اقلام واراء

اليمن بعد هادي: لا فراغ دستوريًا… بل اختبار لشرعية التوافق

توفيق الحميدي
وقت القراءة: 1 دقائق

فتحت وفاة الرئيس عبد ربه منصور هادي لدى البعض باب الحديث عن فراغ دستوري في رأس السلطة، بحجة أن التفويض الذي نقل بموجبه صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي ينتهي بوفاته كما تنتهي الوكالة بموت الموكِّل. غير أن هذا القياس، وإن بدا متماسكا من الناحية الشكلية، يختزل إعلان 7 أبريل/نيسان 2022 في علاقة وكالة شخصية، بينما كان في حقيقته وثيقة انتقالية أخرجت توافقا سياسيا أوسع، ونقلت مركز ممارسة السلطة في لحظة كانت فيها الدولة قد خرجت أصلًا من انتظامها الدستوري الطبيعي منذ انقلاب 2014.

ليست مشكلتنا في اليمن في وجود الدستور؛ فالنص ما زال حاضرا. المشكلة أن الشروط السياسية والمؤسسية التي تجعله قابلا للتطبيق لم تعد قائمة. فالدستور لا يعمل بمجرد استدعاء مواده، بل يحتاج إلى دولة موحدة ومؤسسات قادرة على إنفاذه. ومنذ انقلاب 2014 انهارت هذه الشروط: سقطت العاصمة خارج سلطة الدولة، وانقسمت المؤسسات، وتعطلت الانتخابات، وتراجع الدور العملي للبرلمان، وتوزعت الجغرافيا بين سلطات أمر واقع ومراكز نفوذ متنافسة. لذلك فإن التعامل مع نصوص الدستور كما لو أن اليمن ما زال دولة طبيعية لا يجيب عن سؤال الشرعية، بل يعمق الالتباس؛ لأن النص وحده لا يحمل دولة تعطلت أدواتها الدستورية والسياسية.

من هنا ينبغي قراءة وفاة هادي لا بوصفها مجرد مسألة خلافة دستورية، بل بوصفها اختبارًا لطبيعة الشرعية التي حكمت اليمن منذ 2011. فاليمن لم يُدر منذ ذلك التاريخ بمنطق دستوري خالص، بل بمنطق توافقي بدءً بالمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومر بانتخاب هادي التوافقي، وحكومة الوفاق، ومؤتمر الحوار الوطني، ثم تعمق بعد انقلاب الحوثيين، واتفاق الرياض، وصولًا إلى إعلان 7 أبريل/نيسان 2022 الذي أنشأ مجلس القيادة الرئاسي. أي أن السلطة انتقلت تدريجيًا من قاعدة الدستور الطبيعي إلى قاعدة التوافق الاضطراري.

الدساتير ليست مجرد مواد مكتوبة، بل أدوات لتنظيم السلطة، ومنع الفراغ، وضبط انتقال الحكم، وتقييد القوة، وتحويل الصراع السياسي إلى قواعد ملزمة. غير أن هذه الوظيفة لا تتحقق إلا إذا وجدت دولة قادرة على حمل الدستور: مؤسسات موحدة، قضاء فاعل، برلمان قادر، سلطة تنفيذية ممتدة، واحتكار نسبي للقوة. فإذا انهارت هذه الشروط، بقي الدستور قائمًا من حيث النص، لكنه يفقد جزءًا كبيرًا من قدرته على إنتاج السلطة وإدارة الانتقال.

وهنا تتلخص المعضلة اليمنية: فالدستور نظم استقالة رئيس الجمهورية، ونظم حالة خلو المنصب، ورسم مسارًا لانتقال السلطة في الظروف الطبيعية، لكنه لم يكن مصممًا لحالة تنهار فيها العاصمة تحت سلطة جماعة مسلحة، وتنقسم فيها المؤسسات، وتتعطل الانتخابات، ويتحول البرلمان إلى مؤسسة محدودة الفاعلية. لذلك فإن استدعاء النصوص الدستورية بمعزل عن الواقع الذي عطل شروط عملها قد يتحول من دفاع عن الدستور إلى قراءة شكلية لا ترى أن النص لم يعد يجد الدولة التي يفترض أن تنفذه.

منذ 2011 دخل اليمن مرحلة لم تعد دستورية خالصة. فالمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية لم تكونا تطبيقًا حرفيًا للدستور، بل تسوية سياسية لإدارة الانقسام ومنع الانهيار الكامل. وبموجب ذلك التوافق جرى منح علي عبد الله صالح ومن معه ضمانات، بما في ذلك العفو، وانتُخب هادي رئيسًا توافقيًا في انتخابات غير تنافسية، وتشكلت حكومة وفاق، وانعقد مؤتمر الحوار الوطني، ثم أُعدت مسودة دستور جديد. كانت تلك المرحلة محاولة لإعادة إنتاج الشرعية عبر التوافق، لا عبر الآليات الدستورية الطبيعية وحدها.

