم؟ لجاء الجواب الحوثي "العبقري" قائلاً:
غير مسموح لنا حاليا بالتحرك إلى فلسطين، ولكن انتظروا هنا حتى ن يأتينا الجواب بالسماح لكم بالمشاركة هنالك، أو نجد طريقة خفيّة لبلوغ ذلك!
والواقع أن ذلك ما أكّده تقرير فريق الخبراء الدوليين، الصادر عن مجلس الأمن الدولي، بشأن اليمن لسنة 2024م، الصادر في 11/10/2024م، حين نصّ على أن الخطاب الحوثي خلال حرب غزّة أدّى " إلى تجنيد عدد كبير من المقاتلين الجدد من أجل " تحرير فلسطين من الأعداء". ويشكّك معظم المحاورين اليمنيين، في وجود أيّ احتمالات على الإطلاق، لأن يتوجّه هؤلاء المقاتلون المجنّدون حديثاً إلى غزّة، بل يُعتقد أنّه قد يزجّ بهم في معارك مع حكومة اليمن"([1]). وأضاف التقرير أن هذا التحشيد في مختلف المحافظات الخاضعة لسيطرة الحوثيين، تحت عنوان " طوفان الأقصى"، دفع كثيراً للتجنيد والتدريب. وبحسب الفريق فإنه أبلغ أن الحوثيين جنّدوا منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2023م عدّة ألوف، من بينهم أطفال ([2]).
وشواهد ذلك كثيرة منها – على سبيل المثال- ما شهدته محافظة حجة، يوم 24/12/2023م، من عرض شعبي مسلَّح، بمناسبة تخرج أكثر من 20 ألف متطوّع من الدفعة الأولى، من الدورات العسكرية المفتوحة "طوفان الأقصى" لقوات التعبئة، بحضور عضو المجلس السياسي الأعلى للحوثيين، محمد علي الحوثي([3]).
وفي ذلك العرض الذي حضره عدد كبير من قيادات الحوثيين العليا من داخل محافظة حجة ومن خارجها، إلى جانب محمد علي الحوثي خاطب هذا الأخير الحضور قائلاً: إن " قبائل وأبناء حجة خرجوا اليوم استجابة لتوجيهات قائد الثورة؛ نصرة للأقصى، ولم يخرجوا للتجمهر والاستعراض بل لإعلان الجهوزية لخوض غمار الموت؛ دعما وإسنادا للمقاومة الفلسطينية الباسلة"([4]).
وأضاف الحوثي أن " قائد الثورة دعا إلى فتح المنافذ لأبناء الشعب اليمني للوصول إلى فلسطين، وأن الشعب اليمني يعد نفسه مستعينا بالله، ولا يخاف في الله لومة لائم"([5]).
وهذه المناشدة الشكلية الواردة على لسان الحوثي محمد علي، عن الحوثي عبد الملك؛ تمثّل قمّة الاستخفاف بوعي اليمنيين، والإصرار على الإمعان في احتقارهم؛ حيث تصوّر لهم أن مناشدة عبد الملك؛ ستستحيل إلى أمر أعلى، صادر عن "سيادته" لفتح المنافذ؛ وليس أمام الصهاينة، ومن في حكمهم بعد ذلك؛ سوى المسارعة إلى الإذعان الفوري، والتسابق إلى التنفيذ العاجل!
أمّا حزام الأسد عضو المكتب السياسي للحوثيين فقد صرّح في 20/12/2023م أن جماعته" أعلنت حشداً شعبياً عاماً لتجهيز مسلّحين للمشاركة في الأعمال القتالية، إلى جانب المقاومة الفلسطينية في غزة". وقال:" إن هذا الجيش الشعبي سيساند أهلنا في غزة الذين يتعرّضون للإبادة الجماعية، على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي، بدعم من الولايات المتحدة، إذا توافرت الظروف والفرص للوصول إلى قطاع غزة، والمشاركة في العمليات العسكرية"([6]).