ثم جاء انقلاب الحوثيين في 2014 ليكسر ما تبقى من المسار الانتقالي. لم يكن الانقلاب مجرد سيطرة عسكرية على صنعاء، بل كان إسقاطًا وظيفيًا للدستور؛ إذ لم تعد النصوص قادرة على حماية المؤسسات، ولا منع القوة من ابتلاع السياسة، ولا ضمان انتقال السلطة. ومنذ تلك اللحظة صار اليمن محكومًا بشرعيات متنازعة: شرعية دستورية منقوصة تستند إلى هادي والمرجعيات الانتقالية والاعتراف الدولي، وشرعية أمر واقع فرضها الحوثيون بالسلاح في صنعاء، وشرعيات محلية وعسكرية نشأت داخل معسكر الشرعية نتيجة الحرب وتفكك المركز.

ونتيجة لذلك لم يكن التوافق السياسي ترفاً، ولا خروجاً إرادياً على الدستور، بل ضرورة لإيجاد أرضية مشتركة ومنع الانهيار. غير أن التوافق، حين يطول بلا أفق دستوري، يتحول من جسر مؤقت إلى طريقة دائمة لإدارة الانقسام؛ ومن علاج للفراغ إلى آلية لتوزيع الحصص وتعليق المسؤولية.

الفترة الانتقالية الطويلة اضعفت قدرة الدولة على إنتاج سلطة موحدة. فالتوافق الذي بدأ كحل اضطراري تحول مع الزمن إلى حالة مفتوحة بلا نهاية دستورية واضحة، ومع غياب الحسم السياسي والمؤسسي تآكل مركز الدولة، وضعفت الرئاسة، وتراجعت فاعلية الحكومة، وبدأت القوى المحلية والعسكرية تملأ الفراغ الذي تركته السلطة المركزية. ومنها المجلس الانتقالي الجنوبي الذي تحول إلى قوة سياسية وعسكرية داخل مناطق يفترض أنها خاضعة للشرعية، لا بوصفه ظاهرة منفصلة عن ضعف الدولة، بل نتيجة مباشرة لطول المرحلة الانتقالية وتعثرها. فجاء اتفاق الرياض بين الحكومة المركزية والمجلس الانتقالي بعد احداث عدن، كاشفاً لهذا التحول لا منشئا له؛ اعترف عمليا بأن إدارة المناطق الخارجة عن سيطرة الحوثيين لم تعد ممكنة بمنطق الرئاسة المركزية وحدها.

ضمن هذا المسار ينبغي فهم إعلان 7 أبريل/نيسان 2022 لا بوصفه قرارا شخصياً لهادي وحده، ولا بوصفه تطبيقا دستوريا عاديا، بل بوصفه وثيقة انتقالية منشئة أخرجت مجلس القيادة الرئاسي إلى العلن ومنحته وجوده الرسمي والقانوني. فالإعلان لم يكتفِ بتفويض مجلس قائم مسبقا، بل نص على إنشاء مجلس القيادة الرئاسي، وحدد طبيعته ومهامه، ثم نقل إليه مركز ممارسة السلطة عبر العبارة الحاسمة:"وأفوّض مجلس القيادة الرئاسي بموجب هذا الإعلان تفويضا لا رجعة فيه بكامل صلاحياتي وفق الدستور والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية". وتكمن القيمة الدستورية لهذا النوع من الإعلانات في أنها لا تستمد قيمتها من كونها تطبيقا دستوريا عاديا، بل من كونها وثيقة ضرورة انتقالية حاولت حفظ استمرارية السلطة ومنع الفراغ، وتنظيم انتقال السلطة في لحظة تعطل المسار الدستوري الطبيعي. وبهذا المعنى، كان التوافق السياسي الذي سبق الإعلان بحاجة إلى وعاء قانوني يمنحه الصفة والاعتراف، فجاء الإعلان ليحوّل ذلك التوافق من تفاهم سياسي غير كافٍ بذاته إلى سلطة انتقالية معلنة. لذلك لا يصح اختزال الإعلان في وكالة شخصية تنتهي بوفاة هادي؛ لأنه كان وثيقة منشئة لترتيب انتقالي، لا مجرد إذن مؤقت بممارسة بعض الصلاحيات.

بهذا المعنى، تبدو القراءة المختلطة هي الأقرب إلى فهم الوضع القانوني لمجلس القيادة بعد وفاة هادي. فهذه القراءة لا تتعامل مع الإعلان كأنه إجراء دستوري مكتمل لا تشوبه إشكالية، ولا تختزله في وكالة شخصية تسقط بموت صاحبها. إنها تنظر إليه بوصفه ترتيبًا انتقاليًا وُلد في لحظة اضطرار، جمع بين عيب الشكل الدستوري من جهة، وحاجة الواقع السياسي إلى منع الفراغ من جهة أخرى. ولذلك لا يمنح الإعلان مجلس القيادة شرعية دستورية كاملة، لكنه في الوقت نفسه يمنعه من السقوط الآلي بوفاة هادي؛ لأن وجوده لم يعد قائمًا على حياة الرئيس السابق وحدها، بل على وظيفة انتقالية أُنشئ من أجلها: إدارة الانقسام، منع الانهيار، والحفاظ على إطار سياسي معترف به إلى حين الوصول إلى تسوية دستورية أوسع. ومن ثم، فإن شرعية المجلس تظل شرعية مؤقتة ومشروطة، لا شرعية أصلية أو دائمة؛ تقوى بقدر ما ينجح في توحيد القرار وفتح الطريق إلى عقد دستوري جديد، وتضعف بقدر ما يتحول إلى آلية دائمة لإدارة العجز وتقاسم السلطة

لذلك فإن وفاة هادي لا تخلق الأزمة، بل تكشفها. فهي لا تسقط مجلس القيادة تلقائيا، لكنها تسحب من المشهد آخر رابط شخصي بين الرئاسة القديمة والترتيب الانتقالي الجديد. قبل الوفاة، كان بالإمكان القول إن المجلس امتداد لتفويض الرئيس المعترف به دوليًا. أما بعدها، فإن المجلس يصبح مطالبًا بتعريف نفسه بصورة أوضح: هل هو جسر مؤقت نحو استعادة الدولة، أم إطار دائم لإدارة الانقسام؟ هل هو سلطة ضرورة، أم سلطة حصص؟

إن العودة الآلية إلى نصوص الدستور أو إلى مجلس النواب تتجاهل أن مجلس النواب نفسه لم يعد، بتركيبته الزمنية والسياسية الراهنة، قادرًا وحده على إنتاج انتقال دستوري جامع دون توافق سياسي أوسع. لقد تغير الزمن السياسي منذ آخر انتخابات برلمانية، وتبدلت الجغرافيا، وخرجت مناطق واسعة عن سلطة الدولة، ونشأت قوى مسلحة وسياسية لم تكن جزءًا من الهندسة الدستورية الأصلية. لذلك فإن العودة الشكلية إلى البرلمان أو إلى نصوص الخلو الدستوري، دون عقد سياسي جديد، قد لا تنتج شرعية، بل قد تفتح فراغا تملؤه القوى المسلحة، وفي المقدمة الحوثيون.

وهنا يجب التفريق بين الشرعية والمشروعية. فقد يملك مجلس القيادة قدرًا من الشرعية الانتقالية بحكم الإعلان والاعتراف والتعامل المؤسسي معه، لكنه لا يملك مشروعية سياسية وأخلاقية كاملة إلا بقدر ما ينجز وظيفته: توحيد القرار، إصلاح مؤسسات الشرعية، ضبط السلاح، وقف تحول الدولة إلى حصص، وفتح مسار وطني يعيد اليمنيين إلى عقد سياسي واضح. فإذا فشل في ذلك، فإن شرعيته ستبقى قائمة من حيث الشكل، لكنها ستتآكل من حيث المعنى.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد هادي هو السقوط في أحد وهمين: وهم أن إعلان 2022 كان دستوريًا كاملًا لا عيب فيه، ووهم أن وفاة هادي تسقط كل ما ترتب عليه. فالمجلس لا يسقط تلقائيًا بوفاة هادي، لكنه لا يجوز أن يستمر بلا أفق. المطلوب اليوم هو تحويله من إدارة للانقسام إلى جسر نحو عقد دستوري جديد.

لقد رحل هادي، لكن اليمن لم يغادر مرحلته. ما زال الانقلاب قائمًا، وما زالت الدولة منقسمة، وما زالت المؤسسات ضعيفة، وما زال الدستور يبحث عن دولة تحمله. لذلك فإن النقاش القانوني الجاد لا ينبغي أن يكون معركة بين حرفية النص وفوضى الأمر الواقع، بل بحثًا عن صيغة تعيد للدستور وظيفته، وللتوافق غايته، وللسلطة معناها. فالدستور لا يُنقذ بترديد مواده في فراغ، ولا تُبنى الدولة بتوافقات لا تنتهي. وحده الانتقال من توافق الضرورة إلى عقد وطني جديد يمكن أن يمنع اليمن من البقاء معلقًا بين شرعية ناقصة وفراغ مفتوح.