وفي اعتراف شبه صريح عن الهدف الحقيقي من تحشيد أولئك المقاتلين، باسم غزّة؛ علّق محمد عبد السلام الناطق الرسمي باسم جماعة الحوثيين، في 12/12/2024م، أي عقب انتصار الثورة السورية على نظام الأسد في 8/12/2024م، في سياق ردّه حول قدرة جماعته، على الصمود في السيطرة على السلطة، بعد تساقط أذرع طهران في المنطقة، واحداً بعد الآخر، علّق قائلاً:" إن اليمن اليوم أقوى من أي وقت مضى...كما أن هناك مقاتلين بالألوف انخرطوا فقط بعد معركة طوفان الأقصى"([7]).
وبناء على تلك الحقيقة فإن استغلال الحوثيين عملية طوفان الأقصى في غزّة، لأهداف حوثية محضة؛ من بينها استغلال الأطفال للقتال في صفوفهم، بذريعة الدفاع عن غزة؛ قد أثار منظمات دولية ومحلية، فانتقدت منظمة العفو ( الدولية )- مثلاً- الحوثيين على هذا المسلك وقالت في 13/2/2024م:
" إن الحوثيين يقولون إنهم جندوا الألوف في قواتهم المسلحة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. ويفيد نشطاء أن الجماعة المسلحة تجند أطفالا لاً تتجاوز أعمار بعضهم 13 عاما. تجنيد الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 15 عاما هو جريمة حرب"([8]).
ونقلت المنظمة عن بعض الناشطين الحقوقيين الغربيين أمثال نيكو جعفرنيا وهي باحثة في منظمة العفو الدولية، تهتم بشؤون اليمن والبحرين قولها: "يستغل الحوثيون القضية الفلسطينية لتجنيد المزيد من الأطفال من أجل قتالهم الداخلي في اليمن. ينبغي للحوثيين استثمار الموارد في توفير الاحتياجات الأساسية للأطفال في مناطق سيطرتهم، مثل التعليم الجيد والغذاء والمياه، بدل استبدال طفولتهم بالنزاع"([9]).
كما تحدثت هيومن رايتس ووتش مع خمسة نشطاء حقوقيين وأفراد يعملون مع منظمات المجتمع المدني في جميع أنحاء اليمن أكدوا حصول زيادة كبيرة في تجنيد الأطفال في الأشهر الأخيرة ([10]).
واستندت المنظمة كذلك إلى شهادة امرأة تدير منظمة غير حكومية تركز على حقوق الإنسان قالت:": "يجعل الحوثيون الأطفال، يعتقدون أنهم سيقاتلون من أجل تحرير فلسطين، لكن الأمر انتهى بهم بإرسالهم إلى [الخطوط الأمامية في مأرب وتعز]. في الواقع. غزة التي يقصدها الحوثيون هي مأرب [مدينة يمنية ذات موارد نفطية هاجمها الحوثيون مرارا]" ،كما يحاصر الحوثيون بشكل غير قانوني الجزء الشمالي الشرقي من مدينة تعز منذ 2015، حيث منعوا وصول المياه والمساعدات الإنسانية إلى المدنيين"([11]).
وأوردت المنظمة عن حوثيين أنه على مدى الأشهر الثلاثة الماضية (أكتوبر-نوفمبر- ديسمبر/2023م)؛ قد تم تجنيد أكثر من 70 ألف مقاتل جديد، بما يشمل محافظات ذمار وحجة والحديدة وصنعاء وصعدة وعمران([12]).
وحاصل القول هنا: إن هرب الحوثيين من تسليم مرتبات المعلّمين خاصة والقطاع الوظيفي الحكومي – بصورة عامة- كانت الذريعة الجاهزة فيه انشغالهم الكامل بالوقوف مع المجاهدين في غزّة، وفي مقدّمة ذلك تزويدهم بالمقاتلين، إذ لا وقت لديهم للبحث في سفاسيف الأمور، من مثل مرتبات المعلّمين وغيرهم! على حين تمّ توظيف كل ذلك لصالح جبهات الحوثيين، من حيث دعمها بعشرات الألوف من المقاتلين، الذين تمّ حشدهم باسم غزّة، بمن فيهم أطفال المدارس وطلبة الجامعات، أو من هم في سنّهم! (يتبع في العدد القادم بإذن الله